الفصل السابع والسبعون: مواجهه ٤٧
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
المكان اتقلب صرخات مكتومة…
هوا بيتسحب…
وجدران بتقفل…
والكائن الضخم ده مدّ ذراع من دخان أسود…
ولف بيها حوالين أنس.
أنس اتخنق.
صدره اتقفل.
نَفَس مهند اتقطع معاه في نفس الثانية.
مهند مدّي إيده: "سيبه!!!"
وفجأة…
الطاقة اللي بينهم اشتعلت.
كانوا اتنين… بس الوجع واحد…
والخوف واحد…
والقلبين بيدقوا على نفس الموجة.
مهند اندفع على الوحش…
خبطه بكتفه…
ولا حتى اتحرك.
الوحش رفع مهند من قميصه…
زي ورقة.
ورماه على الأرض…
الصوت كان تقيل…
جسم مهند اتلوى…
وأنس حس الضربة في ضهره هو كمان.
أنس صرخ:
"مهند!!! قوم!!"
مهند حاول…
إيده بتترعش…
دم نازل من جنب فمه…
الصدر بيدخل ويطلع بصعوبة.
الوحش رجع لأنس…
كان ناوي ينهيها.
لكن…
في اللحظة دي…
أنس وقف.
وقف ببطء…
بوجع…
بس وقف.
وقف لأنه شاف مهند بيزحف… على رغم الضربة.
وقف لأنه مفيش رجوع.
وقف لأنه… مش لوحده.
رفع راسه للوحش…
وقال بصوت مهزوز بس ثابت:
"أنا… مش هتكسر.
ولا هسيب حدّ… يكسر صاحبي."
الوحش هجم عليه…
بس المرّة دي،
أنس رفع إيده…
والطاقة اللي بينهم اشتعلت فجأة.
نور شديد خرج من إيده…
نور كأنه جاي من حاجة جوّه…
حاجة اتفتحت لأول مرة.
الوحش اتراجع…
صرخة طويلة خرجت منه…
الدخان اتقطع…
ومهند، وهو على الأرض،
مسكها…
مسك الطاقة دي…
وكأنها خيط…
وسحبها ناحيته.
الاتنين بقوا دائرة واحدة.
طاقة واحدة.
ضربة واحدة.
والوحش اتشد للورا…
وبدأ يتبخر…
صرخته كانت بتشق الضباب…
حدّ ما اختفى…
والمكان سكت.
سكت…
سكت مخيف…
سكت نهاية معركة.
أنس وقع على ركبته…
صدره بيعلى وينزل…
إيده بتترعش…
مهند زحف ناحيته…
حط راسه على كتفه…
وقال بصوت مجروح:
"خلص… خلّصناها يا صاحبي…؟"
أنس مسك وشه…
وقال وهو نفسه متقطع:
"لوحدنا؟ لأ…
بس سوا؟… آه.
وهنكمل."
مهند ابتسم…
ابتسامة صغيرة…
مرتعشة…
بدموع واقفة في عينه.
والبوابة…
لأول مرة…
فتحت نور من الجنب التاني.
نور… يُطمّن…
بس يخوّف برضه.
لإن النور ده…
معناه إن لسه في قرار.
ولسه في ثمن.
ولسه في نهاية…
مستنياهم.
━
الضباب كان لسه مغطي المكان…
الضباب نفسه بقى تقيل…
تقيل كأنه شايل أصواتهم، وأنفاسهم، والدم اللي وقع على أرض البوابة.
أنس كان واقف وهو بيلقط نفسه…
صدره بيطلع وينزل بسرعة…
وإيده بتوجع من أثر الضربة اللي صدّها عن مهند قبل ما الوحش الأخير يتبخر.
ومهند؟
كان واقف جنبه…
مش واقف بس… مُسند نفسه على أنس من غير ما ياخد باله.
وشّه متخربش، بقه فيه دم… وعينه حمرا من الإرهاق…
لكن رغم دا كله؟
كان ماسك الأرض تحت رجليه كأنه مش هيسيب صاحبه يتحارب لوحده تاني.
الراجل ظهر وسط الضباب…
خطواته هادية… بس صوته تقيل:
"لسه…
لسه فاضل آخر جزء.
والجزء دا… يا بتنتهوا بعده… يا بتقوموا غير اللي دخلتوا بيه."
أنس بص لمهند…
ومهند بصله…
النظرة بينهم قالت كل حاجة من غير ولا كلمة.
"معاك…"
"ومش هسيبك…"
"ولا أنا…"
الارض تحت رجليهم اتحركت.
اتفتحت دايرة واسعة…
مليانة نور أحمر، كأنه قلب ضخم بيدق تحت الأرض.
الراجل قال:
"دي الساحة الأخيرة…
ساحة الربط.
لو دخلتوا… الوجع، القوة، الخوف… كله هيبقى مشترك.
تدخلوا… وبتكملوا لبعض.
ولو واحد فيكم وقع… التاني هيقع وراه مباشرة."
أنس شد نفسه:
"احنا جاهزين."
مهند اتحرك خطوة… رجله خانته شوية…
أنس مسكه من دراعه:
"مهند… استنى."
مهند مسك يده:
"مش هقف…
مش بعد اللي عدّينا به."
وبدون ما يستنوا أكتر…
الاتنين نزلوا في الدايرة.
---
أول ما رجليهم لمست أرض الساحة…
النور اختفى…
والعتمه مسكت المكان.
بس صوت…
صوت تقيل…
زي باب بيتفتح على مية سنة من الغضب.
وفي نص العتمة…
ظهر كيان ضخم…
مش زي الوحش اللي فات…
لا.
دا كان أكبر…
أعمق…
كأنه متكوّن من كل الخوف اللي خافوه الاتنين يومًا ما.
عينه الكبيرة لفت عليهم وقال:
"أخيرًا…
الاتنين…
معًا."
الجملة دي بس…
كانت كفاية تخض القلب.
الكيان هجــم.
مش خطوة…
طفرة.
طلع قدّامهم في لحظة، وإيده الكبيرة نازلة عليهم.
أنس زق مهند لورا…
والضربة نزلت على كتفه.
سمع صوت حاجة اتكسرت جواه…
وقع على ركبته…
صرخة صغيرة خرجت منه.
ومهند؟
الوجع جري في جسمه هو كمان…
مسك جمبه وقال بصوت مكتوم:
"أنـــــس!!"
الكيان رفع إيده تاني…
بس قبل ما ينزلها، مهند جري عليه…
مش جري طبيعي…
جري حد داخل على الموت ومش فارقله.
هجم على صدره…
لكن الكيان مسكه من رقبته…
ورفعه في الهوا.
أنس شاف المشهد…
قلبه وقع حرفيًا.
حس بإيد على رقبته هو كمان…
كأن اللي بيموت… بيتنقل له إحساسه.
صرخ:
"سيبـــــه!!"
قام…
رغم الكسر…
رغم وجع صدره…
وقف…
وجري…
ورمى نفسه على كتف الكيان بكل قوته.
الكيان وقع خطوة لورا…
ووقع مهند قدام أنس على الأرض…
مش قادر يتنفس.
أنس قعد جنبه بسرعة…
مسك وشه:
"اصحى… بالله عليك… اصحى."
مهند فتح عينه بالعافية…
وقال بصوت يكاد يكون همس:
"أنا… معاك…
نقوم…"
الكلمتين دول بس…
خلّوا أنس يقلب وحش.
وقف…
لف على الكيان…
عينه ولعت…
كأنه أخيرًا قرر يحارب لحد ما آخر نفس فيه يخلص.
الكيان مد إيده عليه…
وأنس مسكها…
والمفاجأة؟
إيده ولعت نور…
نور أبيض…
براق.
الكيان صرخ.
الصوت كان زي زئير جبل بيتشقّ.
ومهند من وراه، رغم الألم، رفع إيده…
وحطها على كتف أنس.
والنور…
زِاد.
اتفتح حوالين الاتنين دايرة نور ضخمة…
اتسحبت جوّاها كل العتمة…
وكل خوف…
وكل ألم.
والكيان اتبخر…
اتبخر زي دخان…
لحد ما اتحول لهوا.
وبعد ما اختفى…
الدايرة قفلت…
والأرض هديت…
والنور اختفى.
وأنس، أول ما كل دا خلص…
وقع على الأرض من التعب.
ومهند جرى عليه…
رغم الجروح… رغم الدم…
وقع على ركبه جنبه…
مسك راس أنس بين إيديه…
وقال بصوت بيرتعش:
"إوعي…
إوعي تسيبني دلوقتي."
أنس فتح عينه بالعافية…
ابتسامة صغيرة…
مكسورة…
لكن موجودة.
"أنا… معاك… يا صاحبي."
مهند نزل دمعتين…
وقرّب راسه من راس أنس…
وقال:
"خلصت؟"
وبدون ما حد يجاوب…
الضباب اتقشّع.
والبوابة…
بدأت تنوّر.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━