في اليوم السابع من شتاءٍ في مملكة "أجا"، حيث تلتف الجزيرة الشمالية من قارة "أريحا" بأردية جليدية دائمة، كان سوق النخاسة
يتنفس بخارًا ثقيلًا كحشرجة الموتى. بين الأقفاص الخشبية التي تصرع من شدة البرد، وقف رجلٌ أسودُ القلنسوة كغراب نُحِت من ظلام الشتاء. عيناه تحت ظلّ القماش تلمعان كجمرتين غارقتين في رماد الوجوه المرتعبة.
تقدّم الرجل نحو بائع الذي كان يهزّ سلسلةً صدئةً، عندي عبدٌ يصلح للمهمات الحقيرة.. يكتسح القذارة، ويرعى البهائم!
لم يلتفت الرجل الغريب، بل جال بنظره كسكينٍ يقطع حبال الأمل. كل العبيد الصغار انكمشوا إلا طفلًا نحيلًا وقف كعود ثقابٍ على وشك الاشتعال.
عيناه الواسعتان كبحرٍ جاف -تحدّقان في القلنسوة السوداء دون رَمْش، وكأنهما رأتا نهاية العالم.
"بكم هذا؟" سأل الرجل الغريب بصوتٍ كصَدىِ كهفٍ مهجور.
ارتبك التاجر:
"هذا؟ إنه جسدٌ هشٌّ.. اسمحْ لي أُريك مَنْ هو أقوى.."
لكن نظرةً واحدة من الرجل الغربي جمدت دم التاجر. سقط الكلام من فمه كحبات بردٍ متكسرة.
"مائتان وخمسون.. فضةً"
همس البائع مرغمًا.
ألقى الرجل الغريب كيسًا ثقيلاً على الطاولة. صوت الفضة داخله كان كضحكة باردة.
اقترب من الطفل الذي ارتجف كورقةِ شجرٍ أمام إعصار.
"ما اسمك؟"
صمتٌ ثقيل.. لا يُكسر إلا صرير أسنان التاجر.
"ما اسمك؟!"
كرّر الرجل، وانحنى حتى لامس وجهه وجه الصبي. صوته هذه المرة كان كهدير أرضٍ توشك أن تنشق.
"وَجِيْع..."
خرج الاسم من شفتي الطفل كزفير أخير.
ابتسم الرجل الغريب ابتسامةً
امتزج فيها القسوة بالانتصار
وكأنه وجد جوهرةً في كومة قمامة.
"وَجِيْع؟"
كرّر الاسم كمن يبصق طعمًا كريهًا،
وأنا سيدك الذي سينحت من آلامك سلطانًا. اسمي.. ياقوت!"
انسحب الباب الخشبي لعربة ياقوت كجفن تابوت يُغلق.
دخل الولد قبل سيده، كأنه يزحف إلى قبر دفعته إليه أظافر القدر.
صفحفة الثلج على السقف كأنها رمل في ساعة زمن تآكلت حباتها.
الظلام الداخلي كان أكثر سُمكًا من ظل القلنسوة، وأنفاس وجيع تخرج بخارًا أبيض كأرواح تهرب من جسده المجمد.
ياقوت لم يحرك ساكنًا.
جلس مسندًا رأسه إلى الزجاج المثلج، وعيناه تتتبعان ندبات الولد كخريطة لغزو قادم.
لم يكن صمته غيابًا للصوت، بل كان طنينًا قاتلًا يملأ الفراغ:
طنين ساعة رمل تعد التهلكة، أو زئير أسد قبل القفز
لما انتصف الليل، تحول الثلج إلى جدار ابيض مهول. توقفت عربة( ياقوت) فجأة في قلب الغابة، وكأن الخيول وقعت في فخ خفي. انحنى (وجيع) نحو نافذة مثلجة، فرأى سيده ينزل كشبح اسود في بحر البياض. وفجأة...
ظهر
كأن جبلا جليديا سقط من السماء. الوحش كان اطول من اطول شجرة سرو، لونه ابيض كالثلج النقي، لكن عينيه تتقدان كجمرتين في قاع جهنم. على رأسه
قرنان عملاقان كخطافين منحوتين من عظام تنين، يلمعان تحت ضوء القمر كسيفين ملعونين.
تقدم الوحش نحو ياقوت الذي بدا
كـ حشرة سوداء تزحف على بساط ثلجي
ثم زأر
الزئير الذي هز الكون:
ارتجت الارض كجلد طبل، وانشقت زجاج العربة إلى شظايا.
الخيول صاحت ذعرا، وحاولت الهرب، لكن (ياقوت) رفع يديه ورمى تعويذة بنفسجية جمدتها في مكانها كتماثيل جليدية.
الضربة التي حررت الغضب:
رفع الوحش قدمه العملاقة كصخرة هابطة من الفضاء
ثم دكها على الارض حيث يقف (ياقوت).
انفجر الثلج والتراب كموجة تسونامي،
وارتفع سحاب كثيف من الغبار حجب الرؤية عن (وجيع )الذي التصق بالنافذة كالفراشة في العاصفة.
فجأة...
اخترق السحاب شيء ابيض ساطع كالبرق،
ارتفع إلى الاعلى ثم سقط امام العربة
مدويا كشجرة مقطوعة.
كانت... قدم الوحش الضخمة!
مقطوعة ،
تنزف دما ازرق غليظا يغلي على الثلج كالحمم.
ما حدث خلف سحابة الغبار؟
لم ير وجيع سوى ظل اسود يخرج من الدخان:
(ياقوت) كان واقفا،
في يده خنجر من جليد ازرق يتقطر دما وهاجا
وعيناه تضيئان كعقابين جائعين في ليلة قمر.
سقطَ الوحشُ العملاقُ كجبلٍ يذوبُ في لجةِ الموتِ.
ارتطامُهُ بالأرضِ أحدثَ زلزالاً صغيراً اقتلعَ جذورَ الصنوبرِ العتيقِ،
وصرختُهُ مزَّقتْ مسامعَ الليلِ كزجاجٍ يُسحقُ تحتَ عجلاتِ قطارٍ.
وقفَ (ياقوتُ) في قلبِ العاصفةِ الثلجيةِ،
صامتاً كشمعةِ ساحرٍ في مقبرةٍ
خطواتُهُ نحوَ الجسدِ المهزومِ كانتْ بطيئةً ومتعمدةً كأنَّما يمشي فوقَ مياهٍ ستغلي لو توقفَ.
(وَجِيْعٌ؟ من نافذةِ العربةِ المُشظاةِ،
يراقبُ المشهدَ المُستحيلَ
كيفَ لِـ قزمٍ أسودَ أن يجعلَ وحشَ الجبالِ يَرجفُ؟
كيفَ لِـ ظلٍّ بشريٍّ أن يُذلَّ كابوساً وُلدَ قبلَ الخليقةِ؟
رَفَعَ (ياقوتُ) خنجرَ الجليدِ الأزرقِ،
*فانبعثَ منه نورٌ شيطانيٌّ يلعقُ وجهَ الوحشِ المُحتضرِ.
الضربةُ لم تكنْ سريعةً،
بل متعطشةً كعاشقٍ يذبحُ حبيبَهُ ببطءٍ
غاصَ النصلُ في عينِ الوحشِ الصفراءِ،
فانفجرَتْ كنجمةٍ مذنبةٍ
وتدفَّقَ الدمُ الأزرقُ كأنهارٍ مسمومةٍ تملأُ أخاديدَ الأرضِ.
دماءُ الوحشِ لم تُلوِّثْ (ياقوتَ)
بل انصهرتْ مع ظلامِ قلنسوتِه
اللونُ الأسودُ الذي كان كريشِ غرابِ الموتِ
بدأ يتحولُ كيمائيّاً تحتَ تأثيرِ السائلِ الأزرقِ:
أولاً: بقعٌ زرقاءُ كعيونِ شيطانٍ نائمةٍ.
ثمَّ: تموجاتٌ بنفسجيةٌ كأجنحةِ فراشاتٍ سامةٍ.
أخيراً: غطاءٌ كاملٌ أزرقُ غامقٌ
يلمعُ في الظلامِ كجلدِ تنينٍ مُحَنَّطٍ
كلماتُ (ياقوتُ) الأخيرةُ للوحشِ:
لم تكنْ خطيئتي أنني قتلتُك،
بل أنني أخذتُ من دمِكِ تاجاً
لأكونَ مَلِكَ هذا الجحيمِ الأبيضِ!"
ثمَّ التفتَ نحوَ العربةِ،
حيثُ كانَ (وَجِيْعٌ) يتقيأُ رعباً
وعيناهُ تخترقانِ الظلامَ كسهامٍ
"الآن...
هل تَفهَمُ لماذا سُمّيتُ ياقوتاً؟"
حتى ألوانُ الشرِّ تتغيرُ
كي تُناسبَ برودةَ قلوبِ حَمَلَتِها."
من كتاب (أطيافُ أجا)