بقي "هيثم" واقفًا هناك، ينظر بتركيز إلى الباب، وبالتحديد إلى الرقم "2". كان متأكدًا تمامًا أنه كان جالسًا هناك قبل أن يبدأ بالنزول، والآن يجد نفسه مجددًا في نفس المكان، رغم أنه من المفترض أن يكون عند باب الخروج.

"هذا غير منطقي... إن كان هذا مقلبًا، فهو ليس ممتعًا على الإطلاق."

حاول تهدئة نفسه، وأقنع عقله أنه ربما صعد عن غير قصد مجددًا إلى الطابق الثاني، ثم نزل مرة أخرى للطابق الأول. قرر إعادة المحاولة. نزل بحذر، عدّ الخطوات، وكأنها عملية حسابية تحتاج إلى دقة شديدة. لكنه حينما وصل إلى الأسفل، تجمد مكانه مرة أخرى. كان يقف أمام باب شقة، وعليه الرقم "2".

"ماذا يحدث بحق السماء؟!"

في داخله، كان كل شيء يصرخ بأنه في مشكلة. شعر بخوف يكاد يخنقه، لكن رفض تصديق ما كان يحدث. ألقى نظرة سريعة على الدرج، ثم كرر المحاولة، وهذه المرة ركّز على كل خطوة وكأنه يختبر شيئًا خطيرًا. في منتصف السلالم، التفت لينظر إلى الباب في الأسفل، فوجد الرقم "2" مطبوعًا عليه، ثم نظر إلى الباب العلوي، فوجد الرقم "2" هناك أيضًا.

كان الأمر كما لو أن المكان يتلاعب به، وكأنه في متاهة لا تنتهي، متاهة تعيد تشكيل نفسها كلما حاول الخروج. حاول استخدام هاتفه، لكنه اكتشف أن الإشارة منعدمة، كأن العالم كله اختفى من حوله. فكرة مجنونة بدأت تتسلل إلى ذهنه، تقترب منه ببطء مثل أفعى، فكرة ترفض عقله تصديقها.

"لا يمكن أن يكون هذا... لا يمكن أن أكون في..."

في اللحظة التي فكر فيها بتلك الفكرة، شعر ببرودة تحيط به. جسده ارتجف وسقط كما لو أن الأرض قد ابتلعته. تلاشى كل شيء، ولم يبقَ سوى الظلام.

استفاق "هيثم" ببطء، كمن يعود من حلم مزعج، ليجد نفسه جالسًا على أرضية سجاد بارد ورطب. كان الظلام يحيط به في البداية، لكنه بدأ يرى ببطء تفاصيل المكان من حوله، جدران صفراء باهتة تمتد بلا نهاية مضاءة بأضواء فلورية تصدر أزيزًا غير متوقف. ورائحة كريهة بدات تتسلل إلى أنفه المكان كان أشبه بكابوس حي، متاهة متكررة بلا نهاية، بلا اتجاه واضح.

رفع يديه ببطء ولمس الجدار، لكن الملمس كان غريبًا؛ بارد ورطب، وكأنه حي. خفق قلبه بسرعة، والشعور بالخوف بدأ يتغلغل في أعماقه. كان يشعر أنه وحيد، لكن كان هناك إحساس مستمر بأن المكان نفسه يراقبه، يتنفس، ينتظر منه أن يتحرك.

حاول الوقوف، لكن قدميه كانتا ترتعشان بشدة، مما جعله يسقط على ركبتيه. كل شيء بدا له مألوفًا بشكل غير مريح، وكل شيء كان يشير إلى مكان واحد، مكان شاهده من قبل.

"أين أنا؟" صوته خرج خافتًا، وكأنه يخشى من أن يسمعه شيء ما في الظلام.

كانت رائحة السجادة المتعفنة تملأ أنفه، ورأسه يؤلمه من الأزيز المستمر للمصابيح. في تلك اللحظة، تذكر فجأة ما كان يشاهده على يوتيوب، تذكر فيديو "الغرف الخلفية". كانت هذه الأفكار تغمره بسرعة، شعوره بالرعب يتضاعف، وبدأت ملامحه تنطق بالخوف الحقيقي.

عرف هذا المكان جيدًا. المكان الذي كان يشاهده في الفيديوهات وسمع عنه في قصص الرعب. والآن، كان عالقًا فيه، بلا مهرب، محاصرًا في متاهة لا نهاية لها.

"أنا في الغرف الخلفية..."

كانت الكلمات تخرج منه بصعوبة، كما لو أن الهواء نفسه كان يُسحب من رئتيه. وكان يعلم أنه إذا لم يتحرك، إذا لم يجد طريقة للخروج، فسيظل هنا للأبد، بين الجدران الصفراء التي تراقبه، وبين الظلام الذي يتربص به.

2024/10/26 · 28 مشاهدة · 508 كلمة
Jaauthor
نادي الروايات - 2026