(فن الاستماع العاطفي)

كانت “يي سول” معروفة بأسلوبها الحاد والمنهجي، لا تطرح فكرة دون غرض، ولا تمرّ على موضوع، دون أن تحفر أثره في الأذهان. كان درْسها دائمًا مزيجًا من البساطة والعمق، كأنها تزرع في كل كلمة بذرة معرفة، لا يخرج أحد من صفّها، دون أن يحمل شيئًا جديدًا.

وفي تلك اللحظات، وقفت يي سول في منتصف القاعة، صمتٌ تام، وعيون ترقب، وذهول يسبق الكلمات. قطعت الصمت بصوت هادئ، لكنه واضح كالنور:

“الاستماع العاطفي.”

سكن المكان. بدا الزمن وكأنه تراجع خطوة للوراء. نظرات الطلاب تقاطعت، وحواجبهم ارتفعت. همس بعضهم باستغراب:

“العاطفي؟ … مشاعر؟ كيف؟ مشاعر العطف؟؟ هل للمشاعر صوت؟!”

ابتسمت المعلمة ابتسامة غامضة، ثم قالت بثقة:

“الاستماع العاطفي… لا يعني أن تصغي فقط للكلمات، بل أن تُنصت للمشاعر المخبأة خلفها. أن تلتقط التوتر، الخوف، الارتباك… من نظرة عين، من حركة يد، من تردد في صوت. ما لا يُقال، هو أصدق أحيانًا مما يُقال.”

شون ومين تبادلا النظرات، وخرجا بجملة واحدة كأنها خُطّت في اتفاق مسبق:

“أوه… موضوع شائق حقًا.”

مر الوقت، وبدأت يي سول تسرد الأمثلة، تغوص في العمق، والطلاب يسجلون، يسألون، ينصتون بشكل يقظ. أما شون، فظل صامتًا، عيناه تتبعان التفاصيل، كأن عقله يحلل ما وراء الكلمات.

انتهت الحصة، لكن أثرها لم ينته. كانت كل دقيقة فيها درسًا، وكل ثانية دعوة إلى فهم العالم بنظرة أعمق.

نظر شون إلى مين، الذي كان يكتب بحماسة كعادته. ثم التفت إلى ملاحظاته الخاصة… فوجدها فارغة.

سوى دائرتين في وسط الصفحة. إحداهما كُتب بداخلها:

“تجنب النظر إلى الأعين”

والأخرى:

“استمع لما لا يُقال.”

تنهد شون، وأسند وجهه إلى كفّه، وهو يحدّق في مين بابتسامة خبيثة (يتمتم):

“أمامك طريق طويل لتفهم هذا الدرس.”

وفي الجهة المقابلة، كان مين لا يزال منغمسًا في أفكاره، ملاحظاته تعج بالأسهم، والدوائر، والنظريات الغريبة. كان يؤمن أن الحياة سلسلة من الأنماط، وكل شيء يمكن تحليله لصالحه… لكن رغم ذلك، لم يستطع أن يتجاهل نظرة شون.

استدار إليه، وأخذ دفتره فجأة، قلب الصفحات بسرعة، ثم صاح بدهشة:

“ما هذا…؟!”

تجمدت نظراته، وعاد ليحدّق في شون:

“شون… ما هذا؟!”

ضحك شون بهدوء، وهو يقف ليذهب إلى المعلمة ، ثم قال: “لا شيء… لم أفهم الدرس ذاهب لأسألها"

اقترب من المعلمة “يي سول”، التي كانت تهم بجمع أوراقها،

وقال (بصوت خافت، لكنه يحمل في نبرته قلقًا دفينًا).

“أستاذة… ماذا لو أن ما لا يُقال، بدأ يُسمع فعلاً؟ هل يمكن أن يكون… خطيرًا؟”

رفعت يي سول نظرها نحوه، ثم نظرت للحظة إلى دفتره المفتوح، عيناها توقفتا على الدائرتين، كأنها قرأت ما بين السطور.

قالت (بهدوء):

“حين تبدأ بسماع الصمت… سترى ما يتجنبه الآخرون. سترى الحزن خلف الابتسامة، والشك خلف الكلمات الواثقة. البعض يسمي هذا ‘فهمًا’… لكنه في أحيان كثيرة، عبء.”

تقدمت خطوة للأمام، وأضافت بنبرة أكثر حزمًا

"أن تتجنّب النظر في العيون، قد يحميك من رؤية ما لا تريد أن تعرفه…

لكن من يستمع لما لا يُقال… لا يعود كما كان.”

{سكتت قليلًا، ثم تابعت سيرها للخارج بابتسامة خفيفة}

-شون لم يسأل…

فقط نظر إلى دفتره، وأغلقه بهدوء، كأنه يحاول طيّ صوتٍ داخلي لا يريد أن يكبر أكثر.

خرج شون من القاعة ببطء، والضوء يتسلل عبر الممرات كأنّه يرافق أفكاره

في طريق عودته من المدرسة، كانت خطوات شون بطيئة، لكن ذهنه يعجّ بالحركة.

كلمات “يي سول” تكررت في ذهنه كصدى بعيد:

“من يستمع لما لا يُقال… لا يعود كما كان.”

نظر إلى الناس في الشارع، إلى وجه المرأة التي كانت تضحك وهي تتحدث في هاتفها، لكنه لمح في عينها دمعة لم تكتمل. إلى ذلك الرجل الذي يصرخ في الهاتف، لكن قبضته المرتجفة على الحقيبة قالت شيئًا آخر.

لقد بدأ يرى… بدأ يسمع ما لا يُقال.

توقف للحظة، وسحب دفتره من حقيبته. فتح الصفحة، نظر إلى الدائرتين مجددًا، ثم كتب بخط صغير أسفل الصفحة: “ما يُقال… أحيانًا خدعة. لكن الصمت؟ هو الاعتراف الحقيقي"

أدرك حينها، وهو يُغلق الدفتر، أن هذا الدرس هذا المفهوم البسيط الذي لم يكتبه أحد حرفيًا سيكون سلاحه الخفي.

ليس في فهم الناس فحسب… بل في حلّ القضايا، وكشف الأكاذيب، وتفسير الارتباك الذي لا تلتقطه الأدلة

{وفي الجهة الأخرى من المدينة، وتحديدًا في منزل آل “كيم”، كانت الأجواء مختلفة تمامًا… فبين أوراق متناثرة وصمت ثقيل، كانت سرقة متحف روزالين قد بدأت تفتح أبوابها الموصدة}

2025/05/09 · 25 مشاهدة · 653 كلمة
Mona
نادي الروايات - 2026