قطعت طريق العودة من البادية إلى الرباط في صمت تام. طوال الطريق، كانت نافذة الحافلة تهتز بانتظام، ومع كل اهتزازة كنت أحاول جاهداً إقناع عقلي الذي أثقله التفكير العلمي طوال سنوات دراستي في كلية العلوم بأن ما عشته في الغرفة العلوية لبيت جدي "محمد" لم يكن سوى نوبة ذعر حادة. نعم، صدمة الموت المفاجئ قد تجعل المرء يرى طيوفاً ويسمع همساً ليس له وجود.
لكن الندبة التي اتخذت شكل نجمة خماسية على إبهام يدي اليمنى كانت حقيقية، بارزة، ودافئة بشكل غير مبرر.
في صباح اليوم التالي، وجدت نفسي جالساً في "المدرج" وسط زحام الطلاب. رائحة القهوة الممتزجة بالورق والرطوبة، وصوت البروفيسور وهو يخط معادلات ميكانيكا الكم على السبورة، كل ذلك منحني شعوراً مؤقتاً بالأمان. الواقع هنا ملموس، تحكمه الأرقام والقوانين.
التفتت إليّ "سارة" التي كانت تجلس في المقعد المجاور، وعيناها تدوران بقلق ملحوظ:
- "أحمد.. هل أنت مستوعب لما يقال؟ وجهك شاحب جداً منذ عدت من الجنازة.
حاولت الابتسام لطمأنتها: "مجرد إرهاق من السفر، لم أنم جيداً."
في تلك اللحظة بالذات، حدث أول ارتداد مرعب للعهد الذي فُك.
لم أسمع ردها، بل شعرت فجأة بضغط رهيب يجثم فوق صدري، وكأن الأكسجين سُحب من المدرج دفعة واحدة. الهواء حول سارة بدا وكأنه يتموج، وفجأة، التقطت أذناي صوتا ثانيا يخرج من أعماقها ليس صوت حبالها الصوتية، بل كان صوتا باطنيا، حادا ومكتوما، يتردد في فراغ جمجمتي: (إنه يخفي شيئا.. نظرات أحمد أصبحت غريبة وتثير خوفي، أتمنى ألا يقترب مني مجدداً).
تصلبت يدي فوق الدفتر، وسقط القلم حبر يلطخ الورق الأبيض. لم تكن سارة تتحدث، كانت تلك أفكارها المجردة، نواياها الحقيقية التي لم تنطق بها! لقد بدأت حواسي تترجم ترددات النفوس وكأنها جهاز استقبال ملوث.
-"أحمد؟ ما بك؟" سألت سارة، وتراجعت بجسدها إلى الخلف عندما رأت اتساع حدقتيّ.
جمعت أشيائي بحركة عشوائية غاضبة، وتمتمت: "أحتاج إلى بعض الهواء.. صداع قاسي." وخرجت أجر خطاي وسط نظرات الاستغراب من حولي.
توجّهت نحو ممر المختبرات القديم في الطابق السفلي، كان مظلماً وشبه مهجور في هذا الوقت من النهار. كنت ألهث وعرقي بارد، والندبة في إبهامي بدأت تفور بحرارة تكاد تحرق جلدي. وفجأة، انقطع صوت دبيب أقدامي.. ساد صمت مطبق، ثم انطفأت مصابيح الممر دفعة واحدة.
توقفت في مكاني. البرودة الزاحفة بدأت تسري من تحت قناع الظلام. التفتُّ حولي ببطء، فوقعت عيناي على انعكاسي فوق الزجاج المصنفر لباب أحد المختبرات المقفلة.
لكن الانعكاس لم يكن يحاكي حركتي.
كنت واقفا بذعر، بينما أحمد الذي في الزجاج كان يبتسم.. ابتسامة عريضة، مشوهة، تمتد حتى أطراف فكّه بطريقة لا يمكن لجسد بشري أن يتحملها.
تراجعت خطوة للوراء، وإذ بالزجاج يتشقق ببطء مع صوت صرير حاد يحز الأسنان. ومن خلف تلك الشقوق، لم تكن هناك طاولات المختبر أو المجهر، بل فراغ أسود مطلق لا قاع له. امتدت من داخل ذلك السواد يد بشرية شاحبة، ذات أصابع طويلة وأظافر رمادية متآكلة، وقبضت بقوة على إطار النافذة المكسور محاولةً الخروج إلى الممر!
كتمت صرختي وتراجعت بقوة، لأصطدم بجسد صلب خلفي. تجمد الدم في عروقي، وظننت أن الكيان قد حاصرني.
- "أحمد؟ ما الذي تفعله هنا في العتمة يا بني؟"
كان هذا صوت "ياسين"، الحارس الليلي للكلية، رجل خمسيني بسيط، كان يقف خلفي حاملاً كشافه اليدوي ونظرة عتب أبوية تعلو وجهه.
التفتُّ بسرعة نحو الزجاج؛ كان سليماً تماماً، والمصابيح تضيء الممر بنورها الأصفر الباهت. كل شيء عاد لطبيعته في لمح البصر. أدركت حينها الحقيقة البشعة: عالم الروحانيات والجن لا يحتاج إلى طقوس وبخور في كل مرة ليظهر، لقد أصبح متداخلاً مع عالمي كغشاء رقيق يوشك أن يتمزق عند أول رمشة عين.
عدت إلى الشقة في المساء كالمجنون، أبحث عن أي شيء يربطني بالواقع. في الصالة، كانت أمي "فاطمة" وشقيقتي الصغيرة "أروى" تتابعان التلفاز. حاولت ضبط أنفاسي والتصرف بطبيعية، لكن أروى لمحت يدي، وقالت بفضول طفولي:
— "أحمد، ما هذا الشيء الأحمر الذي ترتديه في إصبعك؟ هل هو عقيق؟"
نظرت إلى يدي بفزع. الخاتم القرمزي العتيق الذي أقسم أنني قفلت عليه داخل الصندوق الخشبي في البادية.. كان يلتف حول إصبعي بنعومة وإحكام، كأنه جزء من عظامي، ولم ألحظ وجوده طوال الساعات التي قضيتها في الكلية!
أسرعت إلى غرفتي وأغلقت الباب بالمفتاح. جلست على طرف السرير وأنا أحاول سحب الخاتم بكل ما أوتيت من قوة، حتى تخرش جلدي وبدأ الدم يتدفق، لكنه كان ثابتاً كأنه نبت من لحمي.
وفجأة، هبطت درجة حرارة الغرفة بشكل حاد، حتى رأيت بخار أنفاسي يتصاعد في الهواء كالضباب.
ومن الزاوية المظلمة بجانب الخزانة، بدأ الظل يتكثف ويتشكل. لم يكن صوتاً خفياً هذه المرة، بل تجسد لـ "لوسيفر" بهيئته الشاحبة الأنيقة. تقدم نحوي بخطوات هادئة لا صوت لها، حتى وقفت أمامي تماماً رائحة الكبريت والمسك العتيق التي تخنق الأنفاس.
انحنى مستواي، وهمس بنبرة تقطر تهكماً:
— "الفيزياء التي تعبدها تقول إن الطاقة لا تفنى ولا تستحدث من العدم يا أحمد.. وإرث جدك الشريف هو طاقتنا التي أحيتها دماؤك الزوهرية النادرة. أظنك بدأت تسمع ما تدسه الصدور، أليس كذلك؟"
التصقت بالحائط وأنا أرتجف: "أرجوك.. خذ الخاتم، خذ دمي، اتركني وشأني وارحل!"
أطلق ضحكة خافتة هزت أركان الغرفة، ومد إصبعه الطويل ليلمس جبهتي. في لحظة التماس، سرت في جسدي صدمة كهربائية عنيفة شلت حركتي بالكامل، وانفتحت في عقلي رؤى خاطفة ومتلاحقة: رجل بعمامة سوداء يخط طلاسم بدماء أحمر على جلد ماعز.. جيوش من كيانات مشوهة تزحف في دهاليز مظلمة في عالم سفلي .. وصوت يصرخ وسط الظلام: "الوعاء جاهز.. الكاظم يقترب!".
رفع يده فجأة، فاسترددت أنفاسي اللاهثة، وقال وهو يتلاشى في الهواء كالدخان:
— "الخيار لم يعد بيدك يا وريث سلالة رماد.. الليلة، عند الساعة الثانية عشرة تماماً، سيأتي الصياد الأول ليتذوق دمك. إما أن تفتح كتاب جدك وتتعلم كيف تحمي روحك.. أو ستكون مجرد قربان جديد لكاضم
عاد الضوء إلى الغرفة واختفى الكيان، تاركاً إياي ملقى على الأرض، وعيناي تنضران برعب نحو ساعة الحائط..
كانت تشير إلى الحادية عشرة والنصف ليلا.
ولم يكن يتبقَ على مواجهتي الأولى مع عالم الجن.. سوى ثلاثين دقيقة فقط.
لا تلتفت خلفك الان.. فالأرقام والطلاسم التي مرت عليها عيناك لتوها لم تكن لأحمد، بل كانت إذناً لدخول غرفتك.✍️📖
احذر...