وقف باروس امام الطفلة ذات قناع الثعلب ، كان كلا الطفلين ينتضران اشارة من الطفلة ذات قناع القرد

"هيا" اعطتهما القرد الاشارة المنتظرة باستمتاع

لينطلق باروس بكل سرعة نحو الثعلبة ، مع نصل مائي حاد يتشكل حول ذراعه

انطلق النصل وهو يقطع الهواء نحو عنق الثعلبة

لتنحني الثعلبة بكل مرونة جاعلةً النصل يصيب بضع خصلات من شعرها الطويل

لتندفع من الاسفل وهي تكثف المانا في يدها لتصيب يدها ذراع باروس ، مسببة في ذلك اندثار الماء بشكل عشوائي

وجهت ذراعها الاخرى نحو عظم القص لباروس ، الا انها رأت ابتسامة خفيفة ارتسمت على وجهه مما اعطاها شعوراً بالخطر

كونت امام ذراها موجة من الرياح دافعة بذلك نفسها الى الخلف ولترمي باروس ليصطدم بالجدار الصخري في الوقت ذاته

باام!!

صوت ارتطام باروس بالجدار انتشر في معظم انحاء الكهف..

ليسقط جسده على الارض بلا حول ولا قوة

بمجرد وصوله تحولت كريات الماء العائمة للتصبح قطع حادة من الثلج شكلها الخارجي اشبه بالخناجر

لولا ابتعاد الثعلبة لكانت هذه الخناجر قد اصابت جسدها بكل سلاسة

'سحر مركب في موقف كهذا' قالت الثعلبة ذلك في داخلها وهي لا تكاد تخفي انبهارها من موهبته

عادت لتقف الثعلبة امامه بثبات وهي تشير نحوه باصبع السبابة

"هذا لا يكفي"

بعد قولها لهذه الكلمات تكومت موجة من المياه ذات الكثافة العالية امام اصبعها لتنطلق بسرعة هائلة نحو باروس..

وبدون اي مقدمات ارتفع جدار حديدي امام باروس حامياً لجسده من كرة الماء المدوية القادمة...

صدى صوت المعدن الحاد في جدران الكهف ... مما اجبر الطفلة ذات قناع القرد ، والتي كانت تجلس على احد الحافات المجوفه للكهف بان تغطي اذنيها...

اشارت الفتاة ذات قناع الثعلب مجدداً نحو الجدار لينطلق منها هذه المرة كرة نارية زرقاء تجاوز حجمها حجم كرة الماء السابقة

لترتطم الكرة النارية مسببة بذلك حفرة في الجدار مع ذوبان الحديد بكل سلاسة متبوعاً بانبعاث حرارة حارقة

لاحظت الفتاة اختفاء باروس من خلف الجدار ... ليصيبها احساس قوي بالقشعريرة بعد ان شعرت بالشفرة الجليدية تلامس رقبتها ..

لقد عَلِمَت بذلك انها كانت ومنذ البداية ترقص في كف يده

رفعت يديها باستسلام وقالت بهدوء يحوي نوعا من السعادة:

"بالرغم من كون تدريبنا لم يمضي عليه سوى سنة واحدة ... الا انني اعترف بخسارتي"

خفض باروس الشفرة الجليدة لتتشتت وتختفي معها البرودة السابقة

.

.

*******

منظور باروس

*******

بمجرد ان انزلت شفرة الجليد من يدي تركت السحر يتبدد داخل جوهر المانا الخاص بي ..

نظرت نحو الثعلبة ليواجهني القناع المعتاد مع ذلك الجسد الابيض الهزيل ... الا انني وبشكل غريب شعرت بوجود ابتسامة دافئة خلف ذاك القناع

"مبروك ، بهذا ينتمي اليك واجبك بالاستمرار بالتعلم .. ليس لدي شيئ اخر لأعلمك اياه"

بقولها هذا شعرت بالراحة والحزن في نفس الوقت

انحنيت انحنائة طفيفة نحوها واجبتها بنبرة ثابته

"لن انسى فضل الثعلبة تجاهي مهما حييت"

"همم"

انحنيت نحوها مجددا واستدرت للاستراحة في مكان تأملي المعتاد

والذي كان على صخرة مرتفعه امام مدخل الكهف

جلست هناك لانظر نحو سماء الليل المرصعة بالنجوم الكثيرة المتلألئة

لربما نقطة التغيير كانت منذ ليلة سقوطي رفقة ساندرا من الجرف ، فبعد ملاقاتي للثعلب والقرد حصلت اجابات على جزء قليل من اسألتي ...

الا ان ذلك كان افضل من الخمس سنين السابقة في القرية

في ذلك النهار الذي وجداني فيه ، «او على الارجح كانا ينتظراني» لم يلبثا ان يرشداني عبر الغابة للوصول الى جبال عظيمة فائقة الحجم .. لم اعرف مكانها لجهلي بتضاريس هذا العالم

لم استطع الرفض بسبب الهالة الساحقة التي انبعثت منهما

الا انها بدأت تقل تدريجيا اثناء السفر...

وفي احد هذه الجبال العملاقة الاتي توجهنا نحوها وجِدَ هناك كهف احتوى من العمق والحجم ما لم يوجد في غيره من الكهوف التي سبق وان رأيتها..

استمرت تلك الرحلة لمدة لم تزد عن ثلاث ليالي ، سألت كل ما تقدم وتأخر في بالي من اسألة

الا انني لم احصل سوى على جزء قليل من الاجوبة التي انتضرتها

كان مصير معظم الاسألة الشخصية هو اجوبة مبهمة مثل "ستعرف في الوقت المناسب"

فلَم احصل على جواب لهوية الامبراطوة التي ذكرتها الثعلبة سابقا ، الا انني اكتسبت جوابا بمعنى الامبراطورة

كانت معظم الاسألة التي اشبعت فضولي هي اسألة عن هذا العالم

لم يكن اسم الامبراطورة يحمل معنى سيدة الامبراطورية

بدلا من ذلك كان دلالة على المكانة السحرية

اذ ان ترتيب القوة يعتمد على امتلاء جوهر مانا الساحر

وجدت في ذلك القليل من التناقضات والتعارضات مع ما سمعت به من دارث وساندرا ، الا ان المعنى العام كان يحمل كماً كبيرا من التشابه

فكانت الموهبة تبدأ من الاسود كحد ادنى وتنتهي في الرمادي كحد اعلى...

الا ان جوهر المانا الخاص بي كان ابيضاً ساطعا لم يسبق للثعلبة والقرد رؤية مثله ، وكان هذا بتصريح منهما

فلاحظت ان بأمكان السحرة تقييم الموهبة بشكل بصري عن طريق جرم سماوي دائري ملون بالوان عشوائية مائلة للارجواني بنسبة كبيرة ، يضخ فيها الساحر المعني جزءاً من سحره

فيخرج السحر من جوهر المانا نحو الجرم السماوي ، فبذلك يظهر الجرم السماوي نسبة نقاء المانا الموجودة داخل الجوهر

بالرغم من سماعي لكلمات "كما هو متوقع" او "هذا اقل ما يمكن توقعه" او "هذا شيئ بديهي" مصحوباً بابتسامه راضية منهما عند رؤية موهبتي ، الا ان جهلي في سبب هذه التوقعات كان حاجزا بيني وبين احساس المكافئة الناتج عن الثناء

اما بالنسبة لترتيب السحرة ، فقد كان ذلك يعتمد على كمية امتلاء الجوهر نسبة الى حجم الجوهر الاساسي

فكما هي الموهبة تعتمد على النقاء ، فالنقاء يزيد من تسارع نمو الجوهر ، النمو الذي يعتمد في اساسه على التأمل وتجميع المانا من المحيط

فبذلك يكون الجوهر هو النظام الذي يهتم بمعظم التغييرات المتكونة ، والمحيط هو النطاق الذي يكون معامل للامتصاص والبعث للمانا

وترتيب القوة للسحرة يعتمد بشكل اساسي على حجم جوهر المانا ، والاخير يمكن قياسه عن طريق التلامس الجسدي بين السحرة ، فيكون الترتيب كالأتي

جوهر مانا بحجم 20% مبتدئ

جوهر مانا بحجم 40% متوسط

جوهر مانا بحجم 60% متقدم

جوهر مانا بحجم 70% حكيم

جوهر مانا بحجم 80% قديس

جوهر مانا بحجم 90% ملك

جوهر مانا بحجم 95% امبراطور

جوهر مانا بحجم 98% حاكم

فما بعد ذلك يمثل حد الانسانية ، لم يسبق ولن يكون في هذه السحيقة كائن يتعدى هذه النسبة

فزيادة حجم الجوهر تزيد من صعوبة الارتقاء لنسبة اعلى ، اذ ان الحد بين نسبة ونسبة يكون اشبه بقشرة البصل

يفصل بين كل مستوى واخر حد الجوهر ، عندما يبلغ الساحر من القوة بما يسمح لجوهره بالتطور ، ينكسر الحاجز ويخترق الساحر للمستوى التالي...

وتعامل المانا مع الجوهر ونقائه يعتمد على نسبة نمو الجوهر

فذوي الجوهر الابتدائي بامكانهم استعمال العناصر الاساسية المتمثلة بالصخر - النار - الماء - الرياح

ويليهم سحرة الجوهر المتوسط باستخدام العناصر المركبة مثل الجليد - النبات - البرق - الصوت - الجاذبية

ويستطيع ذوي الجوهر المتقدم استعمال العناصر المتفردة النور - الظلام - الفراغ

وسحرة الجوهر برتبة حكيم بامكانهم استخدام العناصر العليا والتي هي الفضاء - الزمن - التنبؤ - التكوين

فما بعد ذلك يتناسب مع جودة السحر ونطاق قدراته

لم يكن في علمي متى حدث ذلك ، الا ان جوهر المانا خاصتي كان قد بلغ رتبة المتوسط ويكاد يخترق للمتقدم

وكما قالت الثعلبة فيبدو ان هذا يعد معجزة في حد ذاته

ففي الظروف الاعتيادية ، لا يخترق الموهوبين ذوي الجوهر الرمادي او الاصفر للمستوى المتوسط الا بعد عمر التاسعة

اذ ان الثعلبة والتي ناهز عمرها الاربعين كانت لا تزال في رتبة حكيم

كان عرقها تفسيرا كافياً لهذا الجسد مع هذا العمر...

بالرغم من كل ما حصلت عليه من معرفه عن المانا بشكل خاص والسحرة بشكل عام ... الا ان هذا لم يختلف عن البحث عن ابرة في كومة قش ... عندما اقارنه مع انتقالي لهذا العالم ، وهوية الكيان المسمى الامبراطورة ، والذي كاد ان يتربع على قمة القوة في هذا العالم...

لم اعرف هوية القرد او الثعلب ، الا انهما ومنذ لحظة قدومي لهذا الكهف استمرتا بتعليمي عن هذا العالم ...

فكانت الثعلبة مسؤولة عن السحر بشكل عام ، والقرد كانت على عاتقها مسؤولية تعليمي فنون القتال بالسيف واليد..

لم تكن السنة التي مضت سوى روتين ثابت من التدريب والتعلم ، الا انّي لم اشتكي ... بدلا من ذلك كان هناك احساس عميق بالرضى والحماس يشتعل في داخلي

"فلتعد ، حان الوقت" بسماعي لصوت القرد المعتاد انقطع نظم افكاري ... لألاحظ كون الشمس بدأت بمشرقها امام بصري

نزلت من العتبة الصخرية بهدوء وعدت متوجها للكهف..

.

.

.

.

.

جلست على الارض الباردة للكهف وجلستا الثعلبة والقردة امامي بثبات

"الان ، وبكوننا اتممنا ما وجِب علينا ، سوف نقدم علمنا وارواحنا فدائاً لك"

قالت القرد هذا وهي تمسك يد الثعلبة

"..."

لم اجب ، فقد عرفت ما كان قصدها في ذلك

لم يكن بقائي هنا وتحملي لهذا التدريب من دون داعي

فقد كان دائما موقفهما الودي تجاهي يضيء نطاق الريبة في عقلي

لذا وبمجرد وصولنا لهذا الكهف ، اخبراني اني وبمجرد اكمالي للهذه الفترة التدريبية ، سأمتلك كل ما ابتغيت من الاجوبة...

"هذا سيمثل لقائنا الاخير ، فمن هذه اللحظة سنحيا في داخلك ... فما نحن الا جزء من ذاتك"

قالت الثعلبة ذلك وهي تمد يدها نحو يدي

مهلاً ماذا؟؟!

روح ؟ جزء؟ لقاء؟

وقبل ان تخرج اي كلمة من فاهي ظهر بضوء ساطع احاط بالثعلبة والقرد ، مسبباً تلاشي الاقنعة التي لم يسبق لي رؤية ما خلفها من قبل ..

وجه ناعم بريئ ذو ملامح طفولية جميلة ، مع احرف رونية صغيرة ممتدة من محجر العينين نحو الرقبة

تماثلت الفتاتين بذات الوجه ، كان الفارق الوحيد بامتلاك الثعلبة لعيون جوهرية ناصعة البياض ، وما امتلكته القرد كان عيون سوداء غامقة كان مثيلها العيون التي لدي

اعتلت وجه الاثنتين ابتسامة دافئة وهما ينظران نحوي

.. بيل و نيل ..

اعتلت هذه الاسماء عقلي ، فعرفت بدون اي مقاومة مني ان الثعلبة كانت بيل والقرد نيل

كانت هذه الاسماء مألوفة بشكل غريب ..

تدريجياً بدأت كياناتهما تتلاشى مع الضوء الساطع..

"مهلاً-"

وقبل ان اكمل كلمتي تجمع كل الضوء في نقطة واحدة لينطلق بسرعة نحو جسدي وتحديدا نحو عظم القص...اي نحو جوهر المانا...

احساس هائل بالالم اصاب جسدي صاحبه شعور بالاحتراق يمتد على طول ذراعيَّ

الاغرب كان الشعور المزعج بالتمدد الذي طغى على اذنيَّ

لم استطع مقاومة الالم فلم يتبقى لي ملجأ سوى الصراخ بكل ما امتلكت من قوة في حنجرتي

أندفعت موجة ضخمة من الذكريات نحو عقلي سببت في ذلك صداع انتشر في معظم انحاء رأسي ..

وبدون ان اشعر بدأ وعيي يتراجع نحو الظلمة

ليفقد جسدي الاحساس بالزمان والمكان في لحظة شعرت فيها بأختفاء كل الالام التي اصابت جسدي المادي ...

اذا كان بأمكاني تشبيه هذا الاحساس ، فعلى الارجح هو نفس ما احسست به لحظة موتي...

بمجرد ان فقد جسدي خواصه المادية ، تكوَّن مشهد غامض امامي يطغى فيه اللون الابيض

ليتوضح تدريجياً لأجد نفسي اقف داخل ممر ملكي ضخم ... كانت الجدران مصبوغة باللون الابيض الفاتح مما اعطى شعورا بالفخامة ، اما الارض فكانت مفروشة بسجاد احمر حريري فخم ...

"اوليفيا؟"

صوت جميل ومألوف اتى من خلفي ، ليستدير جسدي وبدون ارادتي نحو مصدر الصوت...

لارى في ذلك امرأة ابسط ما يقال عنها هو انها اية في الجمال ... بشعرها الاسود الحريري وعيونها السوداء...

شعرت بالدفئ بمجرد النظر نحوها..

ليجيبها جسدي تلقائيا بصوت انثوي ناضج وهادئ

"سوزان ! ".

.

.

.

2023/05/15 · 88 مشاهدة · 1750 كلمة
VEM
نادي الروايات - 2026