225 – غضبُ العالِمِ المجنونِ

 

 

 

كانت الأجواء في عالم أريحا هادئة ومريحة بشكل خياليّ، فأمضى باسل وقتا طويلا هناك لم يعلم عن مدّته بينما يستنفع من الطاقة السحريّة النقيّة وعالية الجودة هناك.

 

وعلى عكس الهدوء الذي تمتّع به، كان الشخص الذي رافقه إلى أرخبيل البحر العميق يواجه وقتا عصيبا. كان التعب باديا على وجهه بينما يجري من جزيرة إلى أخرى بسرعة خاطفة.

 

وبالرغم من أنّ وجهه كان شاحبا من التعب، إلّا أنّ فمه كان حيويّا، إذْ صرخ باستمرار: "يا لعين، تذكّر أنّك خدعتني واستغبيتني، لكنّني أنا، أوبنهايمر فرانكنشتاين، أفضل عالم في التاريخ، لن أنسى فعلتك هذه، ولأردّنّ الجميل ضعفين."

 

"يا لعين..." صرّ على أسنانه: "عندما أنتهي هنا سآتي عندك وأجعلك تستضيفني جيّدا. أيّها اللقيط، تجرأ على التلاعب بي؟ سأريك من له اليد العليا عندما أكسر رأسك اك."

 

"النغل الوغد، جعلني أعاني هكذا من أجل مجرّد سحليّة بالكاد يمكنها كسب خواصّ التنين حتّى لو تأصّلت مائة مرّة. سلالة تنّينيّة؟ قال سلالة تنّينيّة قال..."

 

توقّف عن الجري فجأة والتفت إلى خلفه فكان هناك حشد هائل من الوحوش السحريّة بمختلف المستويات، ويتقدّمهم وحش سحريّ بالمستوى الرابع عشر، اتّخذ شكل التمساح لكنّه كان سحليّة كبيرة يمكنها ابتلاع تمساح ناضج دون الحاجة لمضغه، ولكن امتازت هذه السحليّة بأجنحتها الأربعة التي بدت كأجنحة الوطاويط.

 

*زئير*

 

كانت عينا السحليّة مغمورتين بنيّة القتل تجاه العالم المجنون الذي فقط الخالق وحده يعلم ماذا فعل بهذا الوحش السحريّ حتّى يستشيط غضبا لهذه الدرجة.

 

عبس أوبنهايمر فرانكنشتاين وحدّق إلى عينيْ الوحش السحريّ دون تردّد، وفي هذه اللحظات كانت عينا صاحب الوجه الطفوليّ اللتين تبدوان بريئتين عادةً حادّتين ومتوّهجتين بضوء أحمر متعطّش للدّم.

 

"لا تكوني غاضبة هكذا يا سحليّة فقط لأنّني غزوت وكرك ونهبت بعض الأحجار والأعشاب السحريّة واختبرت دمك. تبّا، لهذا أكره المخلوقات الغبيّة. يا له من إزعاج."

 

اختفى من مكانه فظهر فجأة أمام السحليّة كشبح ما، وبسبب سرعته الكبيرة التي جعلت صورته ضبابيّة، لم تُلاحظ لكمته التي صدمت رأس الوحش السحريّ حتّى طار مئات الأمتار في السماء.

 

ظهر شكل العالم المجنون بشكل أوضح، فكان يطوف هناك بجناحيه ناصعي البياض، بهالة سوداء تنبعث منه كأنّما كانت هالة مشؤومة من أرض محرّمة.

 

حدّق إلى ذراعه اليمنى التي لم تكن بذراع بشريّ، فتميّزت بتلك المخالب السوداء التي لعبت دور الأصابع في نفس الوقت، والقشرة الصلبة الفضّيّة التي بدت كقشرة تنّين عتيق. لقد كانت ذراعه كذراع تنّين تجسّد في هيئة بشريّة.

 

"همف،" رمق حشد الوحوش السحريّة وصرّح: "والآن بما أنّكِ أيّتها الوحوش الوضيعة جعلتِني أظهر ما في جعبتي لأقاتل بجدّيّة قليلا، لا تتوقّعي الخروج من هنا حيّة. سأحاول ألّا أنفّس عن غضبي كلّه عليكِ حتّى تبقى هناك حصّة من أجل ذلك الخبيث."

 

اختفى من السماء وظهر أمام حشد الوحوش السحريّة بالأرض، فشرع يخترق أجسادها بعدما حوّل ذراعه الأخرى أيضا إلى ذراع تنّينيّة. لقد كان هناك أكثر من مائة وحش سحريّ عشرة منها فوق المستوى العاشر، إلّا أنّه رقص في أرض المعركة على ألحان صرخات الوحوش الفظيعة تحت مطر من الدماء.

 

استحمّ في الدماء وقطع الأمعاء والأحشاء في الأرض والسماء، وهاج هنا وهناك وتردّدت ضحكاته المجنونة في كامل الأنحاء. قتل الوحوش بشتّى الوسائل، حتّى أنّه استخدم سموما وأدوات عجيبة انفجرت بعدما تلاقت بهدفها فدمّرته.

 

ابتسم بينما يحمل بعض الكرات حجمها يصل لحجم الدائرة التي تنتج عن التقاء الإبهام بالسبّابة. كانت تلمع كالجواهر، او للدّقة كأحجار الأصل، إلّا أنّ الوهج الذي يكون عادة بداخل أحجار الأصل مستبدل في هذه الكرات بطاقة بنفسجيّة تدور باستمرار وبسرعة كبيرة. نُقِش على هذه الكرات نقوش أثريّة عتيقة سطعت كما لو أنّها تتفاعل مع دوران الطاقة البنفسجيّة بالداخل.

 

"هاهاها..." ضحك كالمجنون فأخرج عشرة كرات ورماها على الوحوش السحريّة: "تذوّقوا اختراعي الأخير. همف، قد يكون الوغد أراحني قليلا بما أنّه أنهى حياة هدّام الضروس، وإلّا لم أكن لأحصل على جسده وأفهم طريقة عمل عنصر الدمار؛ فبسبب ذلك كنت قادرا على توليد القدرة التدميريّة بنجاح لهذه القنابل. ولكن هذا وذاك شيئان مختلفان، سيجب عليه دفع ثمن خداعي، بالإضافة إلى أنّني ساعدته أيضا وبـنيّة منّي على عكسه."

 

نزلت القنابل السحريّة على الوحوش السحريّة فأسقطت العديد منها في لحظات بعدما فجّرتها والمنطقة المحيطة بها لأشلاء حتّى أنّ الغبار اندثر.

 

"أمم... جيّد بالنسبة للمرّة الأولى، عشرة وحوش بالمستوى السابع واثنان بالمستوى الثامن وجراح بليغة لوحوش المستوى التاسع والعاشر."

 

وبالطبع كانت الوحوش تحت المستوى السابع كلّها عجينة من الدم واللحم منتشرة على الأرض، فالوحوش بهذه المستويات لم تنجُ من هجماته الجسديّة حتّى.

 

هاجت السحليّة وأتت محلّقة من بعيد مخترقةً سرعة الصوت بينما تصرخ. غلّف سحرها جسدها فصار وجه العالم المجنون جدّيّا لمّا رأى ذلك.

 

"عنصر التعزيز. لو كان نادرا عند البشر فهو أندر عند الوحوش السحريّة، لربّما هو السبب الذي خوّل هذه السحليّة أن تبلغ هذا القدر من القوّة."

 

عبس ثمّ لعق شفتيه قبل أن يتمتم: "قد تكون هذه المرّة الأولى لي ضدّ عنصر التعزيز. حسنا فلنجعل هذه السحليّة مقبّلات قبل الوجبة الرئيسيّة."

 

اختفت السحليّة فجأة من أمام عينيه و نفس الأمر حدث لطاقتها وحضورها، كما لو أنّها محيت من الوجود حقّا، لكنّه عضّ شفته وتمتم: "اللعنة، لقد بدأت تستخدم قدرتها الخاصّة، سيكون هذا مزعجا نوعا ما في الحالات العادية، لكن..."

 

كانت قدرة هذه السحليّة تتمثّل في إخفاء حضورها، وليس إخفاؤه فقط في الواقع بل تصل لدرجة محوه كلّيّا، كما لو أنّها لم تكن موجودة من قبل أصلا.

 

كان هذا الوحش السحريّ يدعى بـ'الحرباء التنّينيّة الناقصة'، وقدرتها هذه خالية من نقط الضعف بالنسبة للسحرة العاديين، لذا حتّى عندما تكون في المستويات المنخفضة وقبل أن تتطوّر إلى هذه الدرجة المرعبة كان يجد معظم الخبراء صعوبة في التعامل معها وقليلا ما ينجون من شراكها.

 

ارتفعت طاقة العالم المجنون السحريّة دون توقّف فبلغت ذروة شحنها بسرعة، وفي نفس الوقت امتّدت القشرة الصلبة الفضّيّة التي تغطّي ذراعيه إلى باقي جسده، ومن عصعصه برز نتوءٌ نما شيئا فشيئا بينما تمتدّ عليه القشرة الصلبة أيضا، حتّى صار في النهاية ذيلا اتّخذت حافّته شكل سهم أسود اللون.

 

لمع جسده الفضّيّ هناك، وأحاطته طاقته السوداء التي ناقضت نقاوة جسده الفضّيّ.

 

طال شعره قليلا وبلغ كتفيه، وتوقّفت القشرة عند محيط وجهه، فجعل ذلك وجهه يبدو أشرس ممّا كان عليه، إذْ صار راشدا بعدما كان طفوليّا وغدت عيناه الدائريّتان حادّتين وثاقبتين.

 

لم يستطع الإحساس بالسحليّة حتّى الآن، لكنّه انتظر هناك بصبر حتّى أنّه لم يكلّف نفسه عناء النظر، وفجأة فتح عينيه واستدار ثمّ لكم الهواء فانطلقت نيران بيضاء مع قبضته واجتاحت كلّ في طريقها.

 

لقد كانت تلك لكمة من ساحر بالمستوى الرابع عشر، وبنار في درجتها الرابعة من إمكانيّتها الوحيدة ذات الدرجات السبع؛ لقد كانت النار البيضاء، التي كانت درجة لا يبلغها سوى عباقرة متميّزين.

 

رُشّت الدماء في الهواء وحلّق جسد السحليّة بعيدا بعدما ظهر فجأة، بينما تعاني من الحرق المركّز من تلك اللكمة التي اخترقت جانبها الأيمن وحرقت أحد جناحيها اليمينيّيْن. صرخت متألّمة وسارعت في إلقاء بعض السحر على جراحها حتّى توقف النار البيضاء من الانتشار.

 

في اللحظة التي لامس جسد السحليّة جسد العالم المجنون، استطاع هذا الأخير الاستجابة بردّة فعل سريعة بشكل مرعب حتّى أنّه تجنّب الصدمة التي كان سيتلقّاها من الهجوم، وللدقّة، قد حرّف مسار الضربة عبر ميل جسده مراوغا إيّاها في الوقت المناسب، وفي نفس الوقت ردّ الهجوم.

 

"همف، بعد إيقاظ الدم، لا يمكن لأيّ شيء أن يهرب من حواسّي الخمس المصقولة إلى أقصاها، والتي تُنتِج حاسّتي السادسة التي يمكنها كشف ورصد نملة تحت الأرض، فما بالك بتغيّر ضغط الهواء على جسدي الناتج من اقتراب جسدك بقوّة؟"

 

لم يكن لينجح أيّ شخص في تحقيق ذلك لو لم يملك حواسّا تجعله يقيس الوقت بالضبط ويستجيب بالسرعة المطلوبة. لقد كان استثنائيّا حقّا!

 

'إيقاظ الدم'، كان هذا الاسم الذي منحه العالم المجنون لتحوّل جسده هذا الذي لم ينتج عن طاقة سحريّة؛ لم يكن هذا سحر التحوّل بل مجرّد تغيّر في هيئة جسده. من يعلم ما الذي فعله حتّى كسب هذه الخواصّ الوحشيّة وهاته الدماء القويّة؟

 

حدّق إلى جسد السحليّة وأكمل: "لقد عاد عليكِ عنصر التعزيز بالضرر بما أنّه للمسافات القريبة غالبا، ولكن حقّا المخلوقات الغبيّة فقط من ستقع في مثل هذا الفخّ البسيط. فقط عندما اعتقدتِ أنّه لا يمكنني رصد حضورك تخلّيت عن الدفاع ووضعت كلّ ما تملكين من طاقة في الهجوم."

 

تحرّكت الوحوش السحريّة المتبقّيّة فجأة بانسجام كما لو أنّها شكّلت تشكيلا حربّيا، فهاجمت العالم المجنون من جميع الجهات، وبالرغم من أنّها واجهت قبضات وركلات ساحر بالمستوى الرابع عشر دون نسيان تحوّله الغريب وصارت بعدئذ بقعا من الدماء تلطّخ الأرض والسماء، إلّا أنّ الوحوش التي نجت استمرّت في الهجوم باستماتة.

 

ضحك أوبنهايمر فرانكنشتاين بجنون بينما يجتاح تشكيل الوحوش السحريّة مستمتعا برؤية رؤوسهم تُسحق على يديه وأعضائهم الداخلية تُحطّم برجليه، كما لو أنّه يختبر قوّته وما يمكنه بلوغه بمستواه الحالي في مواجهة هذه الكمّيّة من الوحوش دون أخذ حدوده في الاعتبار.

 

"نعم، هكذا تسهّلين عليّ الأمر كثيرا أيّتها المخلوقات البلهاء. كلّ واحد منكِ يتبع أوامر السحليّة غريزيّا حتّى تتعافى كلّيّا، لكنّني مستعدّ لركب هذا القارب ومجاراتكِ. هيّا اجعليني أختبر نفسي وعظمتي."

 

سبح في مستنقع الدماء والجثث الذي صنعه ثمّ التفت أخيرا إلى السحليّة التي نما ما حُرِق من جناحها وتعافت إصابتها كلّيّا. كان يلهث من شدّة التعب، لكنّه أخرج إكسير التعزيز وإكسير العلاج ثمّ تعاطاهما مرّة واحدة.

 

كان تعاطي هذين الإكسيريْن مرّة واحدة أمرا في غاية الصعوبة لباقي السحرة ولم ينجح في ذلك حتّى الآن سوى باسل بما أنّه يملك بحر روح دون قدرة تحمّل أفضل من أقرانه، لكن يبدو أنّ العالم المجنون لم يكن أقلّ شأنا منه.

 

تعافت إصاباته البليغة وأصبحت سطحيّة، ثمّ ارتفعت قوّته السحريّة من جديد، وبالرغم من شربه إكسيريْن إلّا أنّه وقف هناك مستوعبا فوائدهما فقط دون التعرّض لأيّ ضرر.

 

لقد تمكّن هذا الشخص من التحكّم في الكيمياء والحدّادة كالمتخصّصين دون تحويل طاقته السحريّة إلى طاقة خالصة، لذا يمكن تصوّر مدى قوّة بحر روحه بغض النظر عن كيفية تحقيقه ذلك.

 

"إنّها الجولة الثانية يا سحليّة."

 

لم يضع وقتا وانطلق بسرعة فائقة حتّى أنّ صورته تشوّهت وبدا كخيال يخدع العين، لكنّه ظهر أمام السحليّة التي كانت تركّز هذه المرّة كلّيّا على الدفاع بعدما تعلّمت درسها من السابق، وانقضّ بهجوم شامل دون اكتراث لشيء آخر بينما يقهقه.

 

"هيّا، هيّا، هيّا، هيّا، هيّا، هيّا..."

 

كما لو كان ثورا هائجا، لم يكن هناك شيئا ليوقفه سوى طحن ما يرى أمامه.

 

فعّلت السحليّة قدرتها وهربت بعيدا، فبعدما رأت جنون العالم المجنون لم تشأ أن تبقى هنا أكثر من ذلك.

 

عبس أوبنهايمر فرانكنشتاين ثمّ استعدّ ليلحق السحليّة، لكنّه التفت فجأة إلى جهة أخرى واعتلت وجهه ابتسامة عريضة قبل أن يصرّح: "هوه، ها قد خرج أخيرا، يبدو أنّني سأنفّس عن غضبي في محلّه."

 

*بووم*

 

اخترق الهواء وانطلق بسرعة فائقة دون اختزال أيّ قدر من سرعته.

 

***

 

عذرا عن التأخّر مرّة أخرى يا شباب وبنات.

 

من تأليف Yukio HTM

 

أتمنّى أن يعجبكم الفصل. أرجو الإشارة إلى أيّ أخطاء إملائية أو نحوية.

إلى اللّقاء في الفصل القادم.

شارك الفصل مع أصدقائك
التعليقات
blog comments powered by Disqus