ثلاثة أيام.
وسبعة عشر فشلاً.
هذا ما كتبه «غريف» في دفتره الصغير قبل أن يمسح الدم عن أصابعه. لم يكن الدم كثيراً — مجرد خيط رفيع ينزل من أنفه ويتوقف عند شفته العليا. لكنه سجّله. كل شيء يُسجَّل.
الدم يعني أن النواة أُرهقت. النواة المُرهقة تعني وقت تعافٍ. ووقت التعافي يعني أنه لن يستطيع استخدام التشويش لمدة ساعة على الأقل.
ساعة واحدة بلا سلاح. في أراضٍ مشوّهة من الدرجة الثانية. مع نصف قارورة ماء وكسرة خبز يابسة.
لم يكن هذا مقلقاً.
كان مقلقاً لو كان شخصاً يعرف الخوف.
⁂
الغابة حوله كانت مقلوبة.
ليس مجازاً. الأشجار نبتت بالعكس — جذورها ممتدة نحو السماء تتشعّب كأصابع ميّت، وأغصانها مغروسة في التراب. الجاذبية هنا كانت... مزاجية. أحياناً تسحبك للأسفل كالمعتاد. وأحياناً تتذبذب لثانية واحدة فتشعر بمعدتك ترتفع — كأنك تسقط صعوداً.
هذا ما يفعله التشوّه من الدرجة الثانية. لا يقتلك مباشرة. يُعيد كتابة القوانين حولك حتى تنسى كيف كان العالم الطبيعي يعمل.
غريف لم ينسَ. لم يعرف العالم الطبيعي أصلاً.
وُلد بعد الكشف الأعظم بأربعة عشر عاماً. كل ما عرفه هو هذا العالم — الطاقة والشظايا والنوى والوحوش. الكبار يتحدثون عن «ما قبل» بنبرة حزينة، كأنهم فقدوا شيئاً ثميناً. غريف لم يفهم هذا الحزن. لم يفقد شيئاً. وُلد بلا شيء يستحق الفقدان.
إلا اسمه ربما.
«غريف». هذا ما سمّى نفسه بعد الطرد. ليس لأنه كان يميل للدراما — بل لأنه عملي. الاسم القديم مات حين أُغلق خلفه باب قلعة العاصفة. ومن لا اسم له لا يحتاج أن يتذكر ما كان.
أغلق الدفتر. وضعه في الجيب الداخلي لسترته الممزقة. تحسّس الجرح في ضلوعه — لا يزال يؤلم لكنه توقف عن النزيف بالأمس. جيد. ليس جيداً بما يكفي، لكنه أفضل من أمس.
نظر للسماء. الجذور المقلوبة رسمت شبكة سوداء فوقه. الضوء الذي يتسرب بينها لم يكن ضوء شمس — بل وهج الطاقة المتبلورة في طبقات الغلاف الجوي.
وهج أزرق خافت. ثابت. بارد.
مثل عينيّ أبيه.
...لا. أبوه لم تكن عيناه باردتين. كانتا فارغتين. البرد يعني أنك تشعر بشيء وتكبته. الفراغ يعني أنه لم يكن هناك شيء ليُكبت من البداية.
«سبعة عشر فشلاً. الثامن عشر سيكون مختلفاً.»
قالها بصوت عالٍ. ليس لأن أحداً يسمع. بل لأن الصمت في الأراضي المشوّهة ليس صمتاً — إنه كائن حيّ يضغط على أذنيك حتى تسمع دقات قلبك. والصوت البشري يكسره.
⁂
سمعه قبل أن يراه.
لا — هذا غير دقيق. لم يسمع شيئاً. هذا بالضبط ما نبّهه.
الطيور المشوّهة التي تعشش في الجذور المقلوبة كانت تصدر نقيقاً متقطعاً منذ وصوله. صوت مزعج، رتيب، مستمر. ثم توقف.
الصمت المفاجئ في أراضٍ مشوّهة يعني شيئاً واحداً: شيء أكبر وأخطر في الجوار.
أصابعه لم ترتجف. هذا ليس شجاعة — إنه حساب.
«النواة مُرهقة. التشويش غير متاح لسبع وأربعين دقيقة. الماء نصف قارورة. الطعام يكفي ليوم. لا سلاح. لا شظايا نشطة.»
توقف عن العدّ.
«الخيارات: الهرب صعوداً — الجذور المقلوبة متينة بما يكفي لتحمّل وزني. التخفّي — لا أملك شظية ظلام. المواجهة — مستحيل بالمعنى الحرفي للكلمة.»
إذن صعوداً.
تسلّق. بهدوء. ببطء. الجذور كانت خشنة ورطبة — مغطاة بطبقة من الطحالب المتوهجة التي تنمو حيث تتكثّف الطاقة. يداه انزلقتا مرتين. في المرة الثانية كاد يسقط.
لم يسقط.
وصل لتشعّب واسع على ارتفاع سبعة أمتار. جلس. أمسك أنفاسه. نظر للأسفل.
رآه.
⁂
كان يشبه ذئباً — لو أن الذئاب وُلدت في كوابيس.
جسد هزيل. عظام بارزة تحت جلد شبه شفاف — يمكنك أن ترى الأضلاع والعمود الفقري وشيئاً ينبض في الصدر ليس قلباً بالمعنى الذي يعرفه البشر. ستّ عيون شاحبة موزّعة على الجمجمة بنمط غير متماثل — ثلاث على اليمين، واحدة في الوسط، واثنتان على اليسار.
الأغرب: لا ظلّ.
المخلوق لم يكن يُلقي ظلاً على الأرض رغم الوهج الأزرق الخافت. بل العكس — الضوء حوله كان يتلاشى. دائرة من العتمة تتحرك معه. بقطر ثلاثة أمتار تقريباً، كل شيء فيها مظلم تماماً.
«صائد الضباب. الدرجة الأولى.»
غريف عرفه من الوصف. سمع عنه من تجار كانوا يمرون بالقرب من قلعة العاصفة حين كان لا يزال يعيش في الطابق الأخير. كان يستمع من النافذة — ليس لأنه فضولي، بل لأن المعلومات أرخص حين تُسرق.
صائد الضباب. لا يهاجم إلا من الخلف. حساس لتذبذبات الطاقة. أسرع من أي مُشتعِل. لكنه لا يتسلق.
لا يتسلق.
إذن هو في أمان. مؤقتاً.
شاهد المخلوق وهو يدور حول قاعدة الشجرة. ست عيون تبحث في كل اتجاه — إلا للأعلى. هذا منطقي: في عالم صائد الضباب، الفريسة لا تصعد. الفريسة تهرب أفقياً. دائماً أفقياً.
«ملاحظة: لا ينظر للأعلى. ست عيون ولا واحدة مصمّمة للرؤية العمودية. عيب تصميمي. قابل للاستغلال.»
سجّل ذلك في دفتره. بيد ثابتة. والوحش تحته.
⁂
انتظر.
هذا ما يعرف أن يفعله أفضل من أي شيء آخر: الانتظار.
في قلعة العاصفة، انتظر أربعة عشر عاماً. انتظر أن تعمل نواته. انتظر أن يلاحظه أحد. انتظر أن يكون مهماً — أو على الأقل موجوداً.
تعلّم أن الانتظار ليس ضعفاً. الضعف هو أن تتحرك قبل أن تفهم.
أربعون دقيقة مرت. النواة تعافت بما يكفي لاستخدام واحد للتشويش. استخدام واحد فقط — ثوانٍ معدودة.
صائد الضباب لا يزال تحته. لم يغادر. الصبر ليس حكراً على البشر — الوحوش أيضاً تنتظر.
«إذن. المحاولة الثامنة عشرة.»
في المرات السبع عشرة السابقة، وجّه التشويش نحو حواس المخلوقات — البصر، السمع، الشمّ. النتيجة: ارتباك مؤقت. ثوانٍ قليلة ثم يتعافى الوحش ويهاجم أعنف.
سبع عشرة مرة. نفس النتيجة. نفس الفشل.
المجنون هو من يكرر نفس الفعل ويتوقع نتيجة مختلفة.
غريف لم يكن مجنوناً.
«في كل المرات السابقة، وجّهت التشويش نحو حواسه. ماذا لو وجّهته لشيء آخر؟ ليس الحواس — الطاقة ذاتها. طاقة جسده. هل يمكنني أن أُربك الطاقة بدل أن أُربك الحواس؟»
لم يكن يعرف إن كان ذلك ممكناً.
لم يكن يعرف إن كان ذلك سيقتله.
«احتمال النجاح: مجهول. احتمال الموت: مجهول.»
فكّر لثانية واحدة.
«...مقبول.»
⁂
قفز.
سبعة أمتار. سقوط حرّ. الهواء صفّر في أذنيه وللحظة شعر بالجاذبية تتذبذب — جسده خفّ ثم ثقل ثم خفّ مرة أخرى. كادت معدته تنقلب.
لم تنقلب.
صائد الضباب التفت. ست عيون شاحبة اتّسعت. للحظة — للحظة واحدة لا تتجاوز نبضة قلب — بدا مندهشاً.
الوحوش لا تندهش. والفريسة لا تسقط من السماء.
غريف مدّ يده. لمس حافة دائرة الظلام المحيطة بالمخلوق. وبكل ما تبقى في نواته المُرهقة —
دفع.
ليس نحو الحواس.
نحو الطاقة.
⁂
شيء حدث.
لم يكن كالمرات السابقة. التشويش العادي كان مثل صفعة — مؤلم لكنه عابر. هذا كان مختلفاً. شعر بشيء في المخلوق... يتذبذب. طاقة جسده — القوة التي تُبقيه حياً وتُشكّل ظلامه — ارتجّت. كأنها وتر عود نُقر بعنف.
صائد الضباب تجمّد.
دائرة الظلام حوله... ارتعشت. انكمشت. لثانية واحدة — ثانية فقط — اختفت تماماً. الضوء الأزرق ضرب المخلوق من كل اتجاه وست عيون أُغمضت بالغريزة.
ثانية.
ثم عادت الدائرة. عادت العيون. وعاد الوحش — أعنف وأسرع.
ضربة.
ألم.
غريف طار ثلاثة أمتار وارتطم بجذع شجرة مقلوبة. سمع شيئاً يتكسر في صدره — ضلع. ربما اثنان. الألم كان أبيض ساخناً كالحديد المصهور. عينه اليمنى غُطّيت بالدم. يده اليسرى لم تعد تستجيب.
لكنه ابتسم.
ليس من الجنون. ليس من الشجاعة. ابتسم لأنه رأى شيئاً.
في تلك الثانية — حين ارتجّت طاقة المخلوق — شعر بنواته هو تستجيب. كأنها تعرف ما حدث. كأنها فعلت هذا من قبل.
كأنها صُمّمت لهذا.
⁂
صائد الضباب لم يُكمل. ليس رحمةً — بل لأن شيئاً آخر جذب انتباهه. رائحة دم غريف أقوى من رائحة طاقته. والوحوش في الأراضي المشوّهة لا تضيّع وقتها على فريسة مكسورة حين تكون هناك فريسة أسهل.
انصرف. ذاب في الظلام بين الأشجار المقلوبة.
غريف بقي على الأرض. الألم كان مُعمياً. ضلعان مكسوران — ربما ثلاثة. نزيف من جرح في الرأس. يده اليسرى مخلوعة أو مكسورة — لا يعرف ولا يهمه الآن.
بيده اليمنى — التي لا تزال تعمل — أخرج الدفتر.
فتحه على صفحة جديدة. بخط مرتعش، كتب:
«الفشل الثامن عشر. ليس فشلاً. الطاقة استجابت. النواة تعرف ما تفعله. أنا لا أعرف بعد. لكنني سأعرف.»
أغلق الدفتر. أغمض عينيه.
«احتمال البقاء حتى الغد: أربعون بالمئة. مقبول.»
⁂
لم يمت.
هذا ليس إنجازاً كبيراً — لكنه كافٍ.
استيقظ مع أول تسلّل للوهج الأزرق عبر الجذور. جسده كان كتلة واحدة من الألم. لكن الألم يعني أنك حيّ. والحياة تعني يوماً آخر للتجربة.
جلس ببطء. كل حركة أرسلت موجة ألم عبر صدره. فحص يده اليسرى — مخلوعة وليست مكسورة. جيد. المخلوع يُعاد. المكسور يحتاج وقتاً لا يملكه.
ضغط كتفه على جذع الشجرة. دفع. سمع طقطقة.
لم يصرخ. ليس لأنه بطل — بل لأن الصراخ يجذب الوحوش.
⁂
وقف. مسح الدم الجاف عن عينه. بدأ يمشي.
باتجاه الشمال. حيث رأى الدخان بالأمس. دخان يعني ناراً. ونار تعني بشراً — أو على الأقل شيئاً يستخدم النار.
مشى لساعة. ببطء. كل خطوة محسوبة — يتجنب البقع حيث الطاقة أكثر كثافة، يتجنب المناطق المفتوحة حيث قد يُرصَد، يتجنب الظلال العميقة حيث قد يختبئ شيء ما.
ثم رآها.
⁂
بقعة مضيئة.
تطفو في الهواء بين شجرتين مقلوبتين. بحجم رأس بشري. لونها... ليس لوناً بالمعنى العادي. كانت كل الألوان ولا لون في نفس اللحظة. تنبض ببطء — كأنها تتنفّس.
تصدر منها همسات.
ليست كلمات. ليست أصواتاً بشرية. لكنها تحمل شيئاً — إحساساً. كأن شخصاً يحاول أن يقول أمراً بالغ الأهمية لكنه يتحدث من خلف جدار سميك ولا تسمع إلا الصدى.
نواة غريف نبضت.
لم تكن النبضة مؤلمة. لم تكن مريحة. كانت... دعوة. كأن شيئاً داخل البقعة يعرف أنه هنا. ويريده أن يقترب.
وقف. نظر إليها. شعر بدفء — وهذا غريب، لأن الطاقة في الأراضي المشوّهة لا تصدر حرارة. والأغرب: شعر بشيء يشبه الحزن. ليس حزنه هو — حزن شخص آخر.
«شيء غير طبيعي. البيانات غير كافية. تجاهله.»
أدار ظهره ومشى.
خطوتان.
توقف.
لم يكن التوقف قراراً واعياً. جسده توقف قبل أن يقرر عقله. كأن شيئاً في أعماق نواته — شيئاً أقدم من وعيه — لا يريده أن يبتعد.
«...غير مقبول. أنا من يقرر. ليس النواة.»
مشى.
هذه المرة لم يتوقف. لكنه سجّل في دفتره:
«بقعة مضيئة. الموقع: شمال شمال غرب نقطة الهبوط بمسافة تسعين دقيقة مشي. النواة تستجيب لها. يجب العودة — بعد أن أفهم أكثر.»
لم يكن يعرف أن ما رآه كان بقايا شخص ميت.
لم يكن يعرف أنها تحمل أسرار حياة كاملة.
لم يكن يعرف أنها ستغيّر كل شيء.
لكن الدخان كان أقرب الآن. والأصوات التي أتت منه...
لم تكن بشرية تماماً.