2 - شجرة الحياة و الشعر البنفسج

في أعماق الغابة القديمة، حيث تتشابك الأغصان وتهمس الرياح بأسرار القدماء، تنهض شامخة "شجرة الحياة" — أضخم الأشجار في قارة أريجا، وجذورها تضرب في قلب الأرض، كأنها نبض الطبيعة ذاته.

حول هذه الشجرة، ومنذ ثلاثة قرون، نشأت قبيلة غران تشاكو، قومٌ لا يعرفون الانفصال عن الأرض التي أنجبتهم. يعتبرون أنفسهم أبناء الطبيعة، لا سادة عليها. يحيون بها، ولها. رجالهم ونساؤهم يولدون بشعر أسود، لكنه يتحوّل إلى قرمزي مشتعل في لحظة احتدام القوة، علامة على اشتعال الروح وانبعاث القوة الكامنة في دمائهم.

كان زعيمهم، جايسون موموا، رجلًا لا يشبه غيره. طويل القامة، عريض المنكبين، في عينيه صلابة الجبال وطمأنينة الأنهار. قاد قبيلته لعقود طويلة، حاميًا لها من الأخطار، حافظًا لتوازنها مع الطبيعة والقبائل الأخرى. لم يكن فقط قائدًا، بل كان رمزا. حين زأر الخطر ذات يوم، متجسدًا في هيئة الوحش الأسطوري — أسد نيميا العملاق، ذاك الكائن الذي هبط على أرضهم ناشرًا الرعب، لم يتراجع جايسون. خاض المعركة، مع أبناء قبيلته، قُدّامه ووراءه، حتى أسقط الوحش بيديه العاريتين، رغم الخسائر التي مزّقت أرضهم وقلوبهم.

لكن الزمن لا يتوقف عند بطولات جايسون.

وسط هذه القبيلة، نشأت فتاة لم تكن كباقي الأبناء. كانت تُدعى أليجرا — ابنة جايسون الوحيدة. ولدت بشعر بلون البنفسج الداكن، لون لم يُعرف من قبل في القبيلة. وفي لحظات تحوّل القوة، لم يصبح شعرها أحمر كالباقين، بل اكتسى بلون البنفسج الملكي، كأن السمو نفسه قرر أن يسكن في خصلاتها.

همس الحكماء: "إنها المختارة... الحامية القادمة".

رغم كونها لم تحمل بعد سيفًا، كانت الأرض تنحني تحت خطاها، وكأن شجرة الحياة ذاتها تعترف بها. فحين يرحل والدها، سيأتي دورها، لا كخلف فقط، بل كروح جديدة للغابة، حامية لتوازن الطبيعة، وصوت للقبيلة في وجه المجهول

كانت (أليجرا) واقفةً أمام أبيها في ساحة التدريب تحت ظل شجرة الحياة عيناها البنفسجيتان تتقدان كبرق في غيمة داكنة. رفعت عصاها الخشبية بيد مرتعشة من الغضب:

"لقد سَئِمْتُ التدريب! متى سأحمل سلاحي الأسطوري؟ متى أخرج من هذه الغابة وأصطاد وحوش السحرة؟"

(جايسون) وقف كالتمثال المنحوت من جذع الشجرة، عصاه متواضعة في يده، لكن عينيه حملتا غيوم ثلاثين عاماً من الحكمة:

"أنتِ عديمة الخبرة يا ابنتي. حتى أنا - زعيم القبيلة - أتدرب كل فجر. القوة الحقيقية ليست في السلاح... بل في الصبر."

أحكمت أليجرا قبضتها على العصا حتى ابيضت مفاصلها:

"إذا هزمتُك اليوم... أتتركني أرحل؟"

تهللت تجاعيد وجه جايسون بابتسامةٍ تذكرها بضحكاته حين كانت طفلة:

"لا أحد يهزمني في هذا العالم... لكن تقدمي!"

انطلقت (أليجرا )كالذئبة الجريحة، عصاها تُحلق في الهواء كسهم مسموم.

لكن ضرباتها

تصطدم بجسد أبيها كأنها تضرب جبلاً من حديد

(جايسون )لا يصدّع... بل يراقب، يراوغ، يتحرك كظلٍّ بين ضرباتها وكأنه يرقص مع ريح قديمة.

"أسرع!" قال وهو يتجنب ضربةً كادت تصيب رقبته.

"أقوى!" همس حينما كادت ركبته تلامس الأرض.

وفي اللحظة التي ظنت فيها أليجرا أنها وجدت ثغرةً في دفاعه...

انقضَّ جايسون كالصاعقة

عصاه الخشبية تدور في دائرةٍ تذرع الريح.

ضربةٌ واحدة على ساقها... فتدور كالورقة الخريفية.

ثم هيَّ على الأرض، ظلُّ عصاه البارد يلامس رقبتها النابضة.

"استسلم." قال صوته كهدير بعيد.

قامت( أليجرا )وأوراق الغابة تلتصق بثيابها الممزقة، عيناها تلمعان بغضبٍ بنفسجي اللون:

"هذا غير عادل..."

لكن أباها مدّ يده لمساعدتها، فأدارت ظهرها فجأةً.

صفرت تصفيرةً حادةً اخترقت صمت الغابة...

فانقضَّ من بين الأشجار (سايلاس) - الذئب الروحاني الأبيض، عيناه كقطعتين من الياقوت الأزرق، فراؤه يلمع كالثلج تحت القمر.

ركبت أليجرا ظهره بسرعةٍ، وتسللت بين الأشجار كشبحٍ بنفسجي، حتى وصلت إلى نهر الدموع السرّي حيث المياه تُغني ألحاناً حزينة. هناك:

- جلست على صخرةٍ ملساء، تلمس شعرها البنفسجي المتوهج كأنه جرح مفتوح.

(سايلاس) يلحس خدها، وعيناه تنظران إليها بتفهّمٍ غامض

توقفت العربة عند قمّة التلّ، حيث منزل ياقوت يشبه قلعةً منحوتة من ضوء القمر. جدرانه الرخامية البيضاء تُلمع كأنها مغطاة بجلد تنين أسطوري، والنوافذ المرصعة بالزجاج الملون تلمع كعيون عملاقة. وقف (وجيع) يحدّق بفمٍ مفتوح،

شعره الأسود القصير

يتطاير في الريح كأجنحة غراب صغير:

"أهذا بيت... أم مدينة؟" همس وهو يلمس ذراعه الخشن، كأنه يتأكد أنه لم يتحول إلى شبح.

ضحك (ياقوت)، صوتُه دافئٌ كخرير ماء في صحراء:

"هنا تبدأ رحلتك من عبدٍ... إلى محارب ."

داخل القصر: حيث يصمت الفقر

الصعود إلى الطابق الثاني سلالم رخامية تلمع تحت أقدامهما،

درابزينها منحوتٌ على شكل أفاعي متشابكة رمز عائلة ياقوت.

صوت الخطوات يتردد صدى خطوات وجيع الخائفة كنبضات طبلٍ وحيدٍ في معبد مهجور.

رائحة الغنى عطر خشب العود والليمون روائح لم يشمها وجيع إلا في أحلامه.

دفع ياقوت باباً من خشب الورد:

"هذه غرفتك. ارتح... فغداً تدريبٌ سيغيّر مصيرك."

ولما دخل وجيع، تجمّد في مكانه

السجاد الأحمر الغامق يبتلع قدميهكرمل البحر الدافئ.

السرير الضخم يشبه مركباً ذهبياً يطفو في بحيرة من الظلام.

جلس (وجيع) بحذرٍ على حافة السرير، كأنه يجلس على بيضة تنين. يداه الصغيرتان تلمسان الغطاء الحريري

هل هذا هو شعور السحاب؟

تذكر فجأةً فراشه القديم كومة قشٍّ بارد في زاوية إسطبل، تنهشه براغيث كالرصاص. ارتعش وغاص بأصابعه في النعومة، خائفاً أن يُلوّثها بلمسة واحدة

خرج إلى الشرفة العاليةحيث الريح تُلوّح بشعره الأسود كرايةٍ صغيرة. نظر إلى الأسفل

الغابة السوداء تمتد كوحش نائم تحت التل.

-أنوار المدينة البعيدة تلمع كعيون ذئاب جائعة

سأل الريح بصوتٍ خافت

أيها المنزل العظيم... هل ستُخرجني كما أدخلتني؟ أم ستبتلعني كالوحوش التي أختبئ منها؟"

انغمس (وجيع) في نومه على السرير الناعم، بينما تلمع أنوار المدينة البعيدة من نافذة غرفته كعيون ذئاب جائعة. فجأة، وجد نفسه واقفًا في غابة ضبابية، جذور شجرة الحياة العملاقة تلتف حول قدميه كأذرع حانية. أمامه، على صخرة مغطاة بالطحالب المتوهجة، جلست (الأليجرا) وشعرها البنفسجي يلمع كالنجم الوحيد في ليل الغابة، وبجوارها ذئبها الأبيض "سايلاس" يراقب بصمت

مَن أنت؟" سأل( وجيع) بصوت يرتجف، ملمحًا بيده إلى ندوب ساقيه من أيام العبودية.

التفتت إليه( الأليجرا)، وعيناها البنفسجيتان تشعان بفضول: "أنا من يسألُ نفس السؤال! هذه غابتي... فكيف دخلت إليها؟".

تقدم وجيع خطوة، فانكشفت أمامه رؤى متلاحقة رؤية (الأليجرا): شهد طفولتها وهي تتسلق شجرة الحياة، بينما أبوها (جايسون) يحذرها: "الغابة لا ترحم الضعفاء!" .

رؤية وجيع: رأته الأليجرا طفلاً مُقيدًا بسلسلة حديدية في قبو مظلم، يهمس للفئران

"هل تظنون أن النجوم تشبهني؟

رفعت الأليجرا يدها، وتحركت جذور الشجرة كأفعوانيات لتنسج كرسيًا من الأوراق الذهبية لوجيع

"أخبرني... لماذا يحمل ظلك رائحة الخوف؟

أجابها وهو يلمس الندبة على ذراعه لأني عرفت أن الحرية أشبه بسرير ناعم... يخيف من اعتاد النوم على الحجارة".

فجأة، تحول ضوء القمر إلى لون الدم، وانبعث زئير مروّع من عمق الغابة. التزمت الأليجرا بقلق:

"أسد نيميا... لقد عاد!"

ظهر ظل الوحش العملاق على جذع الشجرة، بينما تحول شعر الأليجرا البنفسجي إلى لهب أزرق. أمسك وجيع بحجر من الأرض، لكن الأليجرا أوقفته:

"الحجارة لا تقتله! إنه وحشٌ يُقتل فقط بالذاكرة... ذاكرة الألم".

اقترب وجيع منها، وتلامست يداهما. انفجر نور بنفسجي من بين أصابعهما، وكوّن درعًا من الضوء صدّ ظل الوحش:

"كيف فعلنا هذا؟" - همس وجيع مندهشًا.

"لأن ألمك يشبه ألمي... وأحلامنا التقت تحت شجرة الأسلاف" .

حلّق فوقهما سربٌ من الغربان السوداء، أحدها هبط على كتف وجيع ونقر نقرتين على جبينه كالتحية. ابتسمت الأليجرا

"هذه غربان ياقوت... إنها تحمل رسالة".

سقطت ورقة ذهبية من منقار الغراب، كُتب عليها:

"المهمة تبدأ عند الفجر".

همس الذئب سايلاس في أذن الأليجرا: "الصبي هو المفتاح سيحملك إلى حيث لا أستطيع

قبل أن يجيب وجيع، بدأ جسده يتحول إلى ضباب. صرخت الأليجرا:

"لا تذهب! ما اسمك؟"

"وجيع... وأعدك سأعود!"

استيقظ (وجيع) على فراشه الفاخر، وفي يده ريشة غراب سوداء، وعلى وسادته بقعة من التراب الرطب كتلك التي في غابة الأليجرا. من النافذة، سمع صدى صوتها

الغابة تنتظرك، وجيع... وشجرة الحياة تتذكر وعود الأحلام

2025/06/01 · 54 مشاهدة · 1164 كلمة
Y.N.SH
نادي الروايات - 2026