الفصل السادس والسبعون: مواجهه ٤٦
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
الراجل وقف قدامهم…
ورفع إيده…
وباب أسود، واسع، ظهر في الحيطة.
كان بيلفّ…
زي دوّامة…
وزي ما يكون بيتنفس من جواه.
الهوا بقى أبرد.
والأرض تحتهم تهزّ خفيف.
"قوموا."
الاتنين قاموا بصعوبة…
كتف في كتف…
جرح في جرح…
وقلب في قلب.
الراجل قال بصوت آخره رجفة خفيفة:
"دي بوابتكم الأخيرة…
بس كمان…
دي الحقيقة اللي بتهربوا منها من أول يوم."
مهند بص على أنس:
"جاهز؟"
أنس مسك إيده…
شدها…
وقال:
"جاهز… معاك."
وخطوة…
ورى خطوة…
اتنين دخلوا النور الأسود.
واتقفلت البوّابة وراهم.
والبيت…
اتسكت.
بس السكون المرة دي…
ماكانش خوف.
السكون دا…
كان إعلان حرب.
....
الهوا قدّام البوّابة كان تقيل…
تقيل لدرجة إن النفس كان بيطلع بصعوبة.
الضباب اللي حوالين المدخل ماكانش ضباب بس…
كان زيّ ما يكون حدّ واقف جوّة… وبيتنفّس.
مهند وقف جنب أنس…
مش بنفس القوة…
ولا بنفس الثبات…
بس جنبُه.
وده كان كفاية.
أنس بص للبوابة…
ولقاء أول خطوة كانت رجليه متشنجة،
مش من الخوف…
من المسئولية.
الراجل وقف وراهم… صوته جه هادي:
"ادخلوا…
دي مش بوابة اختبار…
دي بوابة نتيجة…
نتيجة كل اللي اتحارب فيه…
وكل اللي اتحارب ضدّكم."
مهند بلع ريقه…
ونهجة صغيرة خرجت منه وهو بيقول بصوت واطي:
"مستعد…؟"
أنس بص له…
ولأول مرة من ساعة ما بدؤوا الرحلة…
ابتسم ابتسامة صغيرة… فيها تعب وصدق:
"طول ما إنت جنبي… أيوة."
ومسك إيده…
مسكة مش بتاعة أصحاب وخلاص…
مسكة بتاعة ناس شالت وجع بعض…
وتحمّلوا بعض…
وفضلوا عايشين.
البوابة بدأت تفتح ببطء…
صوت الحديد وهو بيفتح كان زيّ الزئير…
زيّ شيء قديم…
مستني اللحظة دي من زمان.
الضوء اللي جوّا كان غريب…
مش أبيض…
ولا أسود…
ولا أحمر…
كان خليط…
زيّ كل وجعهم…
مختلط… ومتحوّل… وواقِف مستنيهم.
أنس دخل أول واحد…
رجليه اتقلّت لحظة…
كأن الأرض نفسها بتجذب طاقته.
مهند حسّ ده…
حس الوجع اللي نزل في صدر صاحبه…
وفجأة عضلة في كتفه وجعته بنفس اللحظة.
نفسهم اتزامن…
كأن قلوبهم بقِت واحدة.
أنس اتنفس بصعوبة: "السادسة… شغّالة…"
مهند حط إيده على صدره: "حاسس… كل حاجة."
دخلوا خطوة كمان.
الأرض بقت أطرى…
كأنها مش أرض…
كأنها بتنشق وبتكتب ذكرياتهم تحت رجلينهم.
فجأة…
الجو اتغير…
صوت هادي…
جامد…
عميق…
"أخيراً… وصلتوا."
الاتنين وقفوا مكانهم.
نظروا حواليهم.
ظهر قدامهم…
شخص…
أو حاجة…
ملامحه مش واضحة…
كأنه الضلمة لابسة هيئة بني آدم.
مهند اتراجع نص خطوة: "إيه دا…؟"
أنس وقف قدّامه…
رفعه إيده بتلقائية…
الطاقة اتجمعت في كفه…
ولا فكر…
ولا جهز…
ولا أخد وضعية.
الطاقة خرجت لوحدها.
المخلوق ضحك…
ضحكة باردة…
"فاكرين إن اللي فاز في البوابة اللي فاتت…
هو الانتصار الحقيقي؟"
اتقدم خطوة…
الأرض اتشقّت من تحت رجليه.
"الحقيقة إن كل البوابات اللي قبل…
كانت تحضير…
بس للّي جاي دلوقتي."
مهند حسّ فجأة بوجع في ضهره…
وجع مش طبيعي…
زيّ طعنة.
وقع على ركبته.
أنس اتلفت بسرعة: "مهند!!"
ولما لمس كتفه…
وجع نفس الوجع…
اتنقلت له الضربة في لحظة.
الاتنين اتألموا بنفس الدرجة…
بنفس الوقت.
المخلوق قال بسخرية: "آه… الحسّة السادسة…
ربط جميل…
بس مؤلم."
أنس وقف بالعافية…
ومسح الدم اللي نزل من أنفه…
وقال بصوت ثابت:
"مش هتفرقنا…
هحارب…
وهيحارب…
وهنطلع…
سوا."
مهند حاول يقوم…
وقع…
لكن مسك إيد أنس…
وقام تاني.
الاتنين وقفوا جنب بعض…
ولأول مرة…
مش واحد بيحمي التاني…
الاتنين بيحموا بعض.
المخلوق مد إيده لقدّام…
الغرفة كلها هزّت…
الهواء اتقلب لعاصفة…
والأرض رمتهم لورا.
أنس مسّك مهند قبل ما يوقع…
ومهند شد أنس لما كان هيقع هو.
الموجة التانية كانت أقوى…
الضوء خبط فيهم…
معدتهم اتلوت…
رأسهم لفّت…
بس مسكوا بعض أكتر.
مهند قال بصوت مخنوق: "لو سبنا بعض… هنقع…"
أنس رد بسرعة: "مش هسيبك…"
المخلوق رفع إيده للسماء… والغرفة كلها اسودّت…
وبصوت مرعب… قال:
"هبدأ… الحكم."
والبوابة… اتقفلت من وراهم.
والنور… اتسحب.
والبداية… ابتدت.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━