في الصباح الباكر، كان فيتوريو يرتدي زي العمل، عبارة عن بدلة رسمية سوداء اللون وحذاء بنيّ. طرق باب غرفة فيتوريو.
فيتوريو: مممممن يطرق؟
السيدة إيفانوفنا: أنا هنا لأخذ الإيجار.
فيتوريو: أوه، أعتذر يا سيدتي إيفانوفنا.
مدّ يده المرتجفة عبر فتحة الباب، وأعطى السيدة إيفانوفنا الإيجار كاملاً. بعد أن سمع خطواتها تضعف، توقع أنها ابتعدت، فخرج من غرفته، منزلاً رأسه إلى الأرض، واتجه إلى درج الشقة وخرج ليذهب إلى العمل.
يصل إلى العمل، يتجه إلى مكتبه فورًا، ونحو الآلة الكاتبة. كانت وظيفة فيتوريو حكومية، وهي ترجمة المستندات الأجنبية إلى اللغة الإيطالية. فقد كان يتقن الإنجليزية والروسية والإسبانية بطلاقة تامة، لكنه كان يتعمد وضع بعض الأخطاء الترجمية لكي لا يجذب الانتباه إليه، بحجة أنه يريد أن يبقى في ظلّ مكتبه.
يسمع فيتوريو صوتًا قادمًا من الخلف: "إذاً، إذاً، انظر من هنا! إنه صديقي فيتوريو، أهلاً يا فيتوريو!"
فيتوريو: "أوه، مرحباً يا جاك." (صوت داخلي: "أنا أحب جاك، لكن لا طاقة لي لأبقى مع الناس. جاك إنسان رائع، إنه أفضل مني في الترجمة، حتى إن أخطاءه أقل مني.")
جاك: فيتوريو، نحن ذاهبون لشرب القهوة بعد العمل، لماذا لا تأتي معنا؟
باولو: جاك، أريدك للحظة.
جاك: أوه، حسناً.
باولو: (يتكلم بصوت خافت) أنا مُحرج من السؤال، لكن هناك كلمة لم أعرف معناها وهي...
يفكر فيتوريو: لابد أنه يقول "لماذا دعوت رجلاً مثله؟" إذا كان سوف يأتي، فأنا لن آتي. أنا مجرد كتلة قذارة هنا، كم أكره نفسي!
يكمل فيتوريو عمله ليُشغل نفسه عن التفكير. كان فيتوريو أول من يصل من الموظفين، وآخر من يخرج. كان يحب هاتين الفترتين؛ لقد كان يشعر بأن المكان ملكه لأنه لا يوجد أحد فيه. بل كان قد رُقِّيَ لمنصب أفضل ورفض، فقد كان يحب آلات الكتابة ويحب عمله، كان ينظر إليه كنوع من الفن. فقد كان يستطيع تمييز أصوات الحروف من الأزرار، وكان يجيد إصلاح آلات الكتابة بنفسه.
أحب ترجمة الكلمات، أشعر وكأنها شفرة لا يستطيع فكها إلا أشخاص مميزون مثلي. انظروا هذا النص الإسباني، أنا أستطيع فهمه من نظرة واحدة! يا للمتعة! كم أتمنى أن أترجم الأوراق هكذا، إنها أشبه بلعبة أحجية. أوه، إنها مثالية بشكل مفرط! أظن أني سأحول بعض الكلمات كما هي لكي يبدو أني نسيتها.
جاك: فيتوريو، لقد انتهى وقت العمل، هيا نخرج.
فيتوريو: "طبعًا، سأرفض" بالطبع، هيا أنا قادم. ("لقد نسيت، لا أمتلك الشجاعة للرفض").
بينما يمشون، قال أحدهم: "يا جاك، هل سمعت؟ أتى لروبيرتو زوج من الأحذية السوداء، كم هو جميل!"
جاك: "هذا صحيح، أخيرًا سوف يستغني عن الأحذية البنية، فهي ليست مناسبة مع ملابسه".
الرجل: "صحيح، من الأحمق الذي يرتدي أحذية بنية هذه الأيام؟"
كان فيتوريو منزويًا، رأسًا ينظر إلى حذائه البني اللون، وبينما يمشي، لمح تاجرًا يبيع أحذية، وكان من بينها حذاء أسود اللون رخيص بشكل غريب. وصلت مجموعة فيتوريو إلى المقهى، لقد ابتعدوا تقريبًا عشر دقائق مشيًا عن مكان التاجر.
اختاروا طاولة كانت تعتبر في زاوية المحل. جلس كل اثنين معًا، لكن فيتوريو جلس في جانب الطاولة الدائرية وحده، بينما كان جاك يتكلم مع صديقه عن حذاء روبيرتو الأسود، وبينما كان الآخرون يتحدثون عن الاستثمار والأموال.
النادل: "يا سادتي، ما هو طلبكم اليوم؟"
جاك: "كابتشينو".
الرجل الثاني: "لاتيه".
الرجل الثالث: "موكا".
الرجل الرابع: "فلات وايت".
فيتوريو: "قهوة سوداء".
الرجل الثالث: إذًا يا فيتوريو، أأنت متزوج؟
فيتوريو: لا يا سيدي، لا.
الرجل الثالث: لا داعي للألقاب هنا، ادعني باول.
فيتوريو: حسنًا، سيد باول، لا، لست متزوجًا.
باول: هذا غريب! غريب! أنت في الخامسة والعشرين من عمرك. عندما كنت في عمرك، كان لدي زوجة وطفلان.
فيتوريو: هاهاهاهاها! هذا رائع!
أنهى فيتوريو كوب قهوته، واستأذن بحجة أنه مشغول بعض الشيء، وخرج من المكان واتجه بخطوات سريعة، مهرولًا، في نفس اتجاه البائع الذي رآه سابقًا.
يفتح المحل ويتجه نحو البائع.
فيتوريو: أريده، أريد هذا الحذاء الأسود.
البائع: حسناً، لا مشكلة.
فيتوريو: يا لله من حذاء رائع!
البائع: هذا صحيح، هذا الحذاء كان هدية لابني. لقد كان يحافظ عليه بشدة، لكنه مات قبل فترة. لم أرد الاحتفاظ بالحذاء كي لا أشعر بالحزن عندما أراه.
فيتوريو: أشعر بالأسف لك، سأشتريه.
البائع: انظر إلى المقاس أولاً.
فيتوريو ينظر إلى داخل الحذاء فيجد داخله حروفاً باللغة الروسية.
فيتوريو: نعم، إنه بمقاسي. شكراً.
يعطي فيتوريو البائع سعر الحذاء ويأخذه إلى منزله وهو يفكر: إذا كان صاحب هذا الحذاء روسياً؟ أتمنى لو كنتُ روسياً! لو أنني روسي، ربما كانت ستكون لي عضلات وشعر أشقر وعينان زرقاوتان مثل لون الألماس. ما هذا الذي أفكر به؟ هذه حماقة!.
بينما هو يمشي، يمر بجانب امرأة تبيع المثلجات، تقول: "يا أيها الرجل، تعال واشترِ بعض المثلجات". لم يُعِرْها فيتوريو اهتمامًا، بل تظاهر بعدم السماع. كررت المحاولة، وقالت: "يا أيها الرجل، تعال!". التفت إليها، وأشار لها بيده كأنه يقول وداعًا، وفي وجهه ابتسامة مصطنعة بل وقبيحة. فور أن لف وجهه، ندم أنه ابتسم، لأنه فكر في أن أحدهم قد يسخر من ملامح وجهه.
يقترب من شقته، وقبل شقته يوجد مخبز. دخل المخبز ليشتري بعض الخبز للعشاء.
فيتوريو: أعطني قطعتين.
البائع: حسناً، خذها.
فيتوريو: أشكرك جداً، أُقدّر لك عملك.
البائع: لماذا تشكرني؟ أنا أقوم بعملي فقط.
فيتوريو: لا، أعلم، المهم شكراً لك. خذ هذه نقودك.
يخرج من المتجر بدون أن يقول كلمة أو يسمع كلمة. يصل فيتوريو إلى شقته، فيفتح الباب ويصعد الدرج وصولاً إلى غرفته. يدخل الغرفة ويقفل الباب.
فيتوريو: حسنًا، دعني أجرب هذا الحذاء.
يُجرب الحذاء الأسود.
فيتوريو: رائع! إنه مذهل حقًا ومناسب لي.
يتجه نحو مرآة التي كانت مقلوبة، فيقوم بلفها لكي يستطيع رؤية شكله.
فيتوريو: يا للروعة! كم أبدو مذهلًا! كم لهجتي الإيطالية تغيرت! هاهاهاهاها، أصبحت أقول كلمات روسية عن طريق الخطأ.
يُطرق باب الغرفة، فيتجه فيتوريو نحو الباب ويفتحه وهو مستقيم الظهر، وينظر إلى الرجل في عينيه ويقول: يا للروعة! ساعي البريد! من المرسل؟
ساعي البريد: أوه، سيد فيتوريو، يبدو أنك مختلف اليوم. إنها رسالة من والدك.
فيتوريو: هاهاهاها! عليه أن يكون شاكرًا لأني استلمت الرسالة، وأنت أيضًا كن شاكرًا لأني فتحت الباب فورًا ولم أجعلك تنتظر.
آه، ارتديت حذاءً داخل غرفتي! ما هذه الأخلاق؟ إنها ليست أخلاق رجل نبيل مثلي!
ينزع فيتوريو الحذاء.
فيتوريو: ما الذي قلته للتو؟ كيف استطعت التحدث للرجل بهذه الطريقة؟ ماذا لو كرهني؟
يلف وجهه ليجد الحذاء.
فيتوريو: الحذاء! إنه هذا الحذاء الملعون! لابد أنه نقل شخصية صاحبه القديم لي. صحيح، لقد كنت أتحدث بلكنة روسية فصيحة! لابد من ارتدائه غدًا. سوف أنجز أكثر من ذي قبل، أنا متأكد.