الفصل الرابع والسبعون: مواجهه ٤٤
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
الهواء في القاعة كان تقيل…
تقيل لدرجة إن النفس بيطلع ببطء…
وكأن المكان بيتنفّس معاهم.
أنس ومهند كانوا واقفين قدام الراجل…
عرق على جبينهم…
قميصهم ملزق على جسمهم من كتر التدريب…
والصدمة الأكبر؟
وجوههم شبه بعض في الوجع.
الحسّة السادسة عاملة شغلها…
كل ضربة بياخدها أنس…
مهند يحس بيها.
وكل نبضة ألم عند مهند…
تدوزن في صدر أنس كأن حد بيخبط بـ "قبضة" في رئته.
مهند كان ماسك جنبه…
بس واقف…
واقف غصب عن الوجع…
غصب عن الإرهاق…
غصب عن الهزّة اللي في جسمه.
أنس قرب منه خطوة…
مسك كتفه من غير ما يتكلم…
لمسة تِرجّع الروح.
قبل ما حتى يقولوا كلمة…
الراجل قرب منهم بخطوات تقيلة…
عيونه مش بتضحك…
ولا حتى محايدة…
عيونه كانت بتِقول:
"المهم جاي… واللي فات لعب أطفال."
وقف قدامهم…
حط إيديه ورا ظهره…
وبص لهم زي قائد بيكلم آخر أمل عنده.
وقال بصوت منخفض… بس ثابت:
"استريحوا."
الكلمة بسيطة…
لكن وقعت على قلوبهم كإنها أمر ما ينفعش يتناقش.
مهند غصب عنه… هز راسه:
"احنا لسه نقدر ن—"
الراجل قاطعه:
"قلت… استريحوا."
سكتوا.
الراجل كمل وهو ماشي حوالين المكان…
زي ذئب بيدور على نقطة ضعف:
"البوابة الجاية…
مش اختبار.
مش مرحلة.
مش تدريب."
وقف قدامهم تاني… بصّ في عين مهند…
بعدها في عين أنس.
"دي… النتيجة."
ارتعاشة صغيرة عدت في ظهر أنس.
ومهند اتنفس بعمق…
كأنه بيحاول يتأكد إن صدره لسه شغال.
الراجل كمل:
"اللي داخل البوابة دي…
مش بيرجع هو نفسه…
يا إمّا يرجع كامل…
يا إمّا ما يرجعش."
الهواء وقع.
مهند بَصّ لأنس بسرعة…
العين اللي بتخاف عليه أكتر ما بتخاف على نفسها.
أنس لمس إيده…
ضغط عليها…
وقال بصوت واطي بس ثابت:
"معاك… لآخر نفس."
مهند ما عرفش يمسك نفسه…
ابتسامة صغيرة كسرت خوفه…
ابتسامة شكر…
ابتسامة "متسيبنيش".
الراجل شاف اللحظة دي…
بس ما علّقش.
كمل كلامه:
"الإحساس بينكم دلوقتي…
مش ميزة بس.
عبء.
لو واحد فيكم وقع…
التاني هيتسحب معاه."
مهند قال وهو بيكتم أنفاسه:
"وإحنا مش هنقع."
الراجل قرب خطوة…
لدرجة إن أنفاسه سمعت:
"أتمنى…
لأن البوابة دي…
هتاكل منكم… قبل ما تعطيكم."
---
جلسوا على الأرض…
كل واحد جنب التاني…
ضهرهم للحيطة…
والسكون بينهم كان أعمق من الكلام.
أنس قال فجأة:
"حاسس بنبضك… في كتفي."
مهند رد ....
"وأنا حاسس… برجلك اليمين بترتعش."
ضحكة صغيرة…
ضحكة خوف…
ضحكة تعب…
ضحكة "إحنا بقينا واحد من غير ما نقصد".
وفجأة…
النور اللي في آخر القاعة بدأ يخفِت…
وبعدين ينور تاني…
وبعدين يخفِت…
زي نبض.
زي قلب.
زي حاجة…
بتستعد.
الراجل اتجه للباب الكبير…
حط إيده عليه…
وقال بصوت جهوري… صدى في المكان:
"قُوموا."
أنس ومهند وقفوا…
مش بقوتهم…
ببقايا الروح اللي فيهم.
الراجل بص لهم آخر بصّة:
"البوابة… فتحت."
صوت تكة…
بعدها هدير…
بعدها هواء اتسحب للداخل كأن في وحش بيتنفس.
مهند بلع ريقه.
أنس شد إيده.
وخطوة بخطوة…
دخلوا ناحية القدر.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━