كانت تمشي امامي سوزان ... الامرأة التي اجزم كونها ذات الشخص الذي رأيته عند قدومي لهذا العالم
مشى جسد الشخص الذي اتواجد داخله خلف سوزان بخطوات ثابته متزنة
هل ما اراه الان هو اسقاط في مكان اخر ؟ ام هي مجرد ذكريات لصاحب هذا الجسد ؟ ام انها مجرد احلام تراودت لذهني بعد فقداني الوعي؟
لم افهم شيئا مما يحدث ... كل ما اعرفه هو كون صاحب هذا الجسد انثى مسماة -اوليفيا-
توقفت سوزان وتوقف الجسد الذي ارى من منظوره معها...
قابلنا باب عظيم ضخم امتزجت مكوناته من الذهب والخشب الداكن جاعله منظره الملكي اكثر هيبة
صدى صوت خشن من خلف الباب "يرحب جلالة الملك الاعظم ايزيس فان سيبان بملكة الجان سوزان ايدوتوفيا!"
انفتح الباب ببطئ مبرزا المنظر الذي خلفه ...
رجل واحد في هذه العرفة البيضاء... جلس هذا الرجل على عرش ذهبي ضخم مرتفع عن الارضية بعشر درجات وهو يرتدي رداء ملكي احمر تماشى مع لون شعره الدموي
بمجرد ان فُتح الباب بالكامل نظر نحونا بلا مبالاة وهو يسند رأسه على ذراعه وتعلوا وجهه ملامح باردة قاسية
دخلت ملكة الجان سوزان بكل ثقة وتلتها اوليفيا للداخل...
لاحظت وجود العديد من الاشخاص ذوي البذلات المبهرجة يقفون على الجوانب ، يمكنني استنتاج كونهم نبلاء من هذه المملكة...
حتى وصلت سوزان امام الدرج المؤدي للعرش ثم قالت بكل مرح "يوه ايزيس ، اكنت تنتظرني كما العادة؟"
نظر نحوها الملك لبضعة ثواني دون اي رد فعل ، ثم فجأة اعتلت وجهه ابتسامة خفيفة
"صاخبة كما هي العادة" قال ذلك وهو لا يكاد يقمع الضحكة الخفيفة التي في صوته
ثم قام من عرشه واتجه نحو سوزان بخطى قوية حازمة
بمجرد وصوله نحوها تشابكت اذرع الاثنين فقالت سوزان بكل رقة "يعجز لساني عن وصف سعادتي في هذا اليوم" وهي تبتسم بخجل
وبدون اي مقدمات احتضن ايزيس سوزان ، وتلاه النبلاء الذين يتفرجون بتصفيق حار علا صوته في هذه الغرفة الملكية
سعادة غامرة اعتلت الجو ... الا ان هناك غضب كاد يمزقني من الداخل
لم تكن هذه المشاعر تخصني ... كانت تخص صاحبة هذا الجسد ، اوليفيا
كانت نظرة ايزيس القذرة نحوها تفسيرا بسيطا لهذا الغضب
بمجرد رؤيتي لهذه النظرة ، عادت لي ذكريات يوم ولادتي...
أهذا نفس الشخص من ذلك اليوم؟...
تشوه المشهد امامي ليتغير بشكل مفاجئ ...
لامست قطرات المطر الباردة بشرتي مما جعلني انتفض للخلف
لأجد نفسي اقف امام امرأة راكعة وهي تبكي بهستيرية امام صخرتين كتبت عليهما اسماء مألوفة ، بالاضافة لكون المكان الذي وقفت فيه كان يحوي شيئا من الالفة ..
ذلك الكهف الخشبي المدمر على يميني، وتلك الاشجار الضخمة...
مشيت نحو الصخرتين فلاحظت امتلاكي لكامل السلطة على جسدي هذه المرة ... الا ان شفافية جسدي جعلتني اجزم بكوني غير مرئي لأي شخص
كُتِب على الصخرتين بخط مبعثر وصعب القراءة بلغة لم يسبق لي رؤيتها... الا انّي تفاجأت من قدرتي على قراءة المكتوب
مشاعر مختلطة ملأتني عندما قرأت الاسماء المكتوبة على الصخرتين
مكتوب على الصخرة الاولى سوزان
والصخرة الثانية كتب عليها اسمي ... باروس
لماذا اسمي مكتوب على شاهد قبر؟
على افتراض مبدأ كون سوزان ملكة الجان هي والدتي ، أماتت في تلك الليلة؟
استمرت المرأة بجانبي بالصراخ حتى وفجأة رفعت رأسها المغطى بالطين ...
لاحظت اذنيها الطويلة البارزة بين شعرها الفضي المبلل
كانت ملامحها تبرز اقصى درجات السخط
سمعت صوت خطوات على الارض الطينية المبللة خلفي
استدرت لارى خلفي رجل طويل ذو بشرة سمراء ، لم يبرز من جسده سوى فمه ويديه
اما الباقي فكان مغطى بما يبدو انه رداء بني خشن
"----"
لم استطع سماع كلام الرجل بسبب انخفاض صوته مع ارتفاع صوت المطر
توقف صوت الصراخ خلفي فجأة ...
استدرت نحو الامرأة لاراها تنظر نحو الرجل بعيون متسعة على مصراعيها
اندفعت الامرأة بسرعة نحو ما من المفترض كونه قبري لتبدأ بكتابة رموز واحرف لم يسبق لي رؤية مثلها ...
دوائر واشكال هندسية غريبة وغير مألوفة كانت ترسمها بقوة على الطين
لتضخ المانا من جسدها نحو ما اصبح دائرة سحرية معقدة
برز ضوء ساطع من القبر لم يدم سوى بضع ثواني ثم اختفى
لتخرج من هذه الارض طفلتين لم يلمس الطين او التراب جسدهما
الاولى خرجت وهي ترتدي قناع القرد الذي اعتدت على رؤيته ، وارتدت الطفلة الاخرى التي خرجت بعدها قناع الثعلب
اصابتني حيرة لم يسبق لي الشعور بها... ما المغزى من رؤيتي لكل هذا؟
شعرت بيد باردة تلمس كتفي ... أدرت رأسي بسرعة لارى امامي الرجل السابق
"انت تفهم ما ترى اولست كذلك"
قال ذلك وعيونه الذهبية المرعبة تكاد تخترقني
ايستطيع هذا الرجل رؤيتي؟
لماذا اشعر ببعض الالفة عند النظر نحوه؟
مع كل هذه الاسألة والارتباك والتوتر الذي اجتاحني بدأ الواقع امامي يتمزق ... لاجد نفسي بشكل مفاجئ عدت لجسدي الاصلي..
على تلك الأرضية الباردة للكهف ، كان جسدي مغطى بالعرق بالكامل
شعرت ان كل ما مررت به لم يستغرق سوى بضع ثواني في الواقع
نظرت حولي فلم اجد بيل ونيل ، بدلا من ذلك لاحظت امتلاء ذراعيَّ بأحرف رونية سوداء غريبة
بالاضافة لوجود احساس غير مألوف في اذنيَّ...
وبكل سرعة قمت بضخ المانا نحو ذراعي مكونا بعضا الرمل ثم حرقته لاصنع بذلك قطعة زجاج صغيرة عكست وجهي..
قابلني وجهي المعتاد ، مع ذلك الجلد الابيض الشاحب والعيون السوداء والآذان المدببة-
الآذان المدببة؟؟!
لمست اذني اليمنى بسرعة لاتفاجئ بملمس غير مألوف
ليست بطول آذان الجان الا انها ليست كما اعتدت عليها
ومن ثم هذه الاحرف الرونية على يدي...
حاولت ضح المانا من جوهري نحو الاحرف ، الا ان الاحرف لم تتفاعل باي شكل من الاشكال
ومع ذلك لاحظت وجود احساس غير مألوف في جوهر المانا
وجهت تركيزي نحو الكرة البيضاء في قفصي الصدري لاتفاجأ بكون الكرة أصبحت اكبر!.
لقد اخترقت...
ملأت الحيرة قلبي ، كان من المفترض حصولي على الاجابات بعد كل هذه المدة
الا ان الاحداث الحالية لم تزدني سوى حيرة اكثر من السابق
مما اتذكر ، على الارجح بيل ونيل قد امتزجتا مع جوهر المانا خاصتي ، مما ابرز لي على الارجح كل هذه الذكريات
منها ما انطبع في عقلي ، ومنها ما برز امامي كمقتطفات
مع كثرة الاسألة في عقلي و تعقيد الموقف ، قد فقدت بالفعل الرغبة بالحصول على اجابات
وقفت على قدمي وتوجهت نحو المدخل الضخم للكهف
جهلت السبب ، الا انّي اعرف مكاني في هذه القارة
وبل اعرف ما هو الطريق الامثل للوصول الى اقرب مملكة نسبة الى نقطتي الحالية
اضافةً لتعاويذ ، اسماء ولغات لم تكن قد واجهتني من قبل
معارف لم يسبق لي تعلمها ، كانت مطبوعة في مكان ما في ذكرياتي
ليس لدي تفسير لذلك سوى كونها ذكريات بيل ونيل
دفعت مشاعر الحيرة والريبة في عقلي
"على الارجح هذه هي فرصتي الاولى الحقيقية لرؤية هذا العالم"
مع جوهر المانا برتبة متقدم ، لن اواجه مشكلة بالتحرك في هذا العالم ...
قفزت من اعلى السفح الجبلي نحو الغابة الموجودة في الاسفل
بمجرد اقترابي من الارض سخرت الرياح تحتي لتخفيف مقدار الثقل الؤثر على قدماي ...
وبدون اي تفكير ، توجهت نحو مملكة سيبان.