بينك وبين ردي.
الفصل الأول
وقف داميان شتاين أمام رئيسه الرائد بول جيسكا، وقام بالتواصل البصري المباشر معه.
بينما كان يحدق في عيون داميان الهادئة، ذات اللون الأزرق الفاتح، التي تشعُ سكونًا غامضًا كبحيرة ساكنة تحت ضوء القمر، العيون التي ظلت غارقة في الظلام، بلا أثر لمعرفة تبوح أو ذنب يعترف، بدأ صدغي بول بالخفقان. أطلق تنهيدة عميقة، وكأن الكلمات كانت تثقل صدره، ثم تحدث أخيرًا.
"الملازم الثاني داميان شتاين."
"نعم يا سيدي. من فضلك، قُل ما تريد."
"لقد قلت ذلك بنفسك من قبل، لذلك يجب أن تعلم أن تلك كانت معركة مهمة. أنت توافقُني بالرأي، أليس كذلك؟"
"نعم يا سيدي."
"وأنتَ تعلم أيضًا أنها كانت عملية خطيرة."
"نعم يا سيدي."
"كان الوضع بحيث حتى إذا قمت بعملك على أكمل وجه، لم يكن هناك ضمان لسلامتك."
"صحيح يا سيدي."
"لذا، كانت أوامر القيادة أكثر أهمية، أليس كذلك؟"
"نعم يا سيدي".
"صحيح...أليس كذلك؟"
مرة أخرى، رد داميان بنفس الصوت الرتيب.
"نعم يا سيدي."
كان هذا الرد بمثابة القشة الأخيرة، حيث حطم صبر بول الهش فورًا.
"أنتَ..اللعنة. أنتَ فعلتها عمدًا!"
حرك بول إصبعه في اتجاه داميان بعصبية.
"كيف بحق الجحيم أن يقوم ملازم ثانٍ، في موقف خطير كهذا، بالهجوم من تلقاء نفسه ويتسبب في حدوث مشكلة!"
على الرغم من غضب بول، ظلّ داميان هادئًا عندما أجاب.
"رأيت أن هذا هو المسار الأكثر كفاءة. تعطيل العدو من داخل معسكره سيوفر لنا فرصة للاختراق. التحرك بمفردي يقلل من احتمال لفت انتباه العدو، ويجنبنا الحاجة إلى التضحية بالآخرين لهذه المهمة. في النهاية، أنا الأكثر خبرة ومهارة لهذا الدور."
"وماذا عن فريقك؟ من المفترض أن يعطيهم الأوامر إذا انفجرَ رأسُكَ؟!"
"يمكن لشخص آخر أن يتولى قِيادة الفرقة. السبب الوحيد لترقيتي إلى ملازم ثاني وتعييني في القيادة هو أن جميع من كانوا في المناصب العليا قد ماتوا، أليس كذلك؟ إنه نفس الحال؛ إذا مِتُّ، سيأتي شخص ليحل محلّي."
"هذه ليست المسألة!"
"إنه نفس الشيء. نحن في حرب، وفي مواجهة الموت، كل الأرواح متساوية."
أراد بول أن يخيط فم هذا الثرثار.
عانى بول من ارتفاع ضغط دمه لفترة، وكان يعاني من صداع مستمر. كان هذا هو الحال دائمًا عندما يكون أمام داميان، الذي اعتاد أن يحافظ على هدوئه حتى في مواجهة القذائف المتفجرة.
بعد أن استعاد هدوءه، نظر بول إلى داميان.
"داميان."
"نعم."
"إذا استمريت على هذا الحال، لن أستطيع حتى النظر في وجه عمي بسبب الخجل."
جفل داميان للحظة عند سماع هذه الكلمات، ثم أخفض عينيهِ. كانت عيناه ذات اللون الأزرق الرمادي مظللة بظل داكن.
أنه آسف لبول، يعامله كأنه أبن عمه، ولكن سماع ذلك لم يؤثر به.
"هذا تدخل غير ضروري. ألن يشعر بالراحة عندما يأتي خبر مقتلي؟ يبدو أن فكرة اختفائي تمنحه الارتياح."
"تهند…."
أطلق بول تنهدًا عميقًا دون أن يدرك ذلك.
منذ أن انخرط داميان في هذه الحرب، كان دائمًا على هذا النحو. يُمكن اعتبار تصرفاته شجاعة إذا نظرنا إليها بإيجابية، ولكنها تبدو متهورة إذا أخذناها من منظور سلبي.
لكن، رغم ذلك، لا يمكن القول إنه كان شجاعًا حقًا. داميان كان يتبع سلوكًا مدمرًا لذاته، ليس بدافع الشجاعة، بل كوسيلة للهروب من مواجهة جوانب من شخصيته وهويته الحقيقية. فتصرفاته المتهورة لم تكن تعبيرًا عن البطولة، بل كانت محاولة لنكران ما يشكّل كيانهُ الداخليّ.
في الأساس، لم يكن هناك سبب منطقي لكي يتطوع شخص ليس جنديًا محترفًا في حرب بلد آخر.
بما أن داميان لم يكن لديه مبرر واضح للمشاركة في هذه الحرب، كان بإمكانه ببساطة أداء دوره دون بذل جهد إضافي. لذلك، فإن تفانيه المبالغ فيه في عملهِ يبدو غير مبرر.
لفهم السبب وراء هذا التفاني، يجب العودة إلى طفولته والتعرف على ما شكّلَ شخصيته وسلوكه.
***
نشأ داميان شتاين في دار للأيتام.
قيل إن والدة داميان قد تخلت عنه بعد أن أعطته اسمًا فقط، حتى قبل أن يتعلم المشي بشكل صحيح. داميان لا يعرف اسم والدته الحقيقي، ولكنه لم يظن أن لقبها كان 'شتاين'.
لقب 'شتاين' كان يرتبط بفارس قديم من حكايات الأساطير، فارس ذهب في مغامرة للبحث عن أميرة اختفت دون أن يراها أحد. كان لقبًا قديمًا جدًا، لم يعد يُستخدم اليوم واندثر تمامًا.
عندما اكتشف داميان ذلك، شعر بالإحباط. بدا له وكأن والدته كانت تعتبره عار يجب التخلص منه.
ثم، عندما كان في الخامسة من عمره، حظي بفرصة غير عادية. فقد ظهر راعٍ طيب القلب يدعى ماركيز جيسكا، الذي اختار داميان من بين العديد من الأطفال في دار الأيتام لرعايته.
عندما تحولت مملكة إيساريكا إلى جمهورية، أصبحت الألقاب النبيلة إلى مجرد زخارف بلا قيمة، ولكن عائلة جيسكا مازالت تُعتبر من الأسر العريقة التي حكمت البلاد فيما مضى، بالنسبة لداميان الصغير، كان ذلك مذهلًا للغاية.
شعر داميان أنه اصبح شخصًا مميزًا عندما حمل اسم العائلة الذي اختارته والدته له بشكل عابر.
كان يأمل أن يرضي الماركيز جيسكا ويشعره بالفخر بتفانيه. لقد سعى لأن يصبح شخصًا له قيمة ومعنى، وليس مجرد يتيم رمته والدته.
لذلك، بذل داميان كل جهده ليلبي توقعات الماركيز، ولكنه لم يكن يدرك أن وجه الراعي طيب القلب لم يكن أكثر من خدعه سخيفة وقع بها.
لم يدرك داميان أن الماركيز كان والده البيولوجي.
عندما علم ماركيز جيسكا أن المرأة التي كان بعلاقة معها قد أنجبت طفلًا و تخلت عنه؛ وقد تركته في دار الأيتام، شعر بالحرج من تجاهل الأمر، فقرر البحث عن داميان. كان هدفه الحفاظ على سمعة "اللقب النبيل" ومنع داميان من إلحاق الضرر باسم العائلة لاحقًا. كان يود أن يجعله مفيدًا للعائلة بدلاً من أن يكون عبئًا عليها، رغم أنه كان يفضل التخلص منه أكثر من أي شخص آخر.
لقد ظن داميان أنه أصبح ذو قيمة، لكنه عاد ليشعر بأنه لا قيمة له مرة أخرى.
عندما دخل داميان إلى المدرسة الداخلية في سن الخامسة عشرة، أصبح شعوره بعدم القيمة أكثر وضوحًا. بينما كان لزملائه في المدرسة الداخلية أحلامهم الخاصة، كان داميان غير قادر على تصور مستقبله، ممّا جعله يعيش في عزلة ويصبح غير مهتم بأي نشاط.
عندما أكمل دراسته في المدرسة الداخلية وبلغ سن التاسعة عشرة، لم يكن لديه مكان يذهب إليه، لأنه كان عليه مغادرة دار الأيتام عند بلوغه سن الرشد.
على الرغم من أنه كان بإمكانه الحصول على دعم ماركيز جيسكا للعيش بشكل بسيط، إلا أنه كان يفضل الهروب من رعايته.
ثم، ظهر إعلان عن تجنيد للالتحاق بالحرب بين مملكة ليفي وإمبراطورية سوبلز. طلبت مملكة ليفي المساعدة من الدول المجاورة.
رغم استقلال جمهورية إيساريكا عن الإمبراطورية سوبلز، فإنها كانت مستعمرة سابقة للإمبراطورية. ولرد الجميل لمساعدة مملكة ليفي عند استقلالها، قررت إيساريكا إرسال جنودها لدعم مملكة ليفي في حربها ضد الإمبراطورية سوبلز. وبالتالي، كان داميان يقاتل إلى جانب مملكة ليفي ضد الإمبراطورية سوبلز.
ظن داميان أن الحرب في بلد آخر لن تصل إليها يد ماركيز جيسكا، فقرر الانضمام إلى الجيش عندما وجد نفسه بلا عمل. لم يكن انضمامه إلى الحرب نابعًا من دوافع عظمى، بل لأنه لم يجد خيارًا آخر يشغله.
كان داميان يعتقد أن الأمور ستسير بشكل سلس أثناء رحلته إلى ليفي. حتى جاء ذلك اليوم، حيث صدر أمر بنقله إلى وحدة جديدة، وظهرت شخصية جديدة قائلة:
"مرحبًا، أنت داميان، أليس كذلك؟ أنا بول جيسكا. والدي هو شقيق ماركيز جيسكا، لذا أنا ابن عمك. سمعت بعض الأمور عنك، وسأساعدك في كل ما تحتاجه، لذا دعنا نعمل معًا بشكل جيد."
...كان ذلك قبل أن يبدأ في تقديم نفسه.
كان بول، الذي يعرف القصة كاملًا، يشعر بالصداع كلما أحدث داميان مشكلة. حتى لو أخطأ داميان، فلن يهتم ماركيز جيسكا، لكنه كان يعلم أنه إذا حدثت مشكلة خارج نطاقه، فسيكون من الصعب عليه التعامل معها، لذا كُلف بول، كجندي محترف، برعاية داميان خلال خدمته في ليفي.
في البداية كان بول مجبرًا على الاهتمام بداميان، لكن الآن، ومع رؤيته يتصرف وكأنه يريد الانتحار، أصبح الأمر مزعجًا للغاية بالنسبة له، وأصبح يهتم بداميان أكثر فأكثر.
ورغم أن الحرب قد تكون مليئة بالمخاطر، إلا أن داميان تصرف وكأنه لا يوجد غدٍ. ومع ذلك، فقد مضت سنة ونصف على بقائه في هذه الحالة المتهورة دون أن يتعرض للخطر، وهو وقت كافٍ لتطور داميان من صبي إلى شاب ناضج.
فرك بول رأسه بيده بتعب، ثم أومأ بيده بطريقة تُظهر استسلامه.
"على أي حال، هل يمكنك أن تخبرني المرة القادمة إذا كنت تخطط لشيء؟ قلبي يكاد ينفجر بسببك."
"سأضع ذلك في اعتباري."
"الجواب على أوامر الرؤساء ليس مجرد شكليات. هنا هو الجيش، ويجب أن تنفذ الأوامر دون تردد. لا ينبغي أن يكون هناك أي شيء سوى كلمة 'أفهم'."
"آه، إذًا كان ذلك بصفتي قائدًا وليس كأخ؟ إذا كان الأمر كذلك، فهمت."
أراد بول فعلاً أن يصفع داميان...
اعاد بول غمر وجهه بيديه. نظر داميان بعناية إلى تعبيره وسأل:
"هل انتهيت ممّا لديكَ لتقوله؟"
"نعم، انتهيت. يمكنك الذهاب الآن."
بينما كان داميان يؤدي التحية العسكرية، أضاف بول بشكل غير متوقع:
"آه، صحيح، ملازم."
بوجه مرح، سحب بول عددًا من الأظرف من جيبه وقدمها إلى داميان.
"اختر ظرفًا واحدًا."
عندما نظر داميان إلى بول بوجه متفاجئ، ألقى بول كتفيه.
"القيادة قررت تنظيم نشاط ممتع. يريدون إنشاء برنامج تبادل رسائل مع مدنيين. الآن وصلتنا بعض الرسائل، لذا اختر واحدًا."
قال داميان لنفسه إن هذا مجرد إضاعة للوقت. فالأوقات الصعبة التي يعيشها، لا تتيح له وقتًا للتراسل، رغم أنه في الداخل لم يكن متفائلًا بأن مثل هذه الأنشطة ستعزز الروح المعنوية.
"أنتَ محظوظ لأنك قابلتني بينما لا زالت الرسائل معي. البعض يرغب فيها ولا يحصل عليه."
استخف داميان في سره بهذه الفكرة، معتقدًا أن تبادل الرسائل لن يحسن الروح المعنوية، بل إن تحسين الإمدادات سيكون أكثر نفعًا.
"فهل لا تريد أن تختار واحدة؟"
عندما أشار بول إلى الأظرف، أخذ داميان واحدًا منها بملل. ابتسم بول وهو يضع الأظرف المتبقية في جيبه وقال:
"تأكد من الرد على الرسائل. إذا لم ترد، فسيعتقدون أنكَ قد قُتلت قبل أن تبدأ بالكتابة، فلا تخذل أي شخص يتطلع إليك."
تنهد داميان بعمق، مدركًا أنه لا وقت لديه لمثل هذه الأمور.
End of the chapter~ 📖✨
✧✽✧✵✧✵✽✧✽✧✵✧✽✧
Translated by: Yuki
Wattpad: yuki178k
Stay tuned for the next chapter! 🌟📚
✧✽✧✵✧✵✽✧✽✧✵✧✽✧