كان الصباح يتسلل بخجل إلى نوافذ قلعة “ياقوت”، ناثرًا نوره على الحجر البارد والجدران الصامتة. نسائم البحر القادمة من أطراف جزيرة “أجا” تداعب الستائر الثقيلة، بينما لا يزال السكون مخيّمًا على أروقة القلعة… سوى في إحدى الغرف، حيث استيقظ وجيع على صوتٍ غريب، ناعمٍ وواثق.
“انهض… بأمرٍ من السيّد ياقوت.”
فتح وجيع عينيه ببطء، وهو يحاول التمييز بين الحلم والواقع. أمامه وقفت فتاة صغيرة، لا يعرفها، ترتدي ثوبًا بسيطًا وتملك عينين لامعتين كأنهما تعرفان أكثر مما يُقال.
جلس على حافة السرير، مشوش الذهن، ثم سألها بفضول لا يخلو من الحذر:
“من أنتي؟ من أين أتيتِ؟ وما اسمك؟ و… كم عمرك؟”
ابتسمت بخفة وردّت، وكأنها كانت تتوقّع هذه الأسئلة:
“أتيت مع القافلة فجرًا… اسمي (ألبينا)، عمري عشر سنوات. وأنت؟”
قال وهو يفرك عينيه:
“أنا (وجيع)… عمري أحد عشر.”
هزّت رأسها برقة وقالت:
“تشرفنا يا وجيع. إذا احتجت أي شيء، أنا هنا لخدمتك. والآن… الفطور جاهز. أعددتُ لك إفطارًا لذيذًا احتفالًا بوصولك.”
ابتسم بخجل ونهض من سريره. ذهب أولًا ليغسل وجهه، والماء البارد يعيد له شيئًا من التركيز. ثم تبع ألبينا إلى قاعة الطعام.
كانت المائدة ممتدة كأنها وليمة للملوك. خبز ساخن، أجبان، عسل، فواكه من كل لون، ولحم مدخّن تفوح منه رائحة تُغري حتى الشبعان. كل ما قد يشتهيه المرء في الصباح بدا وكأنه سُكب دفعة واحدة أمامه.
في الطرف الآخر من الطاولة، جلس السيّد ياقوت، كما لو كان ينتظر اللحظة المناسبة ليبدأ الحديث.
نظر إليه وجيع، وبين يديه كوب من الحليب، فابتسم ياقوت وقال بصوته العميق:
“كُل جيدًا، يا (وجيع)… أمامك تدريبٌ كثيف هذا
اليوم
بعد أن فرغ وجيع من طعامه، مسح فمه بطرف كمّه، ثم رفع عينيه نحو السيّد ياقوت، الذي ظلّ يراقبه بصمت. كانت نظراته كأنها تزن كل حركة، تفتش في داخله عن شيءٍ لا يُقال.
“هل شبعت؟” سأل ياقوت بصوته العميق.
هزّ وجيع رأسه.
“اتبعني.”
نهض ياقوت دون أن يضيف حرفًا، وخطا إلى خارج قاعة الطعام، ووجيع خلفه. مرا عبر أروقةٍ طويلة، يتردد فيها صدى الخطى مثل قرع الطبول في صدر الصبي. لم يتكلم، ولم يسأل. شيءٌ في هيبة ياقوت جعله يصمت، كأنّ الكلمات لا تجرؤ على البقاء في فمه.
خرج الاثنان إلى ساحةٍ واسعة خلف القلعة، تطل على البحر. الهواء هنا أكثر قسوة، محمّلٌ بالملح والبرد. الساحة مفروشة بالرمل، تتوسطها أسلحة معلّقة، وسيوف خشبية، وأكياس رمل معلّقة من السقف الحجري.
وقف ياقوت وسط الساحة، وأشار بإصبعه نحو السيف الخشبي:
“احمله.”
تقدم وجيع ببطء، أمسك بالسيف بيديه الصغيرتين، وشعر بثقله يسحب ذراعه إلى الأسفل.
قال ياقوت:
“ضربة للأمام.”
رفع وجيع السيف، وحاول أن يضرب. كانت الضربة ضعيفة، غير موزونة.
في لحظة، اقترب ياقوت منه، وصفعه على الكتف بقوة جعلته يترنح.
قال ببرود:
“لو كانت حربًا حقيقية، لكنت ميتًا الآن.”
حدّق فيه وجيع، مندهشًا، لكن لم يجد في عيني ياقوت أي قسوة. فقط… برود. صلابة كالحجر.
“اضرب مجددًا.”
فعل. مرةً ثانية، وثالثة. وكل مرة، إن كانت ضعيفة، كانت تأتي صفعة أو لكمة أو دفعة في صدره.
“أنت أضعف من أن تحمي نفسك، فكيف ستحمي من تحب؟”
“أنا أحاول!” صرخ وجيع.
رد عليه ياقوت، واقفًا كجدار:
“المحاولة لا تهم. النتيجة هي كل ما يهم. قم!”
أجبر نفسه على الوقوف. يديه تؤلمانه، كتفه مشتعلة من الضربات. لكنه رفع السيف من جديد.
واستمرّ التدريب ساعة بعد ساعة… حتى بدأت يداه تنزفان من قبض السيف، وركبتاه ترتجفان. كان البحر من خلفه، لكنه شعر أنه يغرق في العرق والتعب لا الماء.
وقبل غروب الشمس، قال ياقوت أخيرًا:
“كفى لليوم.”
اقترب منه، ووضع يده على كتفه هذه المرة لا ليؤلمه، بل ليقول:
“ستتعلم… أو ستنكسر.”
ثم استدار ومشى.
ترك وجيع وحده في الساحة، يلهث، قلبه ينبض بقوة، لكن… في عينيه، لأول مرة، لمعة لم تكن هناك من قبل
كان جسده يحترق. كل عضلة فيه تصرخ من الألم، ويداه المرتجفتان بالكاد قادرتان على حمل السيف الخشبي الذي أصبح ثقيلاً كالحجر. أنهى ياقوت التدريب دون كلمة شكر أو رضا، فقط نظرة حادة أخيرة قال فيها كل شيء
عد غدًا… إن استطعت الوقوف
توشحت السماء بلون الغسق، تشتعل أطرافها بألسنةٍ من الذهب والقرمزي، كأنها تُعلن عن نذير شرٍ يقترب من أسوار قلعة اللهب. في قلب القلعة، داخل القاعة الكبرى التي يعلوها قبو مقبب من الحجارة السوداء المزينة بنقوش التنين، اجتمع أهل الحكم، والعروش شاهدة، والجدران تُصغي.
كان الملك راغن داركون السابع جالسًا على عرشه المرتفع، سيفه “لهيب العهد” مغروس إلى جواره، يشع وهجًا باهتًا كأن النار نفسها كانت تتحيّن لحظة النطق. لم يقل شيئًا، لكن حضوره كان كافيًا لإسكات الهمسات.
عن يمينه، جلست الملكة إليارا دراكون، ترتدي رداءً قرمزيًا تنسدل منه خيوط من الرماد الفضي، وعيناها الداكنتان كليلٍ بلا نجوم، تتابع كل حركة وكل نَفَس.
الأمير كايل وقف بثبات بجانب العرش، كتفاه العريضتان ووشم التنين المشتعل على ساعده، يُشعرك أن الجيوش تبدأ منه وتنتهي عنده. أما الأميرة ماريسا، فعيناها نصف مغمضتين، تقلب صفحات كتابها “لسان التنين” بهدوء، كمن يعلم النهايات ولا يستعجل الوصول.
لم يُدعَ نيرون، الصغير الصامت… قيل إنه لا يزال طفلًا. لكن بعض الوجوه في القاعة تمنّت لو كان بينهم. صمته وحده يرعب، فكيف لو تكلّم؟
على الطاولة البيضاوية التي تتوسط القاعة، وقف اللورد هالدور، أحد كبار النبلاء، وبدأ الحديث بصوتٍ مشوب بالقلق:
“مولاي… المجلس يستعرض أمرًا لا يحتمل التأخير. لورد إسكار من مقاطعة الشمال لم يدفع ضرائب التاج منذ ثلاثة أشهر… والأدهى من ذلك، أن تقاريرنا تؤكد أنه يُجنّد رجالاً، ويشتري سلاحًا من الموانئ الشرقية.”
ارتفع همس من أرجاء القاعة، كريحٍ خافتة تمرّ بين الأحجار.
“ثلاثة أشهر؟”
قالها كايل، وصوته كنصل يُسحب من غمده، “لو كنتُ هناك لقطعت تمرده في ثلاثة أيام.”
ردّت الملكة إليارا بهدوء، وعيناها تلمعان:
“لو أنك فعلت، لكشف أوراقه قبل أن نعرف حجم النار. أحيانًا، علينا أن نراقب الدخان قبل أن نرسل المطر.”
ضحكت ماريسا بخفّة باردة دون أن ترفع عينيها:
“أراه يُعدّ نفسه لشتاءٍ طويل… لا يجمع الجيوش ليغزو الصيف. إنّه ينتظر زلّةً منّا… أو غيابًا.”
سأل أحد القادة العسكريين بتوتر:
“وهل ننتظر حتى يهجم؟ هل نمنحه الوقت ليحفر قبرنا؟”
هنا، تحرّك الملك أخيرًا. رفع يده، فعمّ الصمت. حين تحدّث، كان صوته أشبه بالحديد يُطرق في النار:
“إسكار نسي لمن ينتمي اللهب… نسي أن الضرائب ليست مالاً بل طاعة… نسي أن دراكون لا يُختبر.”
ثم نظر إلى كايل:
خذ خمسين من نخبة الحرس، ولا تذهب كأمير… بل كقاضٍ
انحنى كايل بإجلال لكنه قال:
وإن رفضوا الاستسلام؟
الملك أدار عينيه نحو اللهيب المتراقص في الموقد:
حينها… فلتُمحى اسمه من كتب العشائر. وليُزرع رماد قصره في حقولٍ جديدة
قبل أن ينفضّ الاجتماع، قالت ماريسا بصوتٍ خافت:
غريب… نيرون لم يُدعَ اليوم
فهمهم البعض، وسخر البعض الآخر.
لكن الملك لم يلتفت. فقط الملكة رمقت زوجها بنظرة لم تُفسَّر، ثم قالت بصوت كهمس الريح
لأن بعض النيران لا تُشعلها المجالس… بل تنتظر وحدها، في الظل
في الطابق العلوي من القلعة، حيث الممرات تلتف كأفاعٍ حول غرف مقفلة، وقف نيرون دراكون خلف جدار حجري تتخلله شقوق قديمة. كان الهواء باردًا رغم أنفاس النار في الأسفل، والظلال ترقص حوله كأنها تستأنس به
لم يكن بحاجة لدعوة. لم يكن يومًا ممن يُدعون.
لكنه عرف دومًا متى يجتمعون، ومتى يتكلمون، ومتى يكذبون
انحنى ببطء، وألصق أذنه إلى الجدار، عينيه تُحدقان في لا شيء
صوت كايل، صوت والده، صوت تلك الساحرة التي يسمونها أمّه كلها تصل إليه، كأنها همسات بين طيات ذهنه لا بين الصخور.
سمع اسم اللورد إسكار، وسمع الحديث عن التمرد… لكنه لم يبتسم لم يعقد حاجبًا لم ينطق
في يده الصغيرة كان يمسك بشيء ملفوف بقطعة من القماش المحروق خريطة قديمة مرسومة بالحبر والنار لا يعرف أحد كيف وصلت إليه… ولا متى بدأ يرسم عليها خطوطًا جديدة.
همس لنفسه بصوت لم يسمعه سوى الظلال
اللورد إسكار… لا يُخطئ إلا الحمقى عندما يظنون أن الثورة تُبنى ضد التاج… بعض الثورات تُبنى من داخله
ثم نظر إلى قفص صغير في الزاوية، داخله طائر ميت محترق نصفه مدّ يده ولمسه.
هل سمعت يا فيلَس؟ أبي سيرسل كايل للحرب… لكنهم لم يسألوا من سيُشعلها
صمت
عيناه تتوهجان للحظة كجمرتين تحت رماد، ثم أطفأهما بسكون كامل، كأن لا شيء كان
الموقع: أطراف مقاطعة الشمال – أراضي اللورد إسكار
الزمان: بعد ثلاثة أيام من اجتماع القلعة
الحضور: الأمير كايل، خمسون من نخبة الحرس، رسل اللورد، ومقدّمة جيشه
صوت الخيول فوق الثلج المتيبّس كان كصوت عظام تُطحن. الريح تعوي، والسكون يخفي توترًا كامنًا.
كان كايل دراكون يركب في المقدمة، سيفه مُعلّق خلف ظهره، يلبس درعًا أسود كجناح تنين، وشعار العائلة يتوهج فوق صدره
أمامهم، وقفت بوابة قلعة إسكار، مغلقة، وعليها رايات لا تحمل التنين، بل شجرة محروقة شعار البيت المتمرّد.
تقدّم أحد الرسل نحوهم وجهه شاحب وعيناه تتحاشيان النظر مباشرة لكايل
اللورد إسكار… لا يستقبل الوفود المسلحة، سموّك
أجاب كايل بصوت ثابت
أنا لا أحمل وفدًا. بل حُكمًا
صمتَ الحرس خلفه مستعدون لإشارة واحدة.
يُقال إنك لم تدفع الضرائب، وإنك تجمع سلاحًا. لكن ما لن يُقال هو أن كل من يقف بين التاج وتمرده… يُدفن
ارتبك الرسول. تراجع خطوة، لكنه قال
اللورد سيستقبل سموّك إن أتيت بلا حرّاس، كعلامة احترام
ضحك كايل ضحكة قصيرة، وقال دون أن ينزل عن جواده:
“احترام؟ الاحترام يُمنح للأنداد، لا للخونة
أعطِهم الليل. إن لم تُفتح الأبواب عند الفجر... ابدء الحصار
في كوخ صغير مهجور وسط الغابة جلس صبي يرتدي معطفًا من جلود الذئاب السوداء. عيناه تشعّان بهدوء.
كان نيرون هناك
لا أحد يعلم كيف وصل قبله ولا لماذا.
أمامه خريطة مفتوحة مرسومة بالحبر الأحمر وفي الزاوية السفلية مكتوب بخط صغير
دم المتمرّد… ليس آخر الدماء التي ستُراق
جلس بجواره فايلِس، خادمه ذو العينين الرماديتين.
سيبدأ كايل الحصار عند الفجر، أليس كذلك؟
نيرون لم يُجِب. فقط التفت إلى نافذة صغيرة حيث كانت القلعة تلوح في الأفق.
“نحن لا نُشعل الحرب يا فايلس… نحن نُعيد ترتيب النار فقط
اليوم الأول من الحصار:
نصب الأمير كايل دراكون معسكره على التلة المقابلة للقلعة، حيث يمكن للعيون رؤية أبراجها العالية وهي تتحدّى السماء الرمادية.
لم يأمر بالهجوم. لم يُطلق السهام. فقط أحاط القلعة بصمتٍ ثقيل، كفمِ أسدٍ يراقب فريسته تنزف وحدها.
الجنود من حوله يتأهبون، والبخار يخرج من أفواههم مع كل نفسٍ بارد
قال قائد الكشافة
لا حركة تُذكر يا مولاي… لا تعزيزات، لا رسل، لا مؤونة تدخل ولا تخرج
ردّ كايل وهو ينظر إلى البوابة الحجرية
سيجوعون قبل أن يحترقوا… والتنين لا ينسى من جعله ينتظر
اليوم الثاني من الحصار:
ازدادت الرياح، وكأن الطبيعة نفسها تُجرب صبر الطرفين.
وقف كايل قرب النيران في مركز المعسكر، محاطًا بكبار القادة، يرسم خطة اقتحام إن لزم الأمر.
في داخله، كان الغضب يتصاعد ليس فقط من خيانة اللورد إسكار بل من والده… الذي لم يسمح لنيرون بالحضور، وكأن كايل وحده هو
“السيف” و”الدرع”.
إن لم تفتح القلعة غدًا، لن أترك حجرًا فيها واقفًا
اليوم الثالث – الليل:
القلعة صامتة… لكنّها ليست نائمة.
وفي أحد الممرات الخفية، بين الشقوق القديمة تحت الجسر الحجري الخلفي، ظهرت يد صغيرة تخرج من ظلال الجليد، تعقبها خطوات خفيفة لا يُسمع لها وقع.
نيرون دراكون، طفل العائلة المنسي، يتسلل عبر سراديب مجهولة لا يعرفها حتى أهل الحصن.
كان يعرف الطريق… ربما لأنه قرأه من الخرائط أو سمعه من أفواه الموتى في نومه
في يده خنجر صغير، منحوت من عظمٍ أسود، وفي عينيه يقظة شيطانٍ لا ينام
أوقفه أحد الحراس في دهليز جانبي، صرخ:
“من أنت؟!”
لم يجب نيرون، فقط رفع يده، وظهر لهيب بلا صوت، نار لا تحترق كالنار، بل تبتلع
وفي ثوانٍ، لم يبقَ من الحارس سوى رماد يتطاير بلا أن يُسمع له أنين
واصل السير… حتى وصل إلى قاعة الاجتماعات الداخلية للورد إسكار
كان اللورد هناك، مع أربعة من قادته، يرسمون على الخرائط خطوط الهروب والخيانات القادمة
وحين التفت أحدهم إلى الباب، رآه يقف هناك… طفلًا، بوجه خالٍ من الانفعال، ويدٍ تمسك بنصل لم يلمع.
قال اللورد بازدراء
“مَن هذا؟ من أدخله؟”
لكن أحد القادة شهق فجأة
“إنه… إنه نيرون دراكون
تحول وجه إسكار من غضب إلى شك… ثم إلى خوف حقيقي.
قال ببطء:
“ابن الملك… لم يأتِ معهم؟ كيف وصلت؟”
نيرون اقترب، بهدوء جليدي، وقال بصوت كأنه لا ينتمي لعمره
لم آتِ مع أحد… جئت وحدي… لأن بعض الحروب، لا تحتاج جيوشًا
اللورد إسكار يقفز من مقعده، عيناه تتسعان كبئرين من الرعب. الحراس الأربعة يحيطون به، سيوفهم مُشرعة، لكن أيديهم ترتجف. نيرون يتقدم خطوة، خنجر العظم الأسود في يده يبدو كظلٍّ جائع.
إسكار (بصوت متهدج)
"اطردوا هذا الشيطان الصغير! اقطعوه إربًا!"
لكن قبل أن يتحرك الحراس رفع نيرون إصبعه انفجرت النوافذ الحجرية! ريح جليدية دخلت كأنفاس تنين ميت أطفأت كل الشموع في القاعة الظلام صار سيدًا... إلا من عيني نيرون، اللتين تشعان بضوء أزرق دامٍ كقلب بركان
صوت نيرون يهز الجدران، كأنه صادر من أعماق الأرض
"لورد إسكار... أنت جبان حتى في خيانتك
يتقدم نحوه، والحراس يتقهقرون دون وعي تجمع جيشًا؟ مثل أطفال يلعبون بالطين! تظن أنك تقاتل التاج؟
يضحك ضحكة باردة لا تلامس عينيه
التاج لعبة... وأبي أحمق يظن أن اللهب يُروّض بالحديد
إسكار يرفع سيفًا مرصعًا بالياقوت
"صمتًا أيها الوغد! سأقطع لسانك!"
نيرون بلمحة عين ينصهر السيف في يد إسكار كالشمع!
"آه... هذا السيف؟ صنعته من أسنان التنين المسروقة أتدري لماذا سمحوا لك بسرقتها؟"
يقترب أكثر، حتى أنفاسه تلامس وجه إسكار
لأنني أردتك أن تسرقها… لأن دمك سيكون الوقود الذي يوقظ التنين الحقيقي
فجأة، امتدت يد نيرون كبرق أزرق. أمسك جبين إسكار!
صرخ اللورد كحيوان جريح، بينما دخان أسود يخرج من تحت أصابع نيرون.
نيرون بصوت هادئ كالسُم
عيونك رأت التنين مُهانًا... لن ترى شيئًا بعد اليوم
عينا إسكار تذوبان كشمعتين!
"أما أنتم... (يلتفت للحراس)
"اخرجوا وأخبروا الجيش... أن من يرفع سلاحًا على دراكون، سأجعل جثته شمعةً تُضيء زنزانة فئران!
الحراس يفرون كالفئران... أحدهم يُصاب بالجنون قبل أن يصل للباب
نيرون يقف فوق جثة إسكار المُشوّهة، الدم الأسود يغلي على الأرض كالحمم. يرفع الخنجر العظمي نحو الأعلى، حيث رسم تنينًا على السقف
"سمعتم أسطورة التنين الأحمر؟ روح المملكة؟ كذبة!"
الخنجر يشتعل بنار زرقاء صامتة
التنين لم يمت... بل نام في قلوب من يستحقونه
ينحني، يغمس إصبعه في دم إسكار، ويرسم على جبين نفسه رمزًا غامضًا
"أنا... الوعاء الذي سيحمل روحه
(ينظر للباب حيث يقف فايلس كشبح)
"قل لهم: الحرب انتهت.
قل لهم: اللورد إسكار أهان التنين...
قل لهم: نيرون أحرق عينيه بأمر من النار ذاتها
عند الفجر، يجد كايل وجنوده:
بوابة القلعة مفتوحة على مصراعيها
على العتبة عيون إسكار محفوظة في جرة زجاجية حولها كتابة بنار زرقاء
هذه هدية... للطاغية الذي يظن نفسه إلهًا
- فوق الأبراج: راية التنين الأحمر ترفرف... لكن بقرنين أزرقين يطوقانها.
كايل يدخل القلعة... فلا يجد جيشًا، لا خدامًا، لا ذهبًا.
فقط رائحة لحم محروق و صوت ضحك طفل يتردد في الممرات كشبح.
ماذا فعل هذا الشيطان الصغير؟
همس أحد الجنود.
أجاب كايل وهو يخرج من القلعة:
لا تسأل... فبعض الأسئلة إجاباتها نار