في كُلِّ عَائلةٍ ميثاقٌ قديمٌ، وفي كُلِّ سُلالةٍ سرٌّ يرفضُ الموتَ مع أصحابِه.
لم يكن "أحمد ناجي" كبقية أقرانه؛ فبينما كان الأطفال يتسابقون في الأزقة، كان هو يغرق في تحليل أسباب الأشياء، يفكك المنطق وراء كل حركة، وكأن عينيه تريان ما خلف قشور الواقع. كان طالباً في كلية العلوم الفيزيائية، مهووساً بالقراءة، لكن سرّ شغفه كان يكمن في ذكريات طفولته مع جده "محمد" في البادية.
كان جده لغزاً لا يُحل. كان يمنع الجميع من الاقتراب من الغرفة العلوية، ومع دقات الساعة الثانية عشرة ليلاً، كان يختفي فيها حتى الفجر، دون طعام أو شراب، وأحياناً كان يقضي شهر رمضان كاملاً في عزلته. حين كان أحمد يسأله عن ذلك، كان الجد يبتسم غموضاً ويقول: "ستفهم حين يحين وقتك يا بني.. فأنت مختلف عن إخوتك، أنت تحمل شيئاً في دمك لا يدركونه".
ظلت هذه الكلمات عالقة في ذهنه حتى جاء ذاك اليوم المشؤوم. في الواحدة ظهراً، اتصلت الجدة باكية؛ الجد يحتضر. هُرع أحمد إلى البادية، وجد جده في حالة يرثى لها، هزيلاً لكن عينيه كانتا تشعان ببريق غريب. أخرج الجميع، وأمسك بيد أحمد بقوة، وقال بصوت متقطع: "لقد حان وقتك.. أكمل ما بدأه أسلافي. لا تخذل عهدي يا أحمد". ثم فارق الحياة قبل أن يفهم أحمد معنى تلك الوصية.
بعد أيام، صعد أحمد إلى الغرفة الممنوعة. عند الباب، أعطته جدته خاتماً قرمزي اللون وورقة عتيقة، هامسة بعبارات تحذيرية لم يلقِ لها بالاً. في ليلة كان فيها القمر بدراً، وقف أحمد أمام باب الغرفة، نفذ الطقوس بدقة: جرح يده، وضع قطرات الدم على الرمل والملح، وصدح صوته في أرجاء المكان مع ترديد الطلسم:
"بدمِ العهدِ المحتومِ، في ظلماتِ السبعِ الشدادِ، نفكُّ قيدَ الخادمِ القابعِ تحتَ الرمادِ.. فانفشي يا مقابرَ الجانِ، وأطلقي سلطانَ السفليين، فقد جاء سليمانُ بما لا تطيقُ له العباد!"
توهج الخاتم بلون دموي مرعب. ومع انقشاع الدخان الأسود عن الغرفة، وجد أحمد نفسه أمام عالم من الكتب القديمة، قارورات تحوي مواد مجهولة، ورموزاً خماسية منقوشة على الجدران. وفي الزاوية، استقرت عصا مكدسة بالطلاسم، نادته برغبة لا تُقاوم. بمجرد أن لمست يده خشبها، تردد في أذنه صوت غليظ، مخيف، وكأنه يخرج من باطن الأرض: "أهلاً بك يا سيد الدار".
ارتعد أحمد، وبدأ يصيح مذعوراً، قبل أن يأمره الصوت بفتح درجٍ سري. وجد مفتاحاً في عين جمجمة صقر معلقة، وبداخله كتابٌ حمل عنواناً مريباً: "خاتم سلالة مضر".
ما إن فتحه، حتى لفحته نسمة هواء باردة كأنها أنفاس الموت. كان الكتاب يجمع علوم ممالك الجن، ورموزاً غريبة، لكن المفاجأة كانت أن عقله بدأ يفك شفراتها تلقائياً وكأنه يقرأ لغته الأم، بل ووجد الرسوم التي كان جده يخطها على يده حين كان صغيراً.
فجأة، تجمد جسده في مكانه، فقد عجز عن الالتفاف. تردد الصوت الغريب خلفه مرة أخرى، هذه المرة بلهجة ساخرة وواثقة:
"لماذا هذا التسرع يا أحمد؟ الوقت لم يحن بعد لرؤيتي، فأنت لا تزال سجين عقلِكَ الذي لا يؤمن إلا بما تراه عيناك."
ارتجف أحمد: "من أنت؟ كيف تجرؤ على دخول بيتي؟ هل أنت لص؟ هل أنت قاتل؟"
ضحك الكيان ضحكة هادئة ومليئة بالغطرسة، ثم قال: "سذجٌ أنت يا أحمد ناجي.. طالب الفيزياء في مدينة الرباط، العاشق لزميلته سارة، حفيد محمد الذي ووري الثرى اليوم. لا أحد يدخل هنا بدون إذنٍ مني، ولا أحد يغادر أيضاً."
تلاشت كل ذرة إيمان في قلب أحمد، حاول أن يهرب إلى حصن القرآن، لكن لسانه تجمد، وذاكرته خلت من كل آية حفظها يوماً. سأله أحمد بصوت متهدج: "هل.. هل أنت جني؟"
انفجر الكيان ضاحكاً، ضحكة هزت أركان الغرفة، قال بعدها بنبرة أرعبت قلب أحمد: "أنا لستُ مجرد جنيٍّ عابر.. أنا لوسيفر، سيد الضوء الساقط. ومنذ اللحظة التي قرأت فيها ذلك الطلسم، لم يعد هناك مفر. لقد وقّعت بدمك على صكِّ دخولِ عالمنا، ولن يخرجك منه أحدٌ.. إلا الموت!"
"انتهى الفصل، وبدأ الكابوس."✍️📖