1 - الفصل الأول: الحساب

الدخان كان رمادياً.

هذا يعني خشباً جافاً. والخشب الجاف يعني أن من أشعل النار يعرف ما يفعل — المبتدئون يحرقون الأغصان الخضراء فيُنتجون دخاناً أبيض يُرى من مسافة كيلومتر. الدخان الرمادي يذوب في الوهج الأزرق للأراضي المشوّهة. شبه غير مرئي.

صيّادون.

غريف كان يعرف ذلك قبل أن يراهم. لكنه احتاج لتأكيد شيء آخر أولاً.

توقف على بعد مئة متر. اختبأ خلف صخرة مغطاة بالطحالب المتوهجة. وراقب.

«سبعة أشخاص. ثلاثة جرحى — اثنان يمكنهما المشي، والثالث ملقى على ظهره بلا حراك. اثنان بحالة جيدة يجلسان قرب النار ويتحدثان بصوت منخفض. واحد يحرس — يقف عند الطرف الشرقي ويحمل رمحاً معدنياً طويلاً. والأخيرة...»

توقف عن العدّ.

الأخيرة كانت تجلس بعيداً عن الجميع. منفردة. ظهرها على شجرة مقلوبة. تنظّف سلاحاً أسود — خنجر طويل يبتلع الضوء بدل أن يعكسه. شعرها قصير وداكن. ووجهها... كان صعب الرؤية من هذه المسافة. ليس بسبب البعد — بسبب الظلّ الذي يحيط بها. ظلّ أعمق من الطبيعي. كأنها تجلس في حفرة من الليل.

«عنصر الظلام. رتبة المُصهَر على الأقل. تجلس منفردة — تختار ذلك. الآخرون لا يقتربون — يخافونها أو يكرهونها. مثير للاهتمام.»

لكنها ليست المهمة الآن. المهم هو الطعام والماء والمأوى. والمهم فوق كل شيء: ألّا يبدو يائساً.

اليائس يُستغلّ. المُفيد يُحتفظ به.

فكّر لثلاثين ثانية. ثم وقف ومشى نحو المخيم بخطوات مقصودة — لا سريعة تُوحي بالهرب، ولا بطيئة تُوحي بالتردد. خطوات شخص يعرف أين يذهب.

الحارس رآه أولاً.

رفع الرمح وصاح بصوت أجشّ:

«قف!»

غريف وقف. رفع يديه — ببطء. اليمنى فارغة واليسرى التي أعاد كتفها بالأمس لا تزال تؤلم لكنها تتحرك بما يكفي. أظهر أنه لا يحمل شيئاً.

هذا كذب. الدفتر في جيبه الداخلي. لكن الدفاتر لا تُعدّ أسلحة.

«صيّاد؟» سأل الحارس.

«مسافر.»

الحارس نظر لملابسه الممزقة. الدم الجاف على وجهه. الطريقة التي يقف بها — مائلاً قليلاً نحو اليمين لتخفيف الضغط عن ضلوعه المكسورة.

«مسافر.» كرر الحارس بنبرة لا تصدّق. «في أراضٍ مشوّهة من الدرجة الثانية. وحدك. بلا سلاح ظاهر.»

«نعم.»

«إما أنك كاذب أو مجنون.»

غريف لم يجب. الجملة لم تكن سؤالاً.

جاء من خلف النار.

رجل كبير — ليس ضخماً بالمعنى العضلي، لكنه حاضر. من النوع الذي حين يدخل مكاناً تعرف أنه دخل قبل أن تراه. شعر رمادي قصير. وجه مليء بالندوب — لكن الندوب قديمة. قديمة جداً. من عصر آخر.

لاحظ غريف شيئاً: الندوب ليست من وحوش. خطوط رفيعة متوازية. ندوب شظايا — شخص انفجرت قربه شظية طاقة وبقي حياً.

«ندوب يوم الكشف الأعظم. هذا الرجل كان حاضراً. من الجيل الأول.»

«ديل.» قال الرجل.

ليس تعريفاً بنفسه بقدر ما هو إعلان ملكية — هذا مخيمي، هذا اسمي، وهذه هي الأهمية التي أمنحك إياها: اسمي فقط.

«غريف.»

صمت قصير. ديل نظر إليه — نظرة تقييم باردة. فحص الجروح. الملابس. الحذاء المتآكل. اليدين — اللتين لا تحملان سلاحاً ولا أي شظية مرئية.

«لا نحتاج فماً إضافياً.»

قالها بدون قسوة. حقيقة. مثل من يقول «الشمس ساطعة» — لا مكان للنقاش فيها.

غريف لم يتوسل. لم يشرح ظروفه. لم يذكر ضلوعه المكسورة أو أنه لم يأكل منذ يوم ونصف. كل ذلك معلومات تُضعف موقفه.

بدلاً من ذلك:

«أعرف أين تتبلور شظايا الريح في المنطقة الشمالية. أربع مجموعات. الأقرب على بعد ساعتين.»

صمت.

هذه المرة كان الصمت مختلفاً. الحارس خفض رمحه بمقدار لا يُلاحظ. أحد الجالسين قرب النار رفع رأسه. حتى المرأة ذات الظلّ العميق — البعيدة — توقفت عن تنظيف خنجرها للحظة.

شظايا الريح في أراضٍ من الدرجة الثانية. هذا يعني شظايا نادرة. والشظايا النادرة تعني ثروة. والثروة تعني البقاء في المدينة القادمة بدون أن تبيع دمك.

ديل لم يُظهر اهتماماً واضحاً. وجهه بقي كما هو — ثابت كالصخر. لكن عينيه ضاقتا بمقدار لا يكاد يُلاحظ.

غريف لاحظه.

«يهتم. يحاول ألّا يُظهر ذلك. جيد. الاهتمام المخفيّ أفضل من الحماس — يعني أنه ذكي بما يكفي ليتفاوض بدل أن ينتزع.»

«كيف تعرف؟» سأل ديل.

سؤال اختبار. ليس عن المعلومة — عن المصدر.

إذا كان الجواب «سمعت من شخص» سيطرده لأن المعلومة غير موثوقة. إذا كان الجواب «رأيتها بنفسي» سيسأل كيف ينجو شخص بلا سلاح في الدرجة الثانية.

غريف أعطاه الجواب الثالث.

«الطاقة في التربة الشمالية أكثف بنسبة واضحة — الطحالب المتوهجة تنمو بكثافة مضاعفة هناك. أنماط النمو تتجه شمال شمال شرق. في أراضٍ من الدرجة الثانية، كثافة الطاقة العالية في التربة تعني تبلوراً سريعاً. والريح هنا هو العنصر السائد — الأشجار المقلوبة تنمو عكس تيارات الطاقة، واتجاهها يؤكد أن الطاقة هنا ريحية بالأساس.»

صمت أطول.

ديل نظر للحارس. الحارس هزّ كتفيه.

«وأنت تعرف كل هذا... كيف بالضبط؟»

«أمشي وعيناي مفتوحتان.»

لم يكن هذا كل الحقيقة. نصفها كان ملاحظة فعلية — الطحالب واتجاه الأشجار. النصف الآخر كان تخميناً محسوباً. احتمال أن يكون محقاً: ستون بالمئة تقريباً.

لكن الستين كافية حين لا يملك الطرف الآخر معلومة أفضل.

«ثلاثة أيام.» قال ديل أخيراً.

غريف لم يُظهر ارتياحاً. لم يشكره. لم تتغير ملامحه مقدار شعرة.

«ثلاثة أيام.» كرر ببساطة.

كان يعني: الصفقة مقبولة. لكنه أيضاً يعني: لا أدين لك بشيء.

ديل فهم. ربما أعجبه ذلك — الرجال مثل ديل يحترمون من لا يتذلل. أو ربما لم يهتم. غريف لا يعرف ولا يحتاج أن يعرف.

أشار ديل للحارس أن يسمح له بالدخول. ثم عاد للنار.

المخيم كان بائساً.

ليس قبيحاً — البؤس والقبح شيئان مختلفان. كان فعّالاً: خيمتان مرقّعتان، حلقة نار محاطة بأحجار، أدوات صيد مرتبة بعناية. كل شيء في مكانه. لكن كل شيء يحمل أثر الاستخدام المفرط — الخيام رُقّعت مرات كثيرة، السكاكين شُحذت حتى أصبحت رفيعة كالورق، الملابس غُسلت حتى فقدت لونها.

والوجوه. الوجوه كانت الأسوأ.

ليست وجوه خائفين — الخوف يحتاج طاقة. هذه وجوه أشخاص تجاوزوا الخوف ووصلوا للمنطقة الساكنة خلفه. حيث تتوقف عن القلق بشأن ما إذا كنت ستموت، وتبدأ بالقلق بشأن متى.

غريف جلس في الزاوية التي أشار إليها ديل. ابتعد عن النار — ليس لأنه لا يحتاج الدفء، بل لأن الجلوس في الأطراف يعطيك رؤية أفضل.

راقب.

«الحارس — اسمه غير مهمّ حالياً. رتبة المُشتعِل. شظيتان مرئيتان: أرض وأرض. لا تركيبة بينهما. قوته في الجسد لا الطاقة. مفيد كدرع بشري.»

«الجالسان قرب النار — صيّادان عاديان. رتبة المُشتعِل أيضاً. أحدهما يرتجف — ليس من البرد. إصابة داخلية أو تلوّث طاقي. لن يعيش أكثر من أسبوع إذا لم يصل لمعالج.»

«الجرحى الثلاثة — اثنان بجروح سطحية، يتعافيان ببطء. الثالث ملقى بلا حركة. لا يزال يتنفس لكن نواته لا تنبض — أستطيع أن أحسّ بذلك حتى من هنا. نواة ميتة في جسد حيّ. ميّت يتنفّس.»

«ديل — رتبة المُصهَر. ثلاث شظايا واضحة على الأقل. الرمح ليس عادياً — معدن مُشرّب بالطاقة. يتحرك كشخص اعتاد على القتال حتى أصبح مثل المشي والتنفس. خطير. لكنه مُتعب. شخص يقود ستة أشخاص في أراضٍ من الدرجة الثانية وأربعة منهم عبء — هذا رجل يحمل ثقلاً أكبر مما ينبغي لأي كتفين.»

ثم نظر للمرأة.

«...»

لم يستطع قراءتها.

هذا نادر. غريف يستطيع قراءة معظم الناس — نوع الشظايا من طريقة الحركة، الرتبة من كثافة الطاقة حول الجسد، الحالة النفسية من الوضعية والتنفّس. لكن هذه المرأة كانت فراغاً. ظلّها العميق يبتلع كل إشارة. لا يستطيع أن يحسّ بنواتها. لا يستطيع أن يقدّر رتبتها.

كل ما يعرفه: عنصر الظلام. وشيء آخر. شيء أعمق. شيء جعل الشعر على ذراعيه يقف حين نظر نحوها.

«خطيرة. تجنّبها حتى تتوفر بيانات أكثر.»

أشاح بنظره. أخذ كسرة الخبز التي أعطاه إياها ديل. أكلها ببطء — كل قضمة محسوبة. المعدة الفارغة لا تتحمل الطعام السريع.

أثناء الأكل، لاحظ شيئاً.

أحد الجريحين — شاب بشعر أشقر متّسخ، ذراعه مربوطة بقماش — يحمل شظية في جيبه. لم يرها بعينيه — حسّها. الرنين كان قوياً بشكل غير عادي. شظية ريح. ليست خاماً — مُنقّاة. في جيب صيّاد جريح في مخيم بائس.

«شظية ريح مُنقّاة. الرنين: سبعة وعشرون من عشرة تقريباً. قيمتها في السوق ثلاثة أشهر معيشة على الأقل. يحملها في جيب مفتوح. إما أنه أحمق أو لا يعرف قيمتها أو يعرف ولا يملك مكاناً أفضل.»

سجّل المعلومة في دفتره. تحت عنوان: «أصول قابلة للتحصيل».

ليس الآن. ليس اليوم. لكن المعلومة مُسجّلة.

عند الغروب — أو ما يحلّ محل الغروب في الأراضي المشوّهة، حيث الوهج الأزرق يخفت ببطء ليحلّ محله ظلام كثيف كالحبر — جلس ديل قربه.

لم يسأل. لم يبدأ محادثة. جلس فقط. أمسك سكيناً وبدأ ينحت قطعة خشب بلا هدف واضح — مجرد يدين مشغولتين وعقل يدور.

غريف انتظر. إذا أراد الرجل الحديث فسيتحدث. إذا لم يرد فالصمت ليس مشكلة.

بعد دقيقتين:

«من أين أنت فعلاً؟»

«لا مكان.»

«الجميع من مكان.»

«كنت من مكان. لم أعد.»

ديل نظر إليه. نظرة طويلة هادئة. ثم عاد للنحت.

«كنت في الوادي قبل الكشف الأعظم. المكان الذي صار بعده قلعة العاصفة.»

ليس جواباً لسؤال — بل مبادرة. يعطيك معلومة عن نفسه ليشجعك على الردّ. تكتيك اجتماعي قديم. بسيط. يعمل على معظم الناس.

غريف ليس معظم الناس.

لكنه بحاجة لهذا الرجل. ثلاثة أيام فقط. يحتاج أن يكون «مقبولاً» لا «مُحتملاً» فحسب. الفرق بينهما: المقبول يحصل على معلومات. المُحتمل يحصل على طعام فقط.

«لم تكن قلعة العاصفة موجودة قبل الكشف.» قال غريف.

ديل توقف عن النحت. نظر إليه باهتمام حقيقي.

«صحيح. كانت تلّة فارغة تطلّ على واد. بيوم واحد تحوّل كل شيء — الرياح لم تتوقف منذ ذلك اليوم. كأن شخصاً فتح باباً في السماء ونسي أن يغلقه.»

صمت.

«فقدت زوجتي في الساعات الأولى. وابني. لم أجد أجسادهم.»

قالها بنبرة مسطّحة. كشخص قال هذه الجملة ألف مرة حتى فقدت حوافّها وأصبحت ملساء كحجر في النهر.

غريف لم يقل «أنا آسف». الكلمة عديمة الفائدة — لا تُعيد الموتى ولا تُخفف الألم ولا تُغيّر أي شيء على الإطلاق.

بدلاً من ذلك:

«ثلاثون سنة في الأراضي المشوّهة. ولا تزال تحرس الغرباء.»

لم يقصدها كمديح. قصدها كسؤال: لماذا؟

ديل فهم. ابتسم — ابتسامة صغيرة متعبة لا تصل للعينين.

«لأن أحداً يجب أن يفعل.»

«...هذا ليس جواباً منطقياً. لا أحد يجب عليه شيء. يفعل الناس ما يفيدهم أو ما يخافون من عدم فعله. "أحدٌ يجب أن يفعل" ليس حساباً — إنه عاطفة متنكرة في ثوب مبدأ.»

لكنه لم يقل ذلك بصوت عالٍ. سجّله فقط.

ملاحظة عن ديل: يتحرك بدوافع غير قابلة للحساب. هذا يجعله غير متوقع. وغير المتوقع إما حليف ممتاز أو خطر ممتاز. لا منطقة وسطى.

«نتحرك غداً.» قال ديل وهو يقوم. «باتجاه رماد السقوط. المدينة الحدودية. يومان مشي إذا لم تعترضنا الوحوش.»

«ويومان آخران لتسليم الشظايا وبيعها؟»

ديل نظر إليه. عيناه ضاقتا.

«لمسافر بلا سلاح، أنت تعرف الكثير عن عمل الصيّادين.»

غريف لم يجب.

ديل هزّ رأسه ومضى.

هذا الشيء الذي لا يتحدث عنه أحد بشأن الليل في الأراضي المشوّهة: لا يوجد ليل حقيقي.

الوهج الأزرق يخفت — لا يختفي. يبقى وميض خافت في كل مكان كأن العالم يتنفس في نومه. ظلال الأشجار المقلوبة تتمدد وتتقلّص بإيقاع بطيء. أحياناً — إذا نظرت طويلاً بما يكفي — تعتقد أن الظلال تتحرك بإرادتها.

لا تنظر طويلاً بما يكفي.

غريف كان مستلقياً في زاويته. لم يكن نائماً — لا ينام نوماً حقيقياً في الأراضي المشوّهة. يغلق عيناً ويُبقي الأخرى نصف مفتوحة. حيلة تعلّمها في الأيام الثلاثة الماضية. قبلها لم يكن يحتاجها — في قلعة العاصفة كان ينام في غرفة مقفلة في الطابق الأخير حيث لا يزعجه أحد لأن لا أحد يعرف أنه موجود.

هنا، الأشياء التي لا تعرف أنك موجود تقتلك بنفس كفاءة الأشياء التي تعرف.

جاءت في الساعة الثالثة بعد منتصف الليل.

لم يسمعها.

هذا الشيء الثاني الذي أثار قلقه بشأنها — الأول كان أنه لا يستطيع قراءتها. والآن: لا يستطيع سماعها. كان مستيقظاً. عينه نصف مفتوحة. حواسه في أعلى حالات التأهب. ومع ذلك لم يحسّ بها حتى كانت تجلس على بعد متر ونصف.

متر ونصف. مسافة طعنة.

قلبه تسارع. لم يُظهر ذلك. الجسد الذي يفضح صاحبه جسد لم يُدرَّب بما يكفي.

جلست بهدوء. الخنجر الأسود ليس في يدها — هذه إشارة: لم تأتِ لتقتل.

أو أنها لا تحتاج الخنجر لتقتله.

كلا الاحتمالين مزعجان بنفس القدر.

صمت.

عشر ثوانٍ. عشرون. ثلاثون.

غريف لم يتحرك. لم يتكلم. إذا أرادت شيئاً ستقوله. إذا أرادت قتله فليس لديه ما يمنعها. وإذا كانت تختبره — فالصمت أفضل إجابة.

بعد أربعين ثانية، تكلّمت.

صوتها كان مفاجئاً. ليس عميقاً كما توقع من مظهرها. خفيض وهادئ. كصوت شخص اعتاد الهمس حتى نسي كيف يرفع صوته.

«أنت من عشيرة العاصفة.»

ليس سؤالاً.

غريف لم تتغير ملامحه. لم يتوتر. لم ينفِ. الجسد الذي يتوتر يؤكّد الاتّهام. والفم الذي ينفي يؤكّده أكثر. الصمت وحده لا يؤكّد شيئاً.

«رنين نواتك.» قالت. «يصرخ بذلك.»

«تستطيع أن تقرأ رنين النواة. هذا يعني إدراكاً طاقياً عالياً جداً — رتبة المُصهَر لا تكفي لهذا. رتبة السيّد على الأقل. أو أن عنصرها يمنحها إدراكاً استثنائياً.»

«رنين غريب.» أكملت. «كل من في عشيرة العاصفة نواته تنبض بتردد واحد — حاد، سريع، نظيف. نواتك مختلفة. الترددّ غير ثابت. يتذبذب. كأنها تحاول أن تكون شيئاً ولا تستقر.»

توقفت. مالت رأسها قليلاً. في الظلام، عيناها بدتا كنقطتين من الفضة — لون غير طبيعي. لون لا ينتمي لعنصر الظلام.

«نواة مائعة.» همست.

هذه المرة، تسارع قلب غريف بشكل لا يمكن إخفاؤه.

النواة المائعة. السرّ الذي طردته عشيرة العاصفة بسببه. السبب الذي يجعل كل شظية تذوب في يده. العيب الذي —

«لا أعرف ما هذا.» قال.

كذبة. أول كذبة مباشرة يقولها لها. عرف أنها كذبة وعرفت هي أنها كذبة.

هزّت رأسها. ليس رفضاً — تسلية. كأنها وجدت كذبته مسلّية أكثر من مُهينة.

«لا يهمني.» قالت وهي تقوم. «لست هنا لأبيع أسرارك.»

وقفت. الظلّ حولها تعمّق — كأنه يستجيب لحركتها. كأنه جزء منها وليس مجرد غياب ضوء.

«لكن اعلم شيئاً واحداً.»

نظرت إليه من فوق. في الظلام، وجهها كان نصف مرئي — نصف إنسان ونصف ظلّ.

«إذا كنت تنوي إيذاء أي شخص في هذا المخيم — سأعرف قبل أن تبدأ. الظلال تتحدث. وأنا أسمعها.»

ثم اختفت.

ليس مجازاً. ذابت في العتمة كأنها لم تكن. لا صوت خطوات. لا حركة هواء. فراغ.

غريف بقي جالساً. قلبه لا يزال أسرع مما ينبغي.

فتح الدفتر. وتحت الوميض الأزرق الخافت الذي لا يغيب أبداً في هذا العالم الملعون، كتب:

«الشخص الثامن. لا اسم بعد. عنصر الظلام — وشيء آخر لا أستطيع تحديده. تقرأ رنين النوى من مسافة. تتحرك بلا صوت. تذوب في الظلّ كأنه جزء من جسدها. الرتبة: غير محددة — أعلى بكثير مما تُظهر. مستوى التهديد: مرتفع جداً.»

رسم خطاً. ثم أضاف:

«ملاحظة: لم تقتلني. لم تبلّغ ديل عن هويتي. لم تطلب شيئاً. هذا أخطر من كل ما سبق — لأن من يملك معلومة عنك ولا يستخدمها إما ينتظر اللحظة المناسبة... أو لا يعتبرك مهماً بما يكفي لتهتمّ.»

أغلق الدفتر. أغمض عينيه.

«ثلاثة أيام في هذا المخيم. يومان إلى رماد السقوط. خمسة أيام لأفهم هؤلاء الناس — أو ما يكفي منهم لأستخدمهم.»

فتح عيناً واحدة. نظر للسماء عبر شبكة الجذور المقلوبة. الوهج الأزرق ينبض ببطء كأن العالم نفسه ينام ويحلم.

«المرأة تسمع الظلال. إذن سأتعلّم أن أكون أهدأ من الظلّ نفسه.»

ثم — كالعادة — نام نوم الذئاب.

بعين واحدة مفتوحة.

2026/03/02 · 1 مشاهدة · 2314 كلمة
ZLUREX
نادي الروايات - 2026