في أقصى الشمال الشرقي، حيث يتوقف الزمان فوق قمم الغيم، وتتماوج الضبابات كالحرير فوق الجبال، تقبع مملكة لا يراها إلا من اختارها النور… إيلينفار .

مملكة خفية بين السحب، تُضاء من الداخل ولا يصلها شعاع شمس، وكأنها تضيء من روحها، لا من السماء.

يقول القدماء:

“إيلينفار

لا

تُزار

بل

تُستدعى

.

عُرفت بأسماء كثيرة على مر العصور:

“المرآة العليا”

“مدينة الانعكاس الأول”

وحتى “ثقب النور في جسد العالم”.

لكن من يعرفها حقًا، يعرف أنها أكثر من مجرد مملكة… إنها ذاكرة النور قبل أن يولد الظلام.

تحكمها الملكة سيرين سوليار ، المرأة التي لا تنظر لأحد مباشرة، بل عبر المرايا فقط. يقول من رأوها إن عينيها تحملان ألف عام من الحكمة، وألف سر لا يُقال.

في قلب العاصمة، لوماسيل ، تنتصب المرآة العظمى ، وهي أضخم مرآة في العالم، تغلفها نقوش من لهب متجمد ونور مشع لا تُبصره العين العادية. ويقال إنها قادرة على كشف ما تخفيه الأرواح، لا الوجوه فقط.

كل شيء في إيلينفار ينبض بالنظام والسكون.

الضوء هنا لا يسطع… بل ينساب بهدوء ،

والليل ليس ظلامًا، بل انعكاس خافت للنهار .

شعبها مميز، بعيون لامعة كأنها تعكس النور داخليًا، وبملامح هادئة لا تخلو من الغموض. يُعلَّم كل طفل منهم منذ صغره أن يقول الحقيقة… أمام المرآة أولًا، قبل أن ينطق بها للناس

خارج حدود مملكة إيلينفار

في السهول الميتة، حيث لا يسمع سوى صفير الرياح وهدير الوحوش،

اصطفت كتيبة من ثلاثمئة فارس ، دروعهم تعكس شمسًا خافتة، وسيوفهم تلمع كأنها تحذر من اقتراب العاصفة.

أمامهم، وقف وحش عملاق – غول رمادي الجلد ، بعينين متوهجتين كالجمر، يزأر زئيرًا يُدوّي في الجبال القريبة، كأن الأرض كلها تهتز بخطاه.

وفي المقدمة، كان هو.

شاب يركب حصانًا أبيض، جامحًا كأن له روحًا من الريح،

ترجّل من على صهوة جواده بخطى ثابتة،

ووسط صمت الكتيبة، مدّ يده نحو خوذته الثقيلة…

ونزعها.

ويا له من وجه ظهر…

شاب في العشرين فقط، لكن في عينيه سكون ألف عام.

شعره أبيض كالثلج ، يتطاير مع الريح كأنه يحمل أثر ماضٍ مقدّس.

وعيناه… فضية نقية، كأنها صهرت من ضوء القمر نفسه.

لم يكن هناك خوف في ملامحه.

بل صمت، هدوء، ونظرة تُجيد قتل الوحوش قبل أن يُرفع السيف.

رفع سيفه ببطء، وقال بصوت منخفض، لكنه اخترق قلوب جنوده:

“ليس هذا أول ظلٍ نواجهه… ولن يكون الأخير.

من أراد المجد، فليتبعني. ومن أراد النجاة… فليركع"

في باحة التدريب، حيث تُحفر آثار الأقدام في الرمل،

وقف هارو الاندرا ، جسده مشدود وملامحه هادئة…

مد يده نحو وجيع وقال:

“أرى فيك القوة يا وجيع…

وأريد أن أختبرها. معركة، واحد ضد واحد… السحر مسموح.”

رمق وجيع خصمه بعينين لا تخاف، لكنه أجاب ببساطة:

“ليس لدي ذرة سحر.”

ابتسم هارو بخفة… ثم همس بصوت لا يسمعه أحد:

“ليس بعد…”

وقفت البينا على الجانب، بثوبها الأزرق ووشاحها الأبيض، يرفرف مع الريح.

“المبارزة قانونية، الحكم الاندرا عند أول سقوط أو استسلام، تنتهي المعركة.

فلتبدأ.”

البداية — وجيع يتقدم

في لحظة، اندفع وجيع .

خطوته الأولى كانت سريعة…

ثم الثانية أسرع،

ثم الثالثة كانت كالسهم.

لكمة مباغتة نحو وجه هارو – لكن الأخير تفاداها برشاقة.

وجيع لم يتوقف.

ركلة منخفضة نحو ركبته، ثم ضربة كف إلى خاصرته، فلكمة صاعدة إلى ذقنه.

ضربات سريعة، متقنة، تعلمها وجيع من ياقوت

أصاب هارو مرتين.

تراجع هارو خطوة، رفع حاجبه، تمسح طرف فمه بيده،

ورأى نقطة دم صغيرة على إصبعه.

ابتسم.

قال هارو:

“جميل… أردت أن أرى كيف تقاتل حين تظن أنك تسيطر.”

وفي لحظة تغيّر كل شيء.

يد هارو تحركت.

مرة إلى اليمين، وجيع صدّها.

مرة أخرى، وجيع تفاداها.

لكن الثالثة… كانت خفية.

ضربة إلى الصدر.

وجيع تراجع، تنفسه يضيق.

ضربة إلى الكتف.

ثم لكمة خفيفة إلى العنق،

ثم ضربة بالكوع جعلت جسده يرتد للخلف.

هارو لم يستخدم كامل قوته… لكنه بدأ يُظهر الهيمنة.

وجيع حاول أن يهاجم من جديد… لكن كل هجوم أصبح بلا جدوى.

هارو يراوغ، يرد، يضغط…

كأن القتال تحول إلى رقصة من طرف واحد.

السيطرة

هارو دار حول وجيع، خطواته ثابتة كأن الأرض ملك له.

قال بهدوء، دون أن يلهث:

“جسدك يعرف كيف يقاتل…

لكن قلبك لا يعرف لماذا.”

ضربة في الصدر…

وجيع يسقط على ركبته.

البينا صرخت:

“كفى!”

لكن هارو أوقف يده قبل أن تنزل.

نظر إلى وجيع، والعرق يتصبب من جبينه، وعيناه لا تزالان مشتعلة رغم السقوط،

ثم قال بصوت منخفض:

“هذه ليست نهاية قوتك يا وجيع…

إنها بدايتها.”

ثم استدار ومشى، تاركًا الغبار خلفه

خفتت الأصوات، وساد الصمت إلا من أنفاس خفيفة تتردد بين الغبار المتطاير.

وعلى الأرض، وسط آثار الأقدام والعرق، كان وجيع جاثمًا، ذراعه على ركبته، وعيناه إلى الأرض.

لكن… لم يكن ذلك سقوطًا.

بل لحظة صمت تسبق العودة.

رفع رأسه ببطء، ثم نهض بقوة، والريح تداعب ثوبه الممزق من حواف القتال.

شعره الأسود انسدل على جبينه، لامعًا كأن الليل صُبَّ فوق رأسه.

وعيناه… سوداوان كسواد العقيق، واسعتان تحملان شيئًا غريبًا بين البراءة والعناد.

وجهه الجميل، المائل للطفولة، لم يحمل ملامح غضب أو خيبة،

بل ابتسامة صغيرة، متفائلة، خفيفة، كأنها تقول:

“أنا هنا… ولم أبدأ بعد.”

جسده كان نحيلًا، لكن لا ضعف فيه…

بل خفة، ومرونة، وبداية بناء لمقاتلٍ يولد من الرماد.

نفض الغبار عن ثيابه، مسح الدم عن زاوية فمه، ثم قال وهو يبتسم بثقة بسيطة:

“قريبًا… سأهزمك. وأسدحك في هذا التراب اللي تمشيت عليه بكل غرور.”

الريح هبّت من خلفه، كأنها تُبارك تصريحه.

خطوات خفيفة اقتربت، وكان صوتها مألوفًا.

الاندرا ، واقفة كقائد مخضرم ينظر إلى جنديٍّ فيه بذرة نادرة.

قالت وهي تضع يدها على خصرها، بعينين فيها دهشة خفية:

“أبليت حسنًا… لكنك تحتاج إلى الكثير من التدريب، يا وجيع.

تعال إلى قرية الينابيع ، سأمنحك دورة تدريب منّي أنا… الاندرا العظيمة !”

رفعت ذقنها بفخر، بينما وجيع كان على وشك الرد، لولا أن سبقتها صوتٌ خفيف،

ساخر، مرح، يأتي من خلفه مباشرة:

“صحيح! تحتاج كتيييير من التدريب.”

كانت البينا ، تضع يدها على فمها كأنها تخفي ضحكة كبيرة،

ثم أضافت وهي تقلد لهجته:

“أنت يا وجيع… ما قدرت عليّ في تمرين الأمس، وتبي تهزم هارو؟ تتتتت…”

ضحكت كأنها تروي نكتة، ورفعت يدها ملوحة له وكأنها تواسي طفلًا سقط من فوق سريره.

“بس لا تزعل… ترى في أحد لازم يخسر علشان القصة تمشي!”

وجيع نظر إليهما، ثم أدار وجهه ببطء وهو يتظاهر بالخذلان:

“انقلبتوا عليّ؟ طيب… طيب…

شوفوا وش بسوي بعد التدريب.”

ضحكوا جميعًا،

لكن في داخل صدر وجيع،

كانت شرارة جديدة قد اشتعلت…

شرارة لا يمكن لأحد أن يطفئها

2025/07/29 · 17 مشاهدة · 996 كلمة
Y.N.SH
نادي الروايات - 2026