الفصل الأربعمئة وأربعة: الرسالة (2)
________________________________________
لقد تملك "جاي" شعورٌ جامحٌ بالصراخ. كان كل هذا مجافيًا للواقع على نحو لا يصدق!
ورغم أنه شهد الكثير من الأمور منذ أن استيقظ، كسفينة "سفينة الأمل" الجديدة، ومكوك النقل فائق السرعة، وما يُسمى "بدلة فضاء قتالية" الهيكلية، وغيرها الكثير من الأشياء التي تتجاوز العلم، إلا أن أكثرها غرابة هو أنه قد تمكن للتو من خداع الفضاء ذاته.
وبينما واصل مكوك النقل تقدمه، رفع "جاي" يديه وأمعن النظر فيهما بصدمة. بعد صمت طويل، قال بخواء: “لقد خدعتُ للتو رقعة من الفضاء، ما الذي حدث بحق الجحيم؟”
أضاف "ياو يوان" الذي كان بجانبه: “لقد رأيتَ ما حدث بنفسك. يبدو أن قوتك عظيمة على نحو غير عادي. الأفضل لك أن تعتاد عليها سريعًا، لأني أرى أننا سنحتاجك في الكثير من المواقف مستقبلًا.”
ظل "جاي" شارد الذهن حتى قال فجأة: “سيسقط هنا مطر من الشوكولاتة!”
ولم يحدث شيء...
“ماذا عن... ستمطر عملات ذهبية!”
وظل لا شيء يحدث...
“ستتساقط الجميلات من السماء!”
لم يزل لا شيء...
“سأصبح "الحاكم المطلق"...”
عنفه "ياو يوان": “الشيء الوحيد الذي صرتَهُ هو حاكم المجانين في الحقيقة...”
ضحك "زيرو" قائلًا: “قوتك لا تعمل بهذه الطريقة. ببساطة، لكي تنجح الكذبة، يجب عليك أولًا أن تصدقها بنفسك. هذا هو الشرط الأول. إذا لم تصدقها أنت، كيف ستقنع الآخرين بها؟ أما الشرط الثاني فهو أن تكون الكذبة طبيعية أو على الأقل منطقية في ذهنك. على سبيل المثال، الوضع الذي حدث للتو يخالف منطق عالمك، إنه شذوذ بطريقة ما، وبالتالي في ذهنك، لم يكن من المفترض أن يحدث. لذلك، تمكنت من استخدام قوتك لتصحيح ذلك الشذوذ بسهولة.”
“أهكذا إذن...” فكر "جاي" مليًا، ثم نطق بنبرة أعمق من ذي قبل: “سأصبح "الحاكم المطلق"...”
“...ستصبح "الحاكم المطلق" للمجانين بالفعل...”
اقتربت المجموعة أكثر فأكثر من الضباب المتوهج. عندما وصل المكوك أخيرًا إلى حافة الضباب، اتضحت لهم الرؤية. كان الضباب كثيفًا ويغطي مساحة واسعة بشكل لا يصدق. كان من المستحيل تحديد مدى عمق الضباب، لأنهم لم يتمكنوا من الرؤية إلا لمسافة مترين فقط وراء الحافة قبل أن يبتلع الضباب كل شيء.
كان أغرب ما في الأمر أنه لم يكن هناك حتى مركبة فضائية واحدة على بعد آلاف الكيلومترات من هذا الضباب. فقد وُضعت جميع المركبات الفضائية بعيدًا عن الضباب.
“وماذا الآن؟ هل ندخل الضباب هكذا فحسب؟” استلقى "جاي" بتكاسل في مقعده وتنهد بفتور. “هل ينتظرنا وحش ما لنصب كمين لنا في الداخل؟ هذا يشبه إلى حد كبير حبكة فيلم رعب... بالمناسبة، هل يمكن أن يكون هذا مجرد وهم أيضًا؟ "ياو يوان"، هل يمكنك الرؤية خلف الضباب؟”
“لا، لا يمكنني ذلك. هذا ضباب حقيقي.” قفز "ياو يوان" من المكوك وتمكن من إلقاء نظرة على "جاي" وهو مستلقٍ في مقعده. تنهد وقال: “لنتوقف لتناول الطعام أولًا. لقد كنا نتحرك لأكثر من عشر ساعات بالفعل؛ أنا متأكد من أن الجميع جائعون ومتعبون، أليس كذلك؟ ففي النهاية، الوقت مرن هنا. لنأخذ قسطًا من الراحة لمدة ساعتين، وسنواصل الاستكشاف داخل الضباب بعد ذلك.”
“أخيرًا، لقد كنت أنتظر أن تقول ذلك لوقت طويل...” قفز "جاي" فورًا من مقعده باندفاع من الطاقة. خلع "خوذة الفضاء" وضحك. “دعني أرى كيف تغير المطبخ البشري على مر السنين!”
قد يكون يتظاهر بالخفة، لكن "ياو يوان" كان يدرك الضغط الهائل الذي كان "جاي" يرزح تحته. ففي النهاية، لم يكن سوى مدني عادي لم يخضع لسنوات من التدريب العسكري... وطلب منه أن يخاطر بحياته ويسافر إلى فضاء مجهول كان مهمة مرهقة، كما هو الحال لأي شخص.
وبعد ساعتين، انتهوا من وجبتهم، وبناءً على طلب "ياو يوان"، فحصوا ذخيرة ومعدات بعضهم البعض مرة أخرى قبل التوجه إلى الضباب في مكوك النقل.
التزمت المجموعة الصمت وهم ينظرون إلى الضباب أمامهم... بالطبع، لم يتمكنوا من الرؤية إلا لمسافة مترين أمامهم، لذا لم يتمكنوا من تحديد ما بداخله حقًا. على الأقل بدا الضباب يتوهج، مما يعني أنهم لن يحتاجوا إلى إضاءة المصابيح.
وبعد قدر غير محدد من السفر، حيث بدا أن الوقت يفقد معناه داخل الضباب، وجد "ياو يوان" نفسه واقفًا وسط حالة من العدم. اختفى الضباب الذي بدا وكأنه يغلفه في وقت سابق، وأصبح محاطًا بالفضاء والنجوم بدلًا من ذلك. بدا الفضاء يمتد إلى ما لا نهاية، ولم يتمكن من تحديد الأفق.
حرك "ياو يوان" أطرافه بشكل لا شعوري وأدرك أن لا شيء خطأ في جسده، يمكنه التحرك بحرية تامة. ومع ذلك، كان هناك شعور بانعدام الوزن في حركاته. ووفقًا لقراءات "بدلة فضاء قتالية" الخاصة به، كان في الفضاء الحقيقي مع إشعاع فضائي حقيقي. لقد وجد نفسه قد عاد إلى الكون المادي الحقيقي. [ ترجمة زيوس] “ما الذي يحدث؟ هل هربت من الفضاء الوهمي؟ وماذا عن "سفينة الأمل"؟ وماذا عن "البشرية"؟” بدأ "ياو يوان" بالذعر. لكن قبل أن يتمكن من وضع خطة، نطق صوت في عقله.
“هذا هو المكان الذي وُلد فيه عرقنا. وإذا تُرجم باستخدام المعلومات المخزنة في عقل المستخدم، فيُطلق عليه مجرة إكس آر زي إن إيه-37310. ونحن نطلق عليها أرض الميلاد.
“هذا نظام كوكبي صغير لا يُذكر. وعدد "الحضارات الفضائية" التي ولدها هذا النظام منخفض، لم نكن سوى نحن. كان فضاءً هادئًا نسبيًا...
“إذا حُسبت باستخدام وحدة الزمن الخاصة بعرقكم، فقد غادر عرقنا كوكبنا الأم قبل حوالي 34,000,000 عام. لقد تطورنا من عرق بدائي إلى عرق فضائي. لقد سافرنا إلى آلاف "الأنظمة الكوكبية" وخضنا عدة "حروب فضائية" متفاوتة الأحجام على طول الطريق. أخيرًا، قبل حوالي 1,200,000 عام، أصبح عرقنا حضارة فضائية من المستوى الثامن. في ذلك الوقت، كُشف لنا سر. إذا كان المرء ينوي الوصول إلى ذروة حضارة فضائية من المستوى التاسع، فعليه العودة إلى النظام الكوكبي الذي ولد فيه عرقه. وإذا كان "النظام الكوكبي" قد دُمر بالفعل، فلن يصل العرق أبدًا إلى ذروة حضارة فضائية من المستوى التاسع.
“لحسن الحظ، كان هذا "النظام الكوكبي" مكانًا هادئًا. لم تكن هناك معادن جديرة بالاهتمام أو أماكن مثيرة للاهتمام. وخلال ملايين السنين التي قضيناها في كوكبنا الأم، لم تكن هناك حادثة فضائية كبيرة بما يكفي لتدمير هذا المكان. لذلك، نعتقد أن عرقنا سيتمكن من الوصول إلى ذروة حضارة فضائية من المستوى التاسع دون حوادث.
“ومع ذلك، لم نتوقع أن يقوم تحالفٌ يضم أكثر من عشر "حضارات فضائية" من المستوى التاسع بالوصول لقمعنا. لقد رغبوا في تدمير أرض الميلاد هذه. كيف يمكننا أن نسمح بذلك؟ لقد كانت هذه هي المفتاح الذي سيساعدنا على أن نصبح حضارة فضائية من المستوى التاسع، ومهد الأمل لحضارتنا بأكملها، لذلك رفضناهم بطبيعة الحال.”
وبمجرد ظهور الصوت في عقل "ياو يوان"، بدأ الفضاء من حوله يتغير. أولًا، عُرض عليه لقطة مقربة لكوكب أزرق متلألئ. انطلقت منه عدة "مركبات فضائية" بينما كانت "قطعة من نجم نيوترون" تندفع نحوه. وكما يحدث في الأفلام التي تُشغل بسرعة، أُعطي "ياو يوان" لمحة عن تاريخ إحدى المركبات الفضائية. فبعد مغادرتها "النظام الكوكبي"، تعرضت لهجوم من مجموعة من "الكويكبات". ثم، وبما أن هذه كانت المرة الأولى التي يغامرون فيها خارج "نظامهم الكوكبي"، لم يعدوا إمدادات كافية. وبسبب نقص الإمدادات أو الاختلافات في سياسات الحُكم، حدث اقتتال داخلي.
لكن هذه الحضارة كانت محظوظة حقًا، لأنه في اللحظة التي كانت على وشك الانقراض بسبب الاقتتال الداخلي، عثروا على شظية من "كوكب أرضي". بدا أنها شظية عملاقة من "كوكب أرضي" غادرت مدارها الأصلي أثناء الحركة الكونية.
تمكنت هذه الحضارة من الحصول على المواد التي احتاجتها من الشظية، فتوقف الاقتتال الداخلي. وبوحدة الحضارة بأكملها، تمكنوا من بناء حصن فضائي ضخم بشكل لا يصدق على شظية هذا الكوكب واستمروا في رحلتهم...
في النهاية، وصلت الحضارة إلى "نظام كوكبي" غير مأهول. حاولوا تحويل أحد الكواكب إلى "كوكب حافظ للحياة"، ولكن للأسف، فشلت جهودهم التي استمرت آلاف السنين. وبحلول ذلك الوقت، كان آخر "المتكيفين الكونيين" قد ماتوا من الشيخوخة، واصطدموا بالتهديد الحقيقي لأي حضارة فضائية... "الشيخوخة العرقية"!
لحسن الحظ، بدا أن الحظ يبتسم لهم، لأن حضارة فضائية أخرى من المستوى الثاني دخلت "النظام الكوكبي" لحصاده. اندلعت حرب بين الطرفين، وباستخدام تقنيتهم الخاصة التي كانت أيضًا من حضارة فضائية من المستوى الثاني والسلاح السري المخفي داخل الحصن الفضائي، فازت هذه الحضارة الفضائية بالحرب الشرسة. ومع ذلك، بعد انتهاء الحرب، أدركوا بفزع أن هناك دفعة من "المتكيفين الكونيين" الجدد بين أطفالهم.
كان الكون بأكمله يعرض تاريخ هذه الحضارة الفضائية.
رأى "ياو يوان" التاريخ بأم عينه، من صراعهم الأولي إلى تقدمهم اللاحق وهم يتقدمون خطوة بخطوة عبر مستويات الحضارة الفضائية. وعلى الرغم من وجود العديد من الأشياء التي لم يكن من المفترض أن يفهمها، إلا أن هناك صوتًا في رأسه مكنه من فهم كل شيء غريزيًا.
استمر الكون في الحركة ليُظهر تاريخهم حتى عادت هذه الحضارة إلى "النظام الكوكبي" الذي أنجبها. فجأة، بدأت بقعة معينة من هذا "النظام الكوكبي" بالانهيار كما لو أن حفرة بالوعة قد انفتحت وكان الفضاء ينهار فيها. وفي تلك اللحظة سمع "ياو يوان" تلك الموسيقى مرة أخرى...
كانت "أنشودة الدمار"!
“تمكنا من إيقاف "أنشودة الدمار"، ولكن في النهاية، فشلنا. ومُسحت جميع آثار وجودنا على يد تحالف "حضارات فضائية" من المستوى التاسع، باستثناء هذا...
“لم نجرؤ على ترك أي من مواطنينا أو تقنيتنا وراءنا، لأنهم ببساطة كانوا سيُطاردون من قبل التحالف ويُدمرون، لكن لدينا هذا، وهذا هو أملنا الوحيد...
“هذا شيء حصل عليه عرقنا ذات مرة في رحلتنا الطويلة. لا نعرف ما هو أو من صنعه، وبالكاد يمكننا تحديد ما إذا كان طبيعيًا أم من صنع البشر، لكننا نعلم أنه شيء لم تتقنه حتى حضارة فضائية من المستوى التاسع!
“يا أيها المختار، لقد ربحت حق وراثة هذه "أنقاض أثرية"، ولم يبقَ لدينا سوى هذا الشيء، "كون وهمي"! خذه، واستخدمه لتنمو، وساعدنا على الانتقام وإحيائنا، وسنكون أكثر خدمك إخلاصًا...”
عندما اختفى الصوت من عقل "ياو يوان"، اختفى الكون من حوله كما لو أن حجابًا قد رُفع، وتمكن من رؤية كل شيء بوضوح مرة أخرى...