156 – تشخيص (2)

 

 

 

استمرّ إدريس الحكيم في التحدّث: "وبالطبع، فرص النجاح قليلة جدا ولا يستطيع سوى قليل القليل استغلال الفرصة؛ فالنجاح في كلّ المراحل الثلاث مرّة واحدة يعتبر أمرا في منتهى الصعوبة بالرّغم من أنّ ذلك يصبح أسهل بوجود بحر روح. هناك من ينجح في ذلك ويكتسب قوّة جيّدة، فقوّته تكون تفوق تلك التي يملكها باقي السحرة. لأنّه يبيت يملك قوّة الوحوش السحرية بجانب قوّته الخاصة.

 

"...وكان هذا سببا آخرا في رغبة بعض الناس بإرادتهم الخاصّة خوض هذه المغامرة. هناك من استمرّ في محاولة الغدوّ ساحرٍ لمرّات لا تحصى وأصيب باليأس، وهناك من أراد اختصار الطرق واكتساب قوّة عظيمة."

 

حدّق إدريس الحكيم إلى الفتاة الصغيرة التي لم تكن لا من هذا ولا من ذاك ثم أكمل: "تقوم هذه العمليّة على شيئين أساسيين: دم وطاقة حجر أصل الوحش، ثم إرادة وموهبة الشخص الذي يحاول تنفيذها."

 

تذكّر باسل شيئا ما ثم سأل: "بالمناسبة يا معلّمي، لقد كان هناك شخص تحول لكائن حمل عدة أسحار وتحوّل لشكل شمل عدة أجزاء كل واحد منها من وحش سحريّ. أذاك يعني أنّ العديد من دماء وطاقات أحجار أصل الوحوش السحرية؟"

 

ابتسم المعلّم وأجاب: "معك حقّ. يبدو أن ذلك الشخص كان من الأوائل الذين جُرِّبوا. فعلى ما يبدو، لم يكن يعلم المجرِّب الطريقة الصحيحة حتى استنتج أخيرا أنّ عليه استخدام نوع واحد فقط من الدم وطاقة حجر الأصل.

 

"...طاقة أخرى سوف تجعل النجاح مستحيلا لا محالة وتلوّث بحر الروح سيكون سريعا بشكل غير معقول. وبذلك يتحوّل الشخص إلى كائن وحشيّ بدون الحصول على أي فرصة لاجتياز المراحل الثلاث حتّى."

 

عبس باسل عند التفكير في عدد الأشخاص الذين مرّوا من هذا العذاب بسبب غرين شارلوت وكرهها كثيرا. ليس كأنّ له أيّ علاقة مع الأشخاص الذي تأذوا أو يحاول التصرّف كبطل، لكن لأنّه شعر بالاشمئزاز منها ومن تصرّفها. فلو أتينا لرؤية من كان يحتقره باسل أشد الاحتقار، سنجد أنّه ذلك الشخص الذي لا يتبع طريق الأقوياء ولا يتّخذ المسار الروحيّ بروح سليمة حتّى يبلغ الذروة.

 

تكلّم باسل: "أعمال الأرواح الفقيرة دائما رذيلة."

 

حدّق إليه معلّمه قبل أن يكمل: "لا مفرّ. طالما تواجد من يتبعون طريق الأقوياء سيوجد أولئك من يريدون طريقا بدون صعاب ليبلغون ما لم يستطيعوا تحقيقه بوجود أولئك الأقوياء."

 

تنهّد باسل بينما ينظر إلى الفتاة الصغيرة. لم يبدُ عليها أيّ معاناة للآن بسبب التوازن، لكن بالتفكير في الآلام التي مرّت بها، شعر بالغضب الكبير الذي لا يُحتمل وارتأى أنّه مهما عذّب غرين شارلوت فلن يصل لدرجة إعطائها المعاناة التي تعرّض لها كلّ من مات على يدها معذّبا بطريقة أشنع بكثير.

 

أكمل المعلّم: "يا فتى. أخبرتك أن تحافظ على رزانتك في كلّ الأحوال. لا يمكنك جعل العالم خاليا من الرذلاء."

 

حدّق إليه باسل ثم قال: "لا أهتمّ يا معلّمي بالرذلاء ولا بأعدادهم في كلّ العوالم. كلّ ما يهمّني هو ابتعادهم عن طريقي. فلو اقترب منّي أي شخص بروح فقيرة، لن يكون مصيره سوى الموت. يمكنني السماح لهم بالعيش فقط بابتعادهم عنّي. أوليس هذا ما قصدته بتعاليمك لي؟"

 

قال المعلّم مباشرة: "لا شكّ في ذلك. على كلّ، لا أقول لك تخلَّ عن عواطفك، وإنّما أطلب منك التحكّم فيها؛ فإن أردت الحفاظ على اتزانك بمسارك الروحيّ، أنصحك بالحفاظ دائما على عقلك وقلبك سليميْن."

 

هدأ باسل أخيرا متّبعا إرشاد معلّمه لكنّ غضبه لم يختفِ، وإنّما قُمِع فقط. هناك شيء اتّفق باسل دائما مع معلّمه بشأنه: "من اتبع طريقا، فليستعد لمواجهة عراقيله."

 

فكما اتخذت غرين شارلوت ذلك الطريق، كان عليها العلم أنّ مثل الخاتمة التي واجهتها كانت واردة الحدوث. وكما اتّبع باسل طريق الأقوياء آخذا المسار الروحي كطريق يجب أن يخلو من الشوائب، فعليه أن يعتبر وجود هذه الأخيرة اختبارا له يجب عليه تجاوزه مثله مثل كلّ منافسيه.

 

قال إدريس الحكيم بعدما حدّق إلى باسل الذي هدأ: "حسنا، لنعد لموضوعنا. لقد فهمتَ جيّدا حتّى الآن كيف تقام هذه العمليّة. وبالطبع، نجحت الطفلة في اجتيازها. فقط، للأسف كان دم وطاقة حجر أصل الوحش السحريّ أكبر من المتوقع. ففي الحالات الطبيعيّة يُستخدم في هذه العمليّة دم وطاقة حجر أصل وحش سحري من المستوى الأول. أمّا هذه الفتاة، فقد استخدِم عليها دم وطاقة حجر أصل بمستوى مرتفع للغاية.

 

"... فحتّى عندما نجحت، كانت الطاقة أكبر بكثير ممّا يمكن لها أن تسيطر عليها. وهكذا اجتاح التلوّث بحر روحها من جديد. وفي ذلك الوقت، قابل هذا التلوّث مضادّا جعله يتوقّف عن الانتشار. كان ذلك نقاوةً صارعت هذا التلوّث فدخلت الفتاة في مثل هذه الحالة النادرة."

 

حدّق باسل إلى معلّمه ثم سأل باهتمام: "أيّ نقاوة هذه أيها المعلّم؟"

 

ابتسم إدريس الحكيم وفرك ذقنه قبل الإجابة: "هذا هو ما أثار اهتمامي لحدّ الآن حقّا. أصل هذه النقاوة هو كنز محدّد. هذا الكنز نادر للغاية ولا يمكن إيجاده سوى في بعض الأماكن القليلة في جميع العوالم. وعلى حدّ علمي، لا يوجد مكان بهذا العالم يمكنه تنمية مثل هذا الكنز."

 

"إذا...!" قالها باسل وهو متفاجئ.

 

اتسعت ابتسامة المعلّم بعدما حزر فكرة باسل. اعتقد هذا الأخير أنّ تلك الأداة من عالم آخر. أكمل إدريس الحكيم كلامه: "ليس بالضرورة، لقد علمتَ أنّ هناك بعض الكنوز في قارة الأصل والنهاية. تلك الكنوز على الأغلب قديمة منذ زمن طويل. وفي نظري، كل تلك الأشياء التي وجدها بعض الأشخاص من هذا العالم هي في الحقيقة تعود لسحرة روحيّين أتوا إلى هنا تابعين آثار بحوثهم."

 

حدّق باسل إلى معلّمه ثم قال: "بحوث؟ عن ماذا؟"

 

عبس إدريس الحكيم قليلا ثم قال: "بحوث عن العالم الثانويّ الذي أخبرتك عنه. ذلك العالم الثانويّ به نيّة سامية لم أرَ مثيلا لها في حياتي في أيّ من العوالم الثانوية التي أخضعتها. أخبرتني النيّة أنّه لا أحد يحقّ له الولوج إلى هناك سوى سكان العالم الواهن الأصليّين."

 

"ماذا...؟" تفاجأ باسل كثيرا هذه المرّة.

 

أكمل المعلّم: "سنتحدّث بشأن هذا في وقت لاحق. المهمّ، هذا الكنز في الواقع هو عبارة عن نبتة. هذه النبتة تعتبر نبتة روحية سامية توجد في بعض الأراضي العتيقة فقط. هذه النبتة عبارة عن وردة تدعى بـ'ياسمين الثلج النقيّ'. لدى هذه النبتة مفعول خيالي في معالجة السموم والتخلّص من بعض الكائنات في بعض الأماكن الخطرة برائحتها فقط. هناك العديد من المزايا الأخرى الخاصة بها.

 

"...حاليا ما يهمّنا هو قدرتها على منع التلوّث من الانتشار في بحر روح الطفلة. نقاوة الياسمين كثيفة للغاية، وفي الواقع، يمكنها إنقاذ سحرة روحيّين من الموت الأكيد من بعض السموم التي تستطيع قتلهم بكلّ سهولة. لذا لو استعمِلت مثل هذه النبتة في معالجة هذه الفتاة، فسيكون لها ضرر أكثر ممّا يكون لها نفع. فنقاوتها أكبر بكثير ممّا يمكن لبحر الروح أن يستحمله.

 

"...ولكن، ما يحارب هذا التلوّث هو مجرد جزء صغير فقط من بتلة من هذه الوردة في الواقع. لذا يمكنك تخيّل مدى قوّة مثل هذه النبتة."

 

فهم باسل أخيرا ما تحدث عنه معلّمه سابقا ثم قال: "لهذا قلت أنّك لو أيقظتها ستموت. فحتّى لو خلّصتها من التلوّث بطريقة ما واستيقظت فستقتلها النقاوة بعد مدّة. ولا يمكن إزالة النقاوة أيضا لأنّها ضروريّة لمنع التلوّث من الانبثاق مرّة أخرى؛ فهو يكون بدم وطاقة حجر أصل الوحش السحريّ اللّذين سبق واندمجا مع الساحر، لذا من المستحيل إزالتهما كلّيّا."

 

ابتسم المعلّم في وجه المتعلّم وقال: "ذلك صحيح. ولهذا يحتاج للشخص الذي طبّق هذه العمليّة أن يخترق للمستويات الروحيّة بأسرع وقت ممكن. لأنّ في الأصل لا يمكن لهذه العمليّة أن تنجح بدون نقاوة تحفظ الساحر من بروز التلوّث من جديد بعد جعل بحر الروح مستقرّا.

 

"...في الحالات العادية عندما يُستخدم دم وطاقة حجر أصل وحش سحريّ بالمستوى الأول، يتطلّب وجود نقاوة كافية لمحاربة التلوّث، لكنّ آثارها ستظهر بعد مدّة على بحر الروح وستحرقه. لذا يكون هناك حدّ زمنيّ لهذا الشخص لكي يبلغ المستويات الروحية حتّى يستخلص هذه النقاوة بالكامل. تقدّر هذه المدّة غالبا بعام واحد. ويحتاج بالضرورة لأداة محددّة للاختراق بسلامة للمستويات الروحيّة. ولكن الحال مختلف مع هذه الفتاة..."

 

فكّر باسل لقليل من الوقت في كلام المعلّم ثم عبس أخيرا كما لو أنّه اكتشف شيئا ما قبل أن يقول: "انتظر... قلت أيها المعلّم أنّ هذه العمليّة لا يمكن أن تنجح إلّا عن طريق هذه النقاوة في الأصل. ذلك يعني أنّ الأشخاص من هذا العالم، لا، يعني أنّ غرين شارلوت ومعاونيها قد اكتشفوا أنّ النقاوة ضروريّة لهذه العمليّة!"

 

أجاب المعلّم: "حسنا، سيكون ذلك هو الأمر. قد يكونون على الأغلب وجدوا دراسات لأحد هؤلاء الباحثين الذين أخبرتك عنهم."

 

ازداد شكّ باسل كثيرا ثم أخبر المعلّم بانتظاره قليلا. ذهب لمكان ما وعاد مسرعا. سأله المعلّم عمّا ذهب لفعله فأجاب: "حسنا، لقد طلبت مجيء شخص ما فقط."

 

حدّق إليه المعلّم ثم أكمل: "لنكمل، قلت أن حالة هذه الفتاة مختلفة. سبب ذلك واضح، تلوّثها قوّي للغاية، فحسب تشخيصي، لقد استُعمِل عليها دم وطاقة حجر أصل وحش سحريّ بالمستوى الرابع عشر."

 

انفجر عقل باسل بهذا التصريح تماما. المستوى الرابع عشر؟ بهذا التصريح علم أخيرا قدرة ياسمين الثلج النقيّ. فقط جزء صغير من بتلة من هاته الوردة استطاعت منع تلوّث من هذا المستوى. وأيضا، تأكّد من شيء إضافي. لابد وأنّ غرين شارلوت ومن ساعدوها قد عثروا على هذا الدم والطاقة في مكان ما بقارة الأصل والنهاية. أو على الأقل عثر عليهما شخص آخر وباعهما لهم.

 

وفي ذلك الوقت، دقّ على الباب شخص ما. تكلّم باسل: "ادخل!"

 

فُتِح الباب فظهر الشخص الطارق، فكان العالم المجنون. دخل ثم حدّق إلى باسل بخوف، وبعد لحظات وجّه نظرة إلى العجوز أمامه فلم يعلم من هو ولم يشعر بأيّ شيء منه. بان له كعجوز عادي لا غير.

 

ابتسم العالم المجنون ممتعضا قائلا: "ما الذي أرادني السيد الصغير بشأنه؟"

 

من تأليف Yukio HTM

 

الفصل الثاني

شارك الفصل مع أصدقائك
التعليقات
blog comments powered by Disqus