جلست امام النار في هذه الليلة الباردة وانا انظر نحو الطفلة النائمة بجانبي...

قد تكون على الارجح اول بشري طبيعي اقابله في هذه الحياة ، او هذا ما اتمناه على الاقل...

ابرز ما اثار حيرتي عندما رأيتها هي تلك الكدمات والجروح في جسدها

منذ لحظة ولادتي في هذا الجسد كان في داخلي شك حول معاملة سكان هذا العالم للاطفال

عندما مررت بهذه المنطقة لم اتخيل وجود بشر من الاساس ... كل ما شعرت به هو موجات سحر عاتية تنبع من داخل الغابة

وكأحتياط قضيت على المصدر ، لأتفاجأ بطفلة بريئة ترتدي فستان كلاسيكي يغمى عليها امامي!

ارجو فقط ان ما قتلت لم يكن والد الطفلة او شيئ كهذا...

حسنا ، على الاقل فعلت ما استطيع فعله

بالرغم من انه سيكون من المفيد جدا وجود سحر للشفاء...

الا ان نقص معرفتي جعل اقصى ما بأمكاني فعله هو الاسعافات الاولية باستخدام قطع من القماش

رؤية هذه الطفلة ترقد بجانبي في نوم عميق ، يجعلني افكر بمقدار ما قد يعانيه اطفال عالم كهذا

عالم مما رأيت تحكمه القوة بشكل تام ، على الارجح سيتواجد اطفال مثلي ولكن بدون ذكريات رجل بالغ يعيشون في قرى ميته تحوي اقذر البشر او داخل غابات تعج بمخلوقات لا يتصورها العقل...

لربما لو لا مقابلتي بيل ونيل لكنت في هذه اللحظة قد تحولت لجثة مرمية عند احد الاشجار...

بالتأكيد لا يخلو رأسي من التسائل عن سبب ذاك اللقاء

ما رأيته في الكهف اكان رؤيا ام مشهداً من الماضي؟

لماذا اذنيَّ اصبحت اشبه بآذان الجان؟

ما تعلمته من بيل ونيل على مدار سنة كاملة ، والذكريات المشوشة المطبوعة في دماغي ... الا اي مدى يجدر بي الثقة فيهما وفي هذه الذكريات ؟...

بالتفكير بالأمر ، وجود فتاة ولدت وتعلمت وكبرت في هذا العالم قد يكون فرصة للحصول على ولو القليل من الاجوبة..

رفعت رأسي ونظرت نحو سماء الليل المتلألأة...

"لنترك كل شيئ للصباح"

في مدينة تتخللها اضواء الشوارع والمباني الضخمة ، سيكون من الصعب رؤية جمال ليلة كهذه...

يعتصر احساس بالندم قلبي في كل لحظة اتذكر فيها ما تركت في حياتي السابقة...

مجرم هو اخطر المجرمين ، وندم هو اعظم ندم ..

تارة ارى ولادتي مرة اخرى كفرصة لعيش حياة لم استطع ان احياها في السابق ، وتارة يجتاحني الندم عندما افكر في استحقاقي للعيش مرة اخرى..

ولكن في ليلة جميلة كهذه ، سيكون من الرائع التخلي عن كل هذه الافكار العقيمة والاسترخاء ببساطة.

وتدريجيا... بدأت اشعر بجسدي يسقط على العشب البارد ، ثم يليه سقوطي في نوم عميق-

.

.

.

.

.

.

.

.

شعرت بآثار مانا خافته تنبعث من خلفي لبضعة ثواني قبل ان تجتاح اذني ضوضاء مجهولة ..

"هوي انت.."

"استيقظ"

"انا آمرك بالاستيقاظ"

صوت خفيف مع وخز على كتفي اجبرني على الخروج من سكينة النوم...

فتحت عيني لارى امامي فتاة جميلة الملامح ، بيضاء البشرة ، حمراء الشعر ، تنظر نحوي وهي تحمل نظرة ارتباك على وجهها...

شيئا فشيئا بدأت اعود لوعيي واتذكر ما حدث بالامس..

نهضت من مكاني وجلست على العشب وانا انظر نحو هذه الفتاة

مالذي يجب علي قوله في موقف كهذا؟

في حياتي السابقة كان من المعتاد قول صباح الخير في اجواء كهذه

ولكن ماذا عن اختلاف الثقافة؟ وماذا بخصوص اضطراب ما بعد الصدمة؟

نظرت نحو ذراعها المكسور ، تحديدا نحو قطع القماش المهترء التي لفتتها بشكل عشوائي..

"هل انت من ساعدني؟"

اجبتها بايماءه خفيفه

"لا تقلق ، هناك ساحر قوي في الارجاء سوف يأتي لمساعدتي" قالت ذلك وهي لا تكاد تخفي شعورها بالفخر

واستمرت وهي تقول "بالواقع انا نبيلة! لقد واجهت شيطانا بالامس وتم قتل معظم رفاقي ... الا ان ساحرا عظيما اخرج من الارض رمح جليدي اخترق جسد الشيطان ، على الارجح هو بمقربة من هنا"

همم ، اذا هكذا كان الامر...

"لماذا لا تجيب؟ هل انت قلق من الشيطان؟ لا تخف لقد مات بالفعل! وعندما يأتي الساحر سوف اجعله يساعدك كذلك! لذا فلتكن شاكرا!" عكفت الفتاة يديها وهي تتصرف بتعالِ

هل من الطبيعي ان يتحدث الاطفال بهذا القدر؟

لقد حصلت على اجوبة اكثر مما اردت ان اسأل

"بالمناسبة ما هو اسمك؟ انا سينيا سيفنهارت! ابنة الدوق سيفنهارت"

سينيا اذا..

"انا باروس"

"ياله من اسم غريب! انت لا تمتلك لقب حتى؟ ، لا يهم .. انا متوجهة نحو مملكة سيبان واريدك ان تعمل لدي كحارس شخصي حتى وصولي"

استمعت بعناية لكل ما تقول...

لغة الجسد ، الايماءات ، نبرة الصوت ، حركة العين وحتى ارتجاف الشفاه

في حياتي السابقة اضطررت للبحث في علوم النفس باحثا عن اصغر خيط يمكن ان يحقق انتقامي..

بعد استجواب العشرات ولربما المئات من المجرمين باتت لدي عادة مراقبة اسلوب الطرف المقابل

هذه الطفلة التي امامي ... لقد تدربت على التمثيل بجد

نبرة الصوت غير اعتيادية ، وكثرة الايماءات وادعاء الفخر اثناء الكلام...

وبالاخص التناقض في معظم الجمل ...

هي بالتأكيد لديها موهبة باستغلال براءة الطفولة..

فحتى هذه اللحظة لم تسألني عن اذنيّ ، ولم تسألني عمّا كنت اعرف هوية الساحر المجهول-

هي تعلم جيدا انّي انا من قتل الشيطان ..

ولكن ليست ايماءاتها ولا تناقضاتها هي ما انبتت شجرة الشك لدي ....

"لا داعي لكل هذا ، انتِ تعرفين هوية الساحر" قلت بهدوء

تدريجياً مُحيت الابتسامة المتكلفة من وجهها الناعم وتظهر بدلها نظرة جادة شبه غاضبة..

لتقول بدون اي ذرة مشاعر في نبرتها "اذاً؟ مالذي تخطط لفعله الان؟ اذا كنت تنوي تسليمي الى الفصيل الملكي مقابل بضعة اكياس من الذهب ، بإمكاني ان اعطيك اكثر من ذلك"

"الفصيل الملكي؟"

"اتدّعي الجهل الان؟ امر متوقع من ساحر بإمكانه القضاء على شيطان رفيع المستوى بسهولة ، على الارجح بمستواك هذا قد ترقى لتكون كلب الملكة او شيئ من هذا القبيل" قالت وهي تبرز ابتسامه تنوي بها استفزازي

تابعت وهي تقول " وفوق ذلك اراك من الجان! العرق الخالد اليس كذلك؟ من المرجح كونك لست سوى عجوز في الستين من عمره يتنكر بجسد طفل"

همم ، تحليلها ليس خاطئا بشكل كامل...

ان قمت بحساب عمري العقلي قد اكون بحوالي الخامسة والثلاثين

ولكن عمري البيولوجي كما هو ظاهر ، انا طفل اعتيادي بعمر السابعة

"يالها من اقوال جارحة ، اتتكلمين عن الخداع أثناء اخفاء خنجرك تحت تلك الضمادة؟" قلت وانا اشير نحو ذراعها التي من المفترض انها مكسورة..

فجأة تحولت ملامحها الى الصدمة اثناء تارجعها خطوتين الى الوراء

من المستحيل انت تخطئ خبرتي الطبية

حركاتها ليست بحركات شخص ذو مكسورة

دون ذكر ان طريقة لف القماش تختلف عمّا لففته في الليلة الماضية..

بالاضافة لملاحظتي باختفاء الخنجر الثمين الذي اخذته من جثة الشيطان..

هذه الطفلة ، منذ البداية كانت تخطط لقتلي إن لم انصع لما تأمر به

"ايها اللقيط..." صرخت سينيا بذلك وهي تزيل قطعة القماش بسرعة واحترافية لتُظهر ذراعها الخالية من اي رضوض او كسور..

من المستحيل ان تتعافى ذراع بشري بهذه السرعة

وفجأة اندفعت سينيا نحوي وهي توجه الخنجر نحو عنقي

سريعة للغاية!

من العجيب امتلاك طفلة بهذا العمر لمهارة كهذه .

ولكن لسبب ما..

"بطيئ"

عند مقارنة هذا الموقف بتدريباتي ضد نيل فهذا مجرد لعب ..

بمجرد اقتراب الخنجر من رقبتي تجنبت الهجوم بسلاسة وقبضت يد سينيا مخلاً بتوازنها..

"انـ - ااغغهههغ" صرخت سينيا من الالم عندما ان لويت معصمها بقوة ، قوة كافية لتجعلك تسمع صوت طقطقة المفاصل ..

وانهيت هذه المعركة الطفولية بركلة على الساق كانت كافية لأسقاط سينيا ارضاً مع الزخم لمسافة متر ونصف ..

"اغغغغههـ داعر لعـ-ين" شتمت سينيا وهي تتلوى من الالم على الارض

لا احبذ حقيقةً ايذاء الاطفال ولكن بمجتمع ذو قوانين بدائية كهذه ، لربما هذا هو الخيار الامثل

مهلاً... اضربت لتوي طفلة واجهت الموت بالامس واستيقظت لترى نفسها نائمة بجانب طفل ساحر من الجان ذو لون شعر مشبوه ...

"..."

حسناً ، لا خيار سوى التعويض عن ذلك بالتكفل بها لحين الوصول لمملكة سيبان..

"ذكرتِ سابقاً رغبتك بالذهاب الى سيبان اليس كذلك؟"سألت وانا متوجه لالتقاط الخنجر من الارض..

لم احصل على اي اجابة وبدلا من ذلك اكتفت بأعطائي نظرات الرعب والسخط وهي بالكاد تحتمل الالم في معصمها و ساقها

تحسست الزخارف الجميلة على حديّ الخنجر لبضعه ثواني ومن ثم تابعت القول ..

"من الان فصاعداً ، ستتبعين كل ما أقول بالحرف".

.

.

.

2023/06/27 · 59 مشاهدة · 1257 كلمة
VEM
نادي الروايات - 2026