28 - تقنية التوجيه المستوى 5

الفصل 28: تقنية التوجيه المستوى 5

عاد سونغ تشي إلى المنزل ولم يفكر في شيء آخر، بل غاص مباشرة في غرفة الزراعة الشاملة داخل سوق أطلال السماوات ليواصل مزاولة تقنية التوجيه

كانت خطة مزاولته في غاية البساطة، ففي النهار يعتزل داخل المعارض والأسواق ليزرع تقنية التوجيه النفسية، وفي المساء ولساعات قبل النوم يتخيّل البصمة المطبوعة للميكا الأسطورية في ذهنه، فإذا استُنزفت طاقته الذهنية دخل في نوم عميق ليلي

مرّ الوقت سريعًا ضمن هذا الروتين المكتمل، وانقضى نصف شهر كلمح البصر

سوق أطلال السماوات، غرفة الزراعة الشاملة

واقفًا على وضعية ركوب الحصان، كفاه مبسوطتان نحو السماء وعيناه مغمضتان بإحكام، ارتجفت عضلات سونغ تشي قليلًا، وفي اللحظة التالية انبعثت من جسده سلسلة أصوات طقطقة عظام تلاها وخز قوي تفشّى في كيانه كله

ومع ذلك بقي ساكنًا بلا حركة، وبعد دقائق عدة حين هدأت تلك الإحساسات غير المألوفة في جسده استقام وخفض كفّيه وأنهى مزاولة تقنية التوجيه النفسية

وكان واضحًا أن الهالة المنبعثة من جسده باتت أقوى بكثير مقارنة بما قبل، وفي الوقت نفسه كانت الطاقة الروحية في دمه تتدفق بلا انقطاع كأنه يمتلك قوة لا تنضب

"لقد اخترقت تقنية التوجيه إلى المستوى 5 خلال نصف شهر فقط، يبدو أن أثر غرفة الزراعة الشاملة أعظم مما توقعت"

وبعد أن لوّح بحماس قليلًا وتكيّف تمامًا مع التغييرات التي طرأت على جسده، هدأ سونغ تشي مجددًا

وبالتفكير المتأني، فقد ظلت تقنية التوجيه لديه عالقة عند المستوى 4 قرابة ثلاث سنوات، وبفضل هذا التراكم استطاع أن يخترق إلى المستوى 5 بسلاسة، أما الاختراق إلى المستوى 6 لاحقًا فلن يكون أمرًا يُنال في وقت قصير بوضوح

حتى لو ظل مقيمًا في هذه الغرفة الشاملة بلا انقطاع فسيحتاج إلى ما لا يقل عن نصف عام أو أكثر

وما إن خطرت له هذه الفكرة حتى خفت حماسه المتأجج سريعًا

"لا يصلح هذا، ما زلت بحاجة إلى شراء جرعات متقدمة تُعين على المزاولة لأزيد سرعتي قدر الإمكان"

إن الهدف النهائي من تقوية بارجة الشعلة على الدوام هو في الحقيقة أن يرفع مستوى حياته مرات أكثر وبوتيرة أسرع كي ينال عمرًا أطول

ورغم أن متوسط عمر مواطن الرتبة صفر في حضارة البشر الشعلة يبلغ 140 سنة، وأن سونغ تشي في الثلاثين فقط وما زال أمامه وقت واسع للتحسن، فإن عقليته الباطنة التي حملها من حياته السابقة على الأرض غرست فيه شعورًا غريزيًا بالعجلة، يدفعه إلى نيل أول سموّ حياتي في أقرب وقت

وبعد الرتبة الأولى سيصبح عمره 200 سنة، ولا يطمئن قلبه إلا عند بلوغ هذا الحد

خرج من غرفة نومه متجهًا مباشرة إلى الحمّام، فبعد اختراق تقنية التوجيه إلى المستوى 5 طرح جسده كثيرًا من الشوائب، ولم يحتمل البقاء من دون اغتسال جيد

في تلك اللحظة ناداه والدُه الجالس في غرفة المعيشة فجأة

"غدًا تعال معي إلى مكتب الشعلة، فبعد أول استكشاف لك للمجال الغريب يمكنك التقدّم لتفعيل شبكة الشعلة"

وما إن سمع عبارة شبكة الشعلة حتى أضاءت عينا سونغ تشي وأومأ موافقًا بسرعة

وعن شبكة الشعلة، فهي شبكة اتصالات بين نجمية طوّرتها حضارة البشر الشعلة بالاعتماد على بذرة الشعلة ذاتها

ومما هو معلوم أن الشبكة الشائعة حاليًا في أرجاء حضارة البشر الشعلة هي شبكة مناطق محلية للأراضي العائمة مبنية على أساس تلك الأراضي، ولا تعمل إلا داخلها، فإذا خرج المرء من أرض عائمة إلى بحر النجوم تعطلت الشبكة بالكامل، وهو أمر مزعج للغاية في الملاحة والاستكشاف بين النجوم

لكن إنشاء شبكة بين نجمية مهمة بالغة العسر، فتكاليفها مذهلة، وحتى المحطات القاعدية بين النجمية التي تُبنى بأموال طائلة قد تتعرض بسهولة لأضرار بفعل عواصف نجمية أو أعراق غريبة أو وحوش نجمية أو قراصنة الفضاء أو تصادم الكويكبات، وتكاليف الصيانة بدورها لا تُتصور

وبالطبع فالنقطة الأهم أن بحر النجوم شاسع للغاية، فالمسافة بين أرض عائمة وأخرى تُقاس بسهولة بسنوات ضوئية، وربط شبكتي أرضين عائمتين في بحر النجوم وحده تحدٍّ هائل

دعك من كامل نطاق حضارة البشر الشعلة، فحتى دوقية نجم الصباح الواقعة على طرف الإقليم تضم أكثر من 10,000 أرض عائمة تابعة، ورغم أن الأراضي القابلة للحياة أقل بكثير، فإن وصلها جميعًا بشبكة أمر لا يُتخيل

أما شبكة الشعلة فمختلفة، فهي منظومة في غاية الاتساع تُرسَم بتراكب عدد كبير من بذور الشعلة كنقاط ارتكاز، ولا تحتاج إلى موارد إنشاء أصلًا ولا إلى صيانة، لأن كل نقطة ارتكاز فيها هي مواطن من مواطني الشعلة، ولديهم قدرة التنظيم الذاتي بل والتقوية المستمرة مع الزمن

ويمكن القول إن من أسباب تطور حضارة البشر الشعلة إلى حضارة رفيعة المستوى خلال بضع مئات آلاف السنين، إلى جانب قدرة بوارج الشعلة العالية على التكيف وخصائصها التي تُقصر دورات التنمية كثيرًا، هذا النظام الشبكي الفريد العصيّ على الكسر مباشرة

بعد حمّام مريح أغلق سونغ تشي بابه مجددًا ليواصل مزاولة تقنية التوجيه والتخيّل للبصمة الأسطورية للميكا، فالمزاولة كمجابهة التيار، إن لم تتقدم تتراجع، والمثابرة سمة يجب أن يتحلى بها كل قبطان الشعلة، فكيف يطمح المرء إلى عمر طويل إن لم يتحمل أبسط صور المزاولة الرتيبة

ولو كان الأمر على خلاف ذلك لما حقق نجاحًا يُذكر لاحقًا في درب تقنية التوجيه، إذ تتطلب التقنية في مراحلها المتأخرة أعوامًا طويلة أو عشرات السنين من العزلة لكسر العتبات، ومن لا يحتمل الوحدة لا يمكنه المواظبة

في اليوم التالي أخذ والدُه سونغ تشي باكرًا إلى الخارج، ولم يستدعيا بارجة الشعلة، بل استعملا السيارة الطائرة الحركية «غالوب» النوع 3

وبالمقارنة مع بارجة الشعلة فهذه السيارة أبطأ بطبيعة الحال، لكن نظرًا لقيود عدة في بارجة الشعلة على حمولة الركاب، وبما أنهما غير مستعجلين، اختارا السيارة الطائرة الحركية

✦ انتهى الفصل ✦

هذه الرواية عملٌ خيالي لا يمتّ للواقع بصلة، وجميع أحداثها وشخصياتها من وحي خيال المؤلف.

تذكّر أن لا تدع القراءة تلهيك عن صلاتك فهي صلتك بربك .

مركز الروايات يتمنى لك قراءة ممتعة وحياة طيبة مليئة بالبركة والخير.

2026/01/03 · 15 مشاهدة · 884 كلمة
bilal
نادي الروايات - 2026