جلس داخل هذه العربة الفخمة شخصان احدهما امام الاخر
صَعِبتْ رؤية ملامحهما من خلف الستار الشفاف للعربة
جلس رجل عجوز على العتبة الحديدية للعربة وهو يقود الحصان الابيض الذي يسحب العربة برزانة
حولهم كان ما يتعدى العشر فرسان يمتطون احصنة بيضاء تكاد تشع نورا من جمالها
تقدم هذه القافلة قائد الفرسان ، جمع هذا بمجرد ركوبه على حصانه الفارس كلا من القوة والشهامة
بكل نبل يرتدي درعه الابيض اللامع ويركب حصانه المميز بتلك الدروع الضخمة
فجأة توقف القائد وصرخ بصوت خشن عالي قبل دخول القافلة في الغابة المؤدية للمملكة "توقفوا"
توقفت العربة المزخرفة وتوقف الفرسان امتثالا لأمر القائد
"لماذا
، ما الامر
، لما نتوقف بشكل مفاجئ هكذا؟"
بامكان المستمع سماع شكاوي خافته بين الفرسان
"رائحة دماء الوحوش تعج من هذا المكان ، مع وجود اثار خافته للسحر"
انقطعت كل الاصوات عندما قال القائد كلماته
اقترب احد الفرسان وهو على حصانه من القائد وقال له
"قد تكون هذه محاولة اغتيال اخرى ، لما لا نتجنب هذا الطريق ونذهب ناحية الشمال؟ ذلك سيؤخر موعد وصولنا بثلاثة ايام ، الا انه حل منطقي لتجنب المزيد من المشاكل"
ظهرت همهمات تعبر عن الاتفاق بين الفرسان البالغ عددهم اكثر من عشرين فارساً
في داخله ، اتفق القائد مع رأي هذا الفارس ... الا ان الظروف لم تسمح بالكثير من الخيارات
وجود حرب داخل مملكة ديموار جعل كل سكان هذه المنطقة ينظرون نحو سكان ديموار كغنائم
مجرد الامساك بأحد النبلاء يكفي للحصول على مكافئة لا يكاد يحلم بها حتى النبلاء نفسهم
وظيفة هؤلاء الحراس هو توصيل ابنة الدوق سيفنهارت لاقرب دولة صديقة...سيبان
الا ان وبسبب قطاع الطرق والمغتالين ومشاكل الوحوش ، استمرت هذه الرحلة لاسبوع ونصف
المشكلة الاعظم هي بسبب قلة الامدادات خلال هذه الفترة ، مع وجود فرقة من عشرين فارساً مع ابنة دوق مدللة وخادمها العجوز مع معارك مستمرة ضد قطاع الطرق والمغتالين والوحوش...
المزيد من التاخير سيكون كافيا لرميه في حفرة كبيرة من المشاكل
دون ذكر وجود محطة اخيرة تلي الغابة وهي صحراء ايسباد
حتى وان كان المرور من الغابة يعد مجازفة ... الا ان القائد امتلك ثقة عمياء بقوة جنوده
مع كل التدريب والخبرة المكتسبة لهؤلاء الفرسان ، حتى ولو اضطروا لمواجهة عشرة من الغوبلن البالغين لن تكون تلك بمشكلة تعيق تقدمهم
بالاضافة لقلة احتمالية وجود قطاع طرق او مغتالين في مناطق الوحوش ، بعد كل شيئ هؤلاء الرجال حذرين للغاية
فأبرز ما يمتازون به هو الدقة...
وان كان هناك خطر يتعدى ذلك كمواجهة حشد من الاورك ، فبإمكانهم استخدام مصفوفة الانتقال لحماية الاميرة والخادم
"سوف نذهب نحو الغابة" قال القائد بحزم نحو الفارس امامه
تنهد الفارس بلا حول ولا قوة وظهرت ابتسامه خفيفة على وجهه
"كما أمرنا القائد يا رجال لننطلق"
نظر الجنود بعضهم نحو بعض الا انهم لم يشتكوا هذه المرة
ضرب الفرسان احزمة احصنتهم واستمرت القافلة بالمشي في طريقها . . .
*
**
***
استمر الفرسان بالمشي ، وقلوبهم تنبض بسرعة من الرعب
ظهرت جثث الوحوش المشوهة في الطريق مما جعلهم يعرفون بشكل يقيني قاطع ان هذه ليست فعلة عدو عادي
العودة للخلف لن تكون سوى اهدار للوقت المنقضي ، والاستمرار للامام ليس افضل من العودة...
اورك ، غوبلن ، ذئاب ، بل وحتى البشر...
كل هذه الجثث مرمية بشكل عشوائي وبمسافات متباينة في هذه الغابة ، الغابة التي امتزجت الوان اوراقها الخضراء باوراق الدماء
"لم يكن الجو هكذا في اول نصف ساعة من المشي..." قال احد الفرسان بشكل عفوي
الجو بين الفرسان كان اسوأ من الجو المحيط بالغابة ، اعتلت وجوههم ملامح الريبة والخوف ...
بالاخص القائد ، يمكن رؤية نظرة الارتباك المشدودة داخل تلك الخوذه الحديدية
عرف جميع من في هذه القافلة ان ما يجري ليس طبيعيا ... طغت عليهم الرغبة بالعودة....
الا ان جميع هؤلاء الرجال عرفوا خطورة الطرق الاخرى ، بالاخص بعد وجود احتمالية مواجهة الخطر في طريق العودة...
امتلأ جو القافلة بتمتمات الخوف والتوتر أثناء المشي......إلا مكانا واحدا.
.
.
.
جلست الطفلة ذات الشعر الاحمر اللامع بكل هيبة ووقار وهي تنظر بلا مبالاة نحو الخادم العجوز الجالس امامها...
"سيدتي رجاءاً ، حتى وان كانت المملكة في حالة حرب..الدوق لا يزال يصر على ان تحصل السيدة على تعليم اكاديمي يليق بابنة الدوق"
قال الخادم ذلك وملامحه تعبر عن القلق
مع لحيته البيضاء القصيرة والكثيفة ، وشعر رأسه الطويل الممتد حتى كتفه ، كان الجو المحيط بهذا الخادم يعطي احساساً بالراحة والموثوقية
"..."
"على الاقل عندما نصل ، تقدمي لاختبار القبول وخذي نظرة بسيطة على الجو الاكاديمي"
"«تنهد»تعليم اكاديمي تقول ، اليس ما يريده والدي هو جعل ابنته تتعلم السيافة والسحر مع باقي الهمج من سكان مملكة سيبان؟ ليس لدي ادنى اهتمام في معرفة الهراء المتعلق بالسحر والسيوف! اليس بأمكاني فقط توظيف بعض الحثالة من المرتزقة لتلبية احتياجاتي ؟ حتى سفرنا لمملكة سباين ... كل ما كان علي فعله هو الجلوس داخل هذه العربة اللعينة ليعتني الفرسان بباقي الامور!"
انهالت الطفلة على الخادم بهذه الكلمات و بلهجة متوقعة من طفلة تبلغ من العمر عشر سنين...
لم يجب الخادم العجوز ، وبدلا من ذلك اعتلت وجهه نظرة تعبر عن الاستياء والحزن
تبع هذه المحادثة القصيرة صمت طويل ، ادارت الطفلة رأسها نحو نافذة العربة ... لم يكن الزجاج يبرز المحيط الخارجي ، لذا لم تكن الطفلة تنظر خارج العربة...
بدلا من ذلك فهي تنظر نحو انعاكسها في ذلك الزجاج الغامق...
امتلكت جمال الملامح اللائق بابنة الدوق ، عيون حمراء لامعة تأسر القلوب ... مع ملامحها الطفولية التي تزرع بذور العاطفة في كل من ينظر نحوها
امتلكت هذه الطفلة كل من الجمال والنرجسية ...
ضلت تحدق نحو الزجاج لفترة تجاوزت النصف ساعة بدون ادنى نسبة من الملل
وفي الجانب الاخر تمالك الخادم العجوز نفسه واستثمر وقته في تقليب صفحات كتيب صغير وهو يحمل في يده قلم حبري اسود اللون
كان هذا الجو الهادئ هو السائد في معظم الوقت منذ لحظة خروجهم من المملكة حتى هذه اللحظة...
الا ان دوي ارتطامٍ قوي يتسع وينتشر اثناء توقف العربة بشكل مفاجئ ، كأنها ضربة قوية تصدم الأرض كانت كافية لتحطيم الجو الهادئ داخل العربة...
"كياااا" صرخت الطفلة بغضب بسبب الارتطام المفاجئ ..
"سيدتي اهدأي رجاءا ، على الارجح هذا ليس سوى مطب حجري لم ينتبه له السائق"
تكلم الخادم العجوز بهدوء وهو يحاول تصفية ذهن الطفلة
"همفف ، ان يتجرا على تعكير صفو مزاجي ... سأتأكد من اعطاءه ما يستحق من العقاب!"
قالت الطفلة ذلك بنبرة عالية وهي تشبك ذراعيها معاً وتدير رأسها بغضب
ابتسم الخادم نحو سيدته ابتسامه خفيفة ، الا انه لاحظ بعد مرور عدة ثواني ان العربة لم تتحرك بعد توقفها المفاجئ
قام الخادم العجوز من مكانه وتوجه نحو باب العربة ليرى الاحوال في الخارج...
استمرت الطفلة بالنظر نحوه بانزعاج
فتح الخادم الباب واخرج رأسه وقال بصوت عالي "ارنولد! ما سبب هذا التوقـ-"
قطع العجوز كلامه بشكل مفاجئ واعتلت ملامحه نظرة مرعبة تتساوى مع هول الموقف الذي امامه...
"هاه؟ما الامر؟" سألته الطفلة باستغراب
استدار الخادم بسرعة نحو سيدته وصرخ بصوت عالي "سيدتي اهربي بسرعة" خرجت هذه الكلمات من فمه قبل ان يخترق سهم صخري رأسه في لحظة سريعة مفجراً رأسه امام سيدته ...
نظرت الطفلة نحو هذا المنظر الدموي بصدمة لم تكن لها سابقة في حياتها...
"`سـ`سيباس`؟" لم يخرج من فمها سوى اسم خادمها العجوز بصوت مرتجف
حاولت الطفلة الوقوف بصعوبة وقدماها ترتجف من الرعب
في كل ثانية تمر ، كانت تتراوى لها في ذهنها ذكرياتها مع سيباس
كانت الدموع تتسابق نزولا من عينيها بغزارة ، الشيئ الوحيد الذي استطاعت سماعه رفقة دقات قلبها المتسارعة هو صوت الخطوات الثقيلة على العشب بجانب العربة...
'سوف اموت' هي الفكرة الوحيدة التي راودت هذه الطفلة في هذا الموقف
وبدون ادنى تردد خرجت الطفلة من العربة بسرعة راكضة نحو الاتجاه المعاكس لصوت الخطوات ، الا ان دفعه قوية من الخلف كانت كافية لرميها متدحرجةً على العشب الرطب...
كان الزخم كافيا لخلع كتف رجل بالغ ...
سقطت الطفلة بلا حول ولا قوة وهي تحاول الصراخ دافعة كل الهواء في رئتيها "النجـ-" الا انها وبمجرد ان رفعت رأسها عن الارض الطينية رأت ما يعجز العقل عن تفسيره...
جميع الفرسان الموكلون بحماية القافلة تبعثرت جثثهم الهامدة في منظر مرعب ، فارس تراه معلقا على احدى الاشجار دون جزءه السفلي ، و ترى اخراً يخترق رأسه سيف عديم المقبض ، او قد تلاحظ فارسة شابة رأسها مرمي عند قدميها والدماء تسيل بشكل مقزز...
وفي وسط هذه المجزرة ، يتمشى رجل شديد الوسامة بهدوء ووقار ... تحيط به هالة مشؤومة
بملابسه الرسمية والقرون الطويلة الممتدة من اعلى رأسه ، كان لهذه الطفلة وعي تام لعرق الكيان المرعب هذا...
"شـ-شيطان!" كلمة كانت بالكاد تخرج من فم هذه الطفلة جعلت هذا الوحش ينظر نحوها باستعلاء
"هوووه ، طفله بشرية ... اضافة صغيرة لاختتم بها استدعاء سيدي" قال الشيطان ذلك وهو يبتسم ابتسامة حملت في طياتها ابشع درجات الخبث
"مـ-مهلا مهلا ، انـ-ـا سينيا سيفنهارت ، ابنة الدوق سيفنهارت ، اتركني اذهب وسوف يكافئك والدي بكل ما تتمناه من سخاء" صرخت الطفلة نحوه بكل يأس متشبثة في ذلك بآخر فرصة لها بالنجاة...
نظر الشيطان نحوها باشمئزاز ، رفع يده اليمنى فتكونت عندها شفرة صخرية انطلقت بسرعة خارجة نحو وجه سينيا...
بمجرد وصول الشفرة لوجه سينيا ، ابتعدت هذه الطفله بشكل غريزي سريع متجنبة بالكاد الرصاصة الصخرية ... والتي اصابت الارض العشبية مخلفة ورائها جرح سطحي على خد سينيا
"هممم؟ يبدو ان لهذه البشرية بعض الموهبة ، اقل ما يليق بسيدي" قال ذلك وهو يكتم ضحكته القذرة مع نظراته المتعالية ذاتها ...
ملأ اليأس والخوف وجه الطفلة ، كانت تنظر الى هول الموقف والحلول قد نفذت من رأسها...
كل ما امكنها فعله هو الارتجاف مع دموعها المنهمرة بغزارة وهي تدعو ان يلين الشيطان شفقةً على حالها...
"وبهذا اختتم مراسـ-"
لم تكن سوى لحظة واحدة...
بهذه اللحظة الواحدة لم يستطع الشيطان سوى ان يجفل عند استشعاره للمانا القادمة من تحته...
الا ان هذا لم يكن كافياً ليتجنب الرمح الجليدي الذي برز من الاسفل
خرج الرمح الضخم بكل سرعة من بين قدمي الشيطان ومخترقاً جسده ثم رافعا اياه ميتاً بكل سلاسة...
بمجرد ان اخترق الرمح دماغه بات ميتا بدون اي مقدمات...
نظرت الطفلة نحو الموقف بأعين غير مصدقة ...
زاد رعبها رعباً بعد رؤية المنظر البشع لموت هذا الشيطان...
كتف مكسورة ووجه شبه مغطى بالدماء ، الا ان سينيا لم تهتم لما سبق...
قامت من مكانها بكل سرعة وشرعت تركض وهي تعرج نحو نهاية الغابة...
غريزة البقاء هي جل ما تبقى في عقل هذه الطفلة وهي تمر بين جثث الجنود المرمية في كل مكان ...
استمرت بالركض وهي تغمض عينيها عن الواقع ، حتى وصلت لنهاية الغابة ...
بصيص امل خفيف امتزج مع اليأس الذي اجتاحها عندما رأت ما كان يقف هناك...
طفل من الواضح كونه اصغر منها يرتدي ثياب غريبة اكبر من حجمه...
يقف امامها بكل برود وهو يميل برأسه وينظر نحوها مباشرة ، بشرته الشاحبة وعيونه السوداء مع شعره الاسود اعطته مظهراً غامضاً...
"..."
صَعُبَ عليها رؤية ملامحه بسبب الدموع التي كانت تسيل من عينيها بدون توقف
الا ان سينيا لم تهتم لأي مما سبق...
"انقذ-ـني" هذا هو اخر ما خرج منها قبل ان تسقط مغشياً عليها على الارض.
.
.
.