انتشار الخبر في قارة أريحا
لم تكن الرياح تحمل نسمات الصباح، بل نعي اللورد إسكار
من قلاع الشمال المتجمدة إلى صحراء الجنوب المحرقة،
تجسَّدت الكارثة في همسات المارة:
الجبار سقط.. وعيناه في برطمان!
في قلعة التنين السوداء، حيث الحجر الأسود يمتص الضوء،
يطفو برطمان زجاجي على منصة من الجمر الخامد:
- عينان زرقاوان تسبحان في سائل كهرماني،
تتلألآن بخبث.. كجوهرتين مسلوبتين من تاج.
- حول البرطمان، نُقشت جملة واحدة بدم متجلط:
هذا مصير من يهين التنين
كانت عينا إسكار تراقبان كل من يدخل القاعة:
الجنود شاهدوهما فارتعدت أيديهم على سيوفهم
السفراء قرأوا النقش فجفت حناجرهم من الوعيد
حتى الأطفال، لم يبكوا.. بل توقفوا عن التنفس للحظة!
لم تكن مجرد عيون ميتة..
بل كانت بذور رعب تُزرع في صدور من يراهما،
تتفتح كل ليلة في أحلامهم:
رائحة لحمه المحترق.. صراخ جيشه الذائب في لهيب التنين..
وتلك العينان..
تتبعانهم في الظلام!
الرسالة التي هزت العروش
لم يعد أحد في أريحا يتلفظ باسم «دراغون» إلا بخشوع،
فالعبرة لم تكن مكتوبة على الورق..
بل محفورة في زجاج البرطمان
السماء قد تسامح.. لكن التنين لا ينسى
حتى الريح صارت تحمل قصيدة مجهولة:
سألوا رماد إسكار
كيف صارت عيناه قنديلاً في قصر التنين؟
اسألوا جبال الشمال..
هل تعود الثلوج بيضاء.. بعد أن غسلتها دماء الجيش؟
إن كان لكم عقل
فلا تلمسوا أسطورة التنين..
فبعض النار.. لا تنطفئ بالماء!
كان الضوء الخافت المتسرب من المصابيح النحاسية المعلقة ينسج خيوطاً ذهبية رقيقة فوق رأس ياقوت، بينما كانت الظلول تتراقص ككائنات حيّة على جدران القاعة الحجرية العالية. الهواء كان ثقيلاً بروائح المسك والخشب القديم، وصمتاً لا يخترقه سوى حفيف خافت لثياب قادمة. ثمَّ، كظلٍّ منبثق من زاوية مُظلمة، تقدَّمتْ "ألبينا". خطواتها كانت خفيفة كوقع أوراق الخريف، وعيناها الواسعتان تلتقيان بعينَي سيدها في صمتٍ مفعم بالسؤال.
ألبينا (بصوتٍ ناعم كنسيم الليل، يحمل في طياته رعشة خفيفة) "أَتيتُ، ألبينا. هَلْ ناديتني ، سَيِّدِي؟"
ارتفع رأس ياقوت ببطء من وثائق ممزقة كانت منتشرة أمامه. كانت عيناه، حادتان كسيفين في غمد من هدوء مصطنع، تنظران إليها من تحت حاجبيه الكثين. ابتسم ابتسامةً خفيفة لا تلامس شفتيه فحسب، بل تلمع خاطفة في عينيه.
ياقوت (بصوتٍ عميق، مريح كدندنة الناي البعيد، لكنه يحمل سلطة لا تُرام) "نَعَمْ، نَادَيْتُكِ."
مدّ يده، لا لتأمر، بل لتشير إلى الركن حيث كان "وَجِيْع" واقفاً صامتاً كتمثال من حجر البازلت، لا يكاد يُرى في الظل إلا لمعة عينيه المرتابتين وسيفه الضخم المعلق على ظهره.
ياقوت (يستمر بصوته الهادئ الذي يخفي وراءه قراراً صلباً) "فَلْتَأْتِي بِوَجِيْعٍ. وَلْتَذْهَبَا مَعاً إِلَى أَحْنَاءِ الغَابَةِ الكُبْرَى. هُنَاكَ عَمَلٌ يَنْتَظِرُ أَيْدِيَكُمَا اليَقِظَتَيْنِ."
توقفت أنفاس ألبينا للحظة. الغابة الكبرى؟ في هذا الوقت من الليل؟ كانت تعرف ما يعنيه ذلك. التقط ياقوت السؤال في عينيها قبل أن ينطق به لسانها.
ياقوت (ينحني قليلاً إلى الأمام، يتلألأ نور المصباح في عينيه كجمرتين) "أُرِيدُكُمَا أَنْ تَصْطَادَا الغِيلَانَ الَّتِي تَعْبَثُ بِحُدُودِ القَرْيَةِ. أُرِيدُهَا صَامِتَةً، أُرِيدُهَا خَادِمَةً لِهَدَفِنَا الأَعْلَى."
ثمَّ، كمن يذكر تفصيلاً تافهاً في أمرٍ خطير، أضاف بنبرة أخفت حدة لكنها لم تفقد قوتها:
ياقوت:وَلا تَنْسَيَا... أَنْ تَأْتِيَا بِأَنْيَابِهَا. كُلِّ أَنْيَابِهَا. فَهِيَ سِجِلٌّ عَلَى شَجَاعَتِكُمَا، وَبَرْهَانٌ لِلجَمِيعِ عَلَى أَنَّ ظِلَّ الغَابَةِ الكُبْرَى لَا يَمُدُّ إِلَيْنَا إِلَّا مَا نَأْمُرُهُ بِإِرْسَالِهِ."
ساد صمتٌ أثقل من ذي قبل. همست كلمة "الغيلان" في أذن ألبينا كزفير شتاء بارد. نظرت إلى وَجِيْع، فلم تجد في عينيه سوى الاستعداد الحجري للطاعة. التفتت مجدداً إلى سيدها، فوجدت الأمر قد صدر، كحكم القدر منقوشاً على لوح من صخر. لم يكن ثمة مجال للسؤال أو التردد. كانت إرادة ياقوت جداراً صلداً. التمست رضاه في عينيه، ثم انحنت انحناءة خفيفة، عميقة الدلالة.
ألبينا (بصوتٍ صافٍ، يحمل قبول المصير) "كَمَا تَأْمُرُ، سَيِّدِي. سَنَكُونُ يَدَيْكَ الَّتِي تَمْتَدُّ فِي ظُلُمَاتِ الغَابَةِ. وَسَنَعُودُ بِمَا تَشْتَهِي نُفُوسُ الغِيلَانِ أَنْ تُخْفِيَهُ."
تحركت بسلاسة نحو وَجِيْع. التفت ياقوت إلى أوراقه، كأن شيئاً لم يحدث، بينما التهم الظلّ المتحركان ألبينا ووجيع في طريقهما إلى الباب العتيث، حيث تنتظرهم الغابة المتوحشة وأنياب الغيلان التي ستشهد على ليلةٍ لا يعرفان إن كانت ستكون آخِرَةً لهما أم فاتحةً لمجدٍ جديد. كانت مهمة قاسية، لكن إرادة السيد كانت أعتى من رعب الغيلان ذاتها
لكن الهدوء لم يدم.
اهتزت الأرض مجددًا… أولًا ارتجافة خفيفة، ثم حركة الأشجار البعيدة، تهتز كما لو أن شيئًا ضخمًا يتنفس بينها. ارتفعت رؤوسهم، وأعينهم تتسع من الدهشة.
من بين الظلال، خرج غول واحد… لكنّه ليس كغيره.
غول ضخم، طوله يقارب ارتفاع الأشجار، رأسه الضخم يلامس الأغصان، وصدره كجدار جبل يتحرك. عيناه حمراوان كالجمر، وخطواته تُحدث رجّة في التربة، كأن الغابة كلها تخاف اقترابه.
شهق وجيع، لكنه رغم التعب وقف، يرفع سيفه بصعوبة
"لن أموت متعبًا"
اندفع الغول، فشق الأرض بقدمه، وضرب بذراعه الضخمة نحوه، كأن الجبل يهوى عليه. قفز وجيع، لكن الهواء صفعه بقوة الطلقة، فسقط متدحرجًا، لولا أن يدًا سحرية سحبته أرضًا… يد ألبينا، استخدمت سحر الطين لتبتلع قدميه وتحميه.
“ابقَ حيًا!” صرخت ألبينا، قبل أن ترفع ذراعيها، وتفتح صدعًا في الأرض لابتلاع ساق الغول. لكن الوحش حرّر نفسه بعنف، وصفعها بمخالبه، فسقطت مترين بعيدًا، تئن من الألم.
اندفع وجيع مجددًا، يسابق موته، يضرب سيفه في ساق الغول، لكن الجلد كالصخر، والضربة كأنها لم تكن. كاد الغول أن يسحقه برجله، حين اجتاح المكان صوت…
صوت انفجار ماء.
اندفع سيل هائل من الماء النقي، كرمح سماوي يخترق الهواء، ليصدم الغول مباشرة في صدره، فيتراجع لأول مرة. وقف غريبان بين الأشجار، أحدهما فتى نحيل يحمل عصا قصيرة، والآخر عجوز بلحية بيضاء تلامس صدره.
الفتى لم يتكلم. كان جسده كتمثال، لكنه لوّح بيده، والماء من النهر القريب التوى حوله كأفعى، ثم اندفع كالشفرة. ضربات سريعة، قطع بها مفاصل الغول، واندفعت الموجة داخل فمه حتى خرجت من مؤخرة رأسه.
سقط الغول العملاق على ركبتيه، ثم انشق رأسه نصفين، وسالت الدماء كأنها طوفان. وقف الفتى وسط الدم، هادئًا، لا يهتز.
تبادل وجيع وألبينا النظرات، لا تصديق في أعينهم.
ابتسم العجوز بهدوء، وتقدم نحوهم وهو يقول بصوت أجش:
“كنت أراقبكم منذ أن دخلتم الغابة… أنتم تقاتلون بشجاعة، لكن الغابة أقسى من أن تُواجه وحيدًا.”
ثم وضع يده على كتف الفتى وقال:
“أنا دن، زعيم قرية الينابيع. وهذا تلميذي… هارو. إن أردتما الراحة، فالينابيع تفتح أبوابها لمن يستحق.”
نظر إليهما وجيع، ثم إلى ألبينا، ثم تنهد وهو يسحب سيفه ويمسح الدماء عن جبينه:
“بعد هذا اليوم… أي مكان فيه ماء وسقف يعتبر نعيمًا.
دخلوا القرية مع أولى خيوط الفجر، وكانت الشمس تشرق بلون الندى فوق سقوف الأكواخ الخشبية، تتسلل عبر أشجار الصفصاف والزهور المائية التي تنبت بجانب الممرات. كانت قرية الينابيع هادئة، لكن فيها دفء غريب، وكأنها تنبض بنبض الأرض.
مشى دن بخطوات هادئة يتبعه هارو، وجيع خلفهم يضع يده على كتفه، والعرق والدم الجاف يغطي نصف وجهه. ألبينا تسير بجانبه، تعبها واضح، لكن عينيها بقي فيهما بريق حذر.
ما إن رأى أهل القرية الزعيم دن حتى اندفعوا نحوه بابتسامات ووجوه مطمئنة. الأطفال ركضوا باتجاه هارو، يحيطون به ويضحكون، بعضهم يمسك بطرف ثوبه، وبعضهم يسأله عن “الغول الكبير”، فيرد عليهم بابتسامة صغيرة، دون أن يتباهى.
جلسوا في ساحة وسطية تحيط بها الأشجار، وقدمت لهم امرأة مسنّة ماءً باردًا من ينبوع قريب. شرب وجيع كأن حياته تتجدد، ثم أغمض عينيه وأسند رأسه على الجدار خلفه، وأطلق تنهيدة طويلة كأنه يفرغ سنوات من التعب.
بعد لحظة صمت، التفت نحو ألبينا، نظر إليها نظرة حقيقية، فيها شكر دون خجل.
قال بصوت مبحوح:
“أنقذتِ حياتي مرتين اليوم… ما كنت راح أعيش لولاك.”
نظرت إليه، وفي عينيها تلك السخرية الناعمة التي لم تكن تغادرها، وقالت:
“لا تعتدّ كثيرًا… أنقذتك لأني كنت أحتاجك تغطي ظهري.”
ضحك، لأول مرة منذ دخلا الغابة، ضحكة قصيرة لكنها صادقة.
أثناء جلوسهم، راقب وجيع وألبينا كيف يتحرك دن بين الناس بلطف، يسأل عن المرضى، يداعب طفلًا، يضع يده على رأس مسنّ، وكأن القلوب تستكين حين يمر. أما هارو، فكان صامتًا لكنه محبوب، يُعامل باحترام غريب، كأنه يحمل في صدره شيئًا أعمق من عمره.
همس وجيع لألبينا وهو يراقب الفتى:
“هذا الولد… مو طبيعي.”
ردت ألبينا بهدوء:
“ولا زعيمه… ما أظن لقيناهم صدفة.”
ابتسم دن من بعيد، وكأنّه سمع، ثم اقترب وقال:
“ارتاحوا الليلة… غدًا نبدأ حديثًا آخر