الفصل التاسع والثلاثون: مواجهه ١٠
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
الهواء في أوضة الراجل كان تقيل…
تقيل لدرجة إن النفس نفسه بقى محسوب.
أنس حاول يرفع نفسه على السرير…
مرة… مرتين…
وفي كل مرة عضلات ضهره تتحجر، وصدره يضرب لفوق كأن فيه حد ماسك تلات ضلوع ومش سايبهم.
مهند كان قاعد جنبه…
إيده على كتف أنس،
ووشّه مش ثابت…
مرعوب عليه، وملهوف إنه يقوم،
بس خايف يقوم بسرعة فيوجعه.
الراجل، كان واقف عند آخر الأوضة…
عنيه مش على أنس…
لا،
على الضلمة اللي ورا الشباك…
كأنه مستني حاجة تظهر.
أنس قال بصوت واطي… مكسور، لكنه موجود:
"سي… سيبني… أقدر…"
مهند هز راسه:
"مقدرش… إنت مش ثابت على بعضك يا أنس."
أنس عض على شفايفه…
وحاول يقعد لوحده…
إيده اتزحلقت… ووقع على كتف مهند من جديد.
مهند سنده بسرعة:
"على مهلك…"
الراجل اتنهد وقال بصوت هادي، بس تقيل زي باب حديد بيتقفل:
"لازم يقوم… حتى لو بالعافية."
مهند اتلفت له:
"إنت مجنون؟ دا كان بيموت من دقايق
الراجل:
"وعشان كدا لازم يتحرك قبل ما هو يتحرك."
سكت.
مهند بلع ريقه:
"هو… مين؟"
الراجل قرب خطوة…
الخشب تحت رجله عمل صوت خفيف…
صوت يخوّف لوحده.
"اللي خرج من المبنى معاكو…
اللي تبع أنس…
واللي لسه بيشم ريحته لحد دلوقتي."
أنس اتكهرب…
حرفيًا اتشدّ كأنه خد صدمة.
صدره ارتفع بقوة،
ونَفَسه اتخبط في حلقه.
الراجل كمل:
"طالما أنس مرمي ومش قادر يتحرك…
هيفضل ضعيف…
والشيء دا بيقوى من ضعفِه هو."
مهند:
"وبنعمل إيه؟"
الراجل قرب من أنس…
بهدوء…
ورفع إيده من غير ما يلمسه…
كأنه بيقيس هاله حواليه.
"الولد دا… نصّه لسه هناك.
لازم يرجّع نفسه هنا…
في جسمه…
في رجليه…
وفي عقله."
بصّ لأنس:
"يلا… قوم."
أنس هز راسه:
"مش قادر…"
عمران ابتسم ابتسامة باينة إنها مش راحة:
"علشان كدا بقولك قوم."
مهند اتنرفز:
"ما ترفع صوتكش عليه! دا—"
أنس قطعهم…
وصوته كان ضعيف بس ثابت:
"سيبه…
مهند… سيبه."
وراح حاطط إيده على المرتبة…
وبدأ يرفع جسمه…
ببطء…
زي حد بيشيل صخرة من فوق صدره مش نفسه.
رجليه نزلوا على الأرض…
تهتز…
تتخون…
بس ثابتين…
نص ثبات… نص ارتجاف.
أول ما رجله لمست الأرض…
الهوى في الأوضة تغيّر.
حرفيًا…
اتبدّل.
البرد اللي كان في داخله…
خرج.
اتسحب.
كأنه كان واقف جوّا العضم،
ولما لمس الأرض…
الأرض شربته.
مهند اتفتح بقه.
الراجل هز راسه:
"كويس…
دي أول خطوة."
أنس وقف…
ظهره منحني شوية…
نَفَسه سريع…
بس واقف.
قال بصوت واطي… متقطع:
"هو… فين؟"
الراجل:
"مش بعيد…
واقف… منتظر تفقد خطوة تانية."
مهند شدّ أنس منه:
"ولا خطوة هيفقدها… فاهم؟"
أنس حط إيده على كتف مهند…
إيده كانت بتترعش…
بس فيها حاجة جديدة.
حاجة ماكنتش موجودة من أول المواجهة.
قوة صغيرة…
لسه مش كاملة…
بس موجودة.
قال له بصوت أقل رعشة:
"سيبني…
أنا اللي لازم أقف دلوقتي."
مهند بصله…
وشاف في عنيه لأول مرة…
إن أنس مش هيهرب تاني.
ولا هيسيب الشيء دا يجره زي قبل.
الراجل فتح باب الأوضة:
"قوموا… لازم نروح الساحة…
قبل ما اللي وراه يوصل."
أنس أخذ نفس…
وخطا خطوة…
خطوة تانية…
وجسمه اتمايل قدام…
مهند مسك دراعه بسرعة،
بس المرة دي…
أنس شد دراعه منه.
"عارف أمشي."
ومشي.
لحد باب الأوضة.
ولأول مرة…
الظل اللي كان وراه من أول المبنى…
اتأخر.
مش لأنه اختفى.
لأ…
لأن أنس…
لأول مرة…
كان سابقه.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
.....