الشيء الذي لا يخبرك عنه أحد بخصوص الأراضي المشوّهة هو الملل.
الناس يتحدثون عن الوحوش. عن الجاذبية التي تنقلب. عن الطاقة التي تُذيب العظام إذا تنفستها بكثافة كافية. لا أحد يذكر أن معظم الوقت — تسعين بالمئة منه — لا يحدث شيء على الإطلاق. تمشي. وتمشي. وتنتظر أن يقتلك شيء ما.
غريف وجد في الملل فائدة.
في صباح اليوم الرابع — أول أيام المسير نحو رماد السقوط — جلس على صخرة بينما المجموعة تفكّك المخيم، وفتح دفتره.
الصفحات الأولى كانت مليئة بملاحظات الأيام الثلاثة الماضية. كل شخص في المجموعة له صفحة. كل ملاحظة مؤرّخة. كل حساب مُرقّم.
فتح صفحة جديدة. كتب في أعلاها:
«التشويش — مراجعة»
ثم تحتها:
«سبع عشرة محاولة على حواس المخلوقات. النتيجة: ارتباك مؤقت لا يتجاوز أربع ثوانٍ. غير كافٍ. المحاولة الثامنة عشرة — توجيه التشويش نحو طاقة الجسد بدل الحواس. النتيجة: تذبذب. لحظة واحدة. النواة استجابت.»
رسم خطاً تحت كلمة «استجابت».
«السؤال ليس: هل يمكنني التأثير على طاقة المخلوقات؟ الجواب نعم — المحاولة الثامنة عشرة أثبتت ذلك. السؤال الحقيقي: لماذا استجابت النواة كأنها تعرف ما تفعل؟ النواة المائعة لا تحتفظ بالشظايا — هذا عيبها المزعوم. لكن ماذا لو كان الذوبان ليس عيباً... بل وظيفة مختلفة؟»
أغلق الدفتر. لم يصل لإجابة. الإجابات تحتاج تجارب. والتجارب تحتاج وحوشاً.
أو شظايا.
نظر نحو الشاب ذي الشعر الأشقر — الجريح الذي يحمل شظية الريح المُنقّاة في جيبه. كان يحاول حمل حقيبته بذراع واحدة. الأخرى لا تزال مربوطة بالقماش.
شظية ريح. رنين سبعة وعشرين من عشرة.
نواة غريف المائعة تُذيب كل شظية تلمسها. إذن لا يستطيع «استخدامها» بالطريقة التي يستخدمها الآخرون — يمتصّها وتبقى. عنده تذوب.
«لكن ماذا لو كان الذوبان هو الاستخدام نفسه؟ الشظية تذوب في النواة. الطاقة تتحرر. ماذا لو أمكنني توجيه تلك الطاقة المتحررة... نحو شيء آخر؟»
فكرة غير مكتملة. تحتاج اختباراً.
ليس الآن.
⁂
ساروا.
ديل في المقدمة. الحارس — اسمه فِن، كما علم غريف لاحقاً — في المؤخرة. الجرحى في الوسط. والمرأة ذات الظلّ — سابل، لم يسألها عن اسمها لكنه سمع فِن يتمتم به — تسير على الجانب. وحدها. كما هي دائماً.
غريف سار بين الجرحى. ليس من لطف — بل لأن الوسط أكثر أماناً. الوحوش تهاجم الأطراف أولاً. والأطراف يحميها من هم أقوى منه.
لا عيب في أن تكون ذكياً بشأن الجبن.
بعد ساعتين من المشي، بدأت الأشجار المقلوبة تتغير.
الجذور في السماء أصبحت أكثف. بعضها تشابك حتى شكّل سقفاً من الخشب الحيّ يحجب الوهج الأزرق. الظلام تعمّق حتى صار للهواء ثقل.
والأهم: الطاقة أصبحت أثقل.
يمكنك أن تحسّها. كأنك تمشي في ماء — ليس مادياً، بل شيء يضغط على صدرك من الداخل. كل خطوة تحتاج جهداً أكبر. ليس على العضلات — على النواة. كأن شيئاً يضغط عليها من الخارج ويحاول سحقها.
ديل رفع يده. توقّف الجميع.
«منطقة تكثّف.» قال بصوت منخفض. «الطاقة أعلى من المعتاد بكثير. ابقوا قريبين من بعضكم. لا تستخدموا الشظايا إلا عند الضرورة القصوى — في هذه الكثافة، أي تقنية ستكون أقوى مما تتوقعون. والأقوى ليس دائماً أفضل.»
نصيحة جيدة. النوع الذي لا يأتي إلا من شخص رأى مبتدئاً يفجّر نفسه بتقنيته الخاصة.
تابعوا المشي. أبطأ هذه المرة.
غريف لاحظ شيئاً.
سابل لا تبدو متأثرة بالكثافة. تمشي بنفس الإيقاع. بنفس الهدوء المُقلق. ظلّها — الذي يحيط بها دائماً كعباءة حيّة — بدا أعمق هنا. أوسع. كأن الطاقة الزائدة في الجو تُغذّيه بدل أن تضغط عليه.
«مثير. كثافة الطاقة العالية تُضعف الآخرين وتُقوّيها هي. عنصرها يتغذى على الفائض. هذا يعني أنها أخطر ما تكون في الأماكن التي يكون فيها الجميع في أضعف حالاتهم.»
سجّل ذلك في ذاكرته. الدفتر في جيبه لكن إخراجه أثناء المسير يلفت الانتباه.
⁂
سمع ديل الصوت أولاً.
لا — ليس صوتاً. غياب صوت. نفس العلامة التي تعلّمها غريف في أيامه الأولى. الطيور المشوّهة في الجذور صمتت. ثم الحشرات. ثم حتى الطحالب المتوهجة خفت وهجها — كأنها تختبئ.
العالم كلّه كتم أنفاسه.
«سلاح.» أمر ديل.
كلمة واحدة. الجميع فهم. فِن رفع رمحه. الصيّادان الباقيان سحبا سكّينين. ديل أخرج رمحه — الرمح المعدني المُشرّب بالطاقة. في يده بدا امتداداً طبيعياً لذراعه. غريف حسّ بالرنين — شظية أرض مدمجة في المعدن. رنين ثابت ومنخفض كنبض الجبل. سلاح مُصهَر حقيقي.
سابل لم تتحرك. لم تُخرج خنجرها. وقفت ويداها على جانبيها وظلّها يتّسع ببطء حولها كبحيرة سوداء.
غريف لم يكن يملك سلاحاً. وقف خلف أقرب شجرة.
«لا سلاح. لا شظايا نشطة. نواة مائعة بقدرة تشويش واحدة تستمر ثوانٍ. في منطقة تكثّف حيث الطاقة أعلى من المعتاد.»
توقف.
«...الطاقة أعلى من المعتاد. التشويش يستخدم الطاقة. في كثافة أعلى... هل يكون التشويش أقوى؟»
فكرة مثيرة.
في توقيت سيّئ.
⁂
جاءت.
ليس واحداً. خمسة.
خمسة صيّادي ضباب انزلقوا من بين الأشجار بلا صوت. خمس دوائر عتمة تتحرك كأفواه مفتوحة في وجه الغابة. ثلاثون عيناً شاحبة تتوهج في الظلام.
ثم السادس.
لم يكن صائد ضباب.
⁂
كان أطول من أي شيء رآه غريف في حياته.
ثلاثة أمتار. جسد إنسانويّ الهيئة — ذراعان وساقان وجذع. لكن التفاصيل كانت خاطئة كلها. الجلد صخر متشقق تتوهج بين شقوقه خطوط طاقة برتقالية كأنه فرن من الداخل. لا وجه — مجرد سطح رمادي أملس حيث يجب أن يكون الرأس. لا عينان. لا فم. لا شيء.
واليدان: ليستا يدين. كتلتان من الحجر المصمت بحجم رأس بشري لكل منهما.
مطرقتان.
«حارس الشقوق!» صاح فِن. في صوته شيء لم يكن موجوداً من قبل — شيء خام وبدائي لا يملك اسماً أفضل من: رعب.
«الدرجة الثانية. خمسة صيّادي ضباب من الأولى وحارس شقوق من الثانية. هذا ليس هجوماً عشوائياً — الصيّادون يسوقون الفرائس نحو الحارس. تكتيك مُنسّق. ذكاء جماعي.»
وحوش تستخدم تكتيكات. في الدرجة الثانية.
هذا مكتوب في الكتب. لكن القراءة شيء والرؤية شيء آخر تماماً.
⁂
ديل لم يفكّر. تحرّك.
ثلاثون سنة من القتال لا تحتاج تفكيراً. تحتاج فقط جسداً يتذكّر.
رمحه اخترق أول صائد ضباب قبل أن يكتمل ظلّه على الأرض. حركة واحدة. مئات المعارك مُكثّفة في طعنة واحدة لا فائض فيها. هذا هو الفرق بين المُشتعِل والمُصهَر — ليس في القوة فحسب. في الاقتصاد. لا حركة زائدة. لا طاقة مُهدرة. كل شيء بمقدار.
فِن واجه الثاني والثالث. أبطأ من ديل. أقل دقة. لكنه يكفي — رمحه الطويل يُبقيهم على مسافة ولا يسمح لهم بالاقتراب.
سابل —
اختفت.
حرفياً. في لحظة كانت واقفة. في اللحظة التالية لم تكن. ثم سقط صائد الضباب الرابع — شقّ في حلقه من أذن لأذن. نظيف. جراحيّ. لم يرَ أحد كيف حدث.
بقي الخامس. وحارس الشقوق.
صائد الضباب الخامس ركض.
حارس الشقوق لم يركض.
⁂
الضربة الأولى حطّمت الأرض.
ليس مجازاً. يد حارس الشقوق — المطرقة اليمنى — هوت على الأرض ففتحت شقاً بطول مترين وعمق لا يُرى قاعه. من الشقّ خرجت نبضة طاقة — موجة غير مرئية للعين لكنها محسوسة في كل خلية. ضربت فِن في صدره.
طار للخلف كأن يداً عملاقة صفعته. سقط. لم يتحرك.
الصيّادان الباقيان حاولا الهجوم من الجانب. سكاكينهم ارتطمت بالصخر وارتدّت. لم تترك أثراً. كأنك تضرب جبلاً بملعقة.
ديل هاجم. رمحه المُشرّب بالطاقة ترك شرخاً — شرخاً واحداً رفيعاً كخيط العنكبوت — في كتف المخلوق. لكن حارس الشقوق دار بذراعه وضرب. ديل تفادى. بالكاد. بمسافة لا تتجاوز عرض إصبع. لكن طرف المطرقة لمس ذراعه اليسرى.
سمع غريف صوت العظم.
صوت جاف قصير كغصن يابس يُكسر. ديل تراجع. ذراعه اليسرى تتدلّى كشيء لا ينتمي لجسده.
«ديل مكسور الذراع. فِن في الأرض بلا حراك. الصيّادان عديما الفائدة ضد الصخر. سابل... أين سابل؟»
ظهرت.
خلف حارس الشقوق. كأنها تشكّلت من الظلّ نفسه. خنجرها الأسود لم يضرب الصخر — ضرب الخطوط المتوهجة بين الشقوق. ذكية. تعرف أن الحجر لا يُخترق فتستهدف اللحام الذي يربطه.
خطّ الطاقة البرتقالي ارتعش. حارس الشقوق أصدر صوتاً — ليس صراخاً بالمعنى البشري. صوت صخر يُطحن. ألم؟ ربما. ثم دار بسرعة لا ينبغي لجسد بهذا الحجم أن يملكها.
لم تكن المطرقة هي المشكلة.
المشكلة كانت الشقوق.
الشقّ الذي فتحه في الأرض أطلق نبضة طاقة ثانية. من تحت سابل. ضربتها من الأسفل. ارتفعت في الهواء كدمية من القماش. سقطت.
تحرّكت. إذن لا تزال حيّة.
لكنها تحركت ببطء. والظلّ حولها ارتعش وخفت كلهب على وشك الانطفاء.
⁂
حارس الشقوق التفت نحو الجرحى.
الجرحى الثلاثة. الذين لا يستطيعون الحركة. الملقون في العراء بلا حماية كقرابين على مذبح.
بدأ يمشي نحوهم.
خطوات ثقيلة. كل خطوة تهزّ الأرض. بين كل خطوة وأختها: شقّ جديد في التراب. نبضة جديدة من الطاقة. كل نبضة تدفع أي شخص يقف في طريقه.
ديل حاول النهوض. سقط. ذراعه المكسورة لا تحمله.
فِن لا يزال بلا حراك.
سابل تحاول الوقوف. ببطء. ببطء شديد.
غريف نظر.
«الجرحى سيموتون. هذا واقع لا مفرّ منه إذا لم يتدخّل أحد.»
توقف.
«إذا ماتوا — ديل سيفقد نصف مجموعته. سيضعف. سيتباطأ. أو سيلومني لأنني وقفت أشاهد. في كلتا الحالتين سأفقد المجموعة. والمجموعة هي الطريقة الوحيدة للوصول إلى رماد السقوط حياً.»
توقف مرة أخرى.
«...إذن. يجب أن أفعل شيئاً.»
ليست شجاعة. لم تكن شجاعة. كانت رياضيات.
رياضيات باردة تقول إن موته المحتمل أقل تكلفة من فقدان المجموعة المؤكد.
هذا هو الفرق بين البطل والمحسوب: البطل يركض لأن قلبه يأمره. المحسوب يركض لأن الأرقام تقول إن الركض أرخص من الوقوف.
⁂
ركض.
ضلوعه المكسورة صرخت. تجاهلها. يده المخلوعة التي أعادها بالأمس صرخت أعلى. تجاهلها أيضاً. الألم ليس مهماً حين يكون البديل الموت.
وقف بين حارس الشقوق والجرحى.
جسد نحيل. تسعة عشر عاماً. رتبة المُشتعِل. نواة مائعة لا تحتفظ بأي شظية. بلا سلاح. بلا تقنية. بلا أي شيء يمكن أن يسمّيه العاقل «فرصة».
أمام ثلاثة أمتار من الصخر الحيّ.
«احتمال النجاة: قريب من الصفر.»
ابتسم.
«مقبول.»
⁂
حارس الشقوق توقف.
ليس من خوف — الوحوش لا تعرف الخوف. بل من ارتباك. هذا لا يحدث. الفريسة الصغيرة الضعيفة المكسورة لا تقف في طريق المفترس. هذا يخالف كل قاعدة عرفها هذا المخلوق في وجوده القصير الوحشي.
التردد دام ثانيتين.
ثانيتان كانتا كافيتين.
غريف جمع كل ما في نواته — كل ذرّة طاقة بقيت بعد أيام من الإرهاق والجوع والألم — ودفع.
ليس نحو حواس المخلوق.
ليس نحو طاقة جسده.
نحو الشقوق.
⁂
الشقوق في الأرض كانت تنبض بالطاقة — طاقة أرض خام تصعد من باطن التربة المشوّهة. وطاقة المخلوق نفسه — الخطوط البرتقالية في جسده — كانت طاقة أرض أيضاً.
لكن رنينهما مختلف.
الشقوق رنينها أقلّ — أبطأ — كنفَس نائم. المخلوق رنينه أعلى — أسرع — كقلب يركض. الفرق بينهما أكبر من نصف درجة.
في هذا العالم، هذا يعني شيئاً واحداً: غير متوافقتين. لا تتفاعلان. كل طاقة في مسارها ولا تمسّ الأخرى. هكذا تعمل القوانين. هكذا عملت منذ الكشف الأعظم.
غريف لم يكن يحترم القوانين.
⁂
نواته المائعة فعلت ما تفعله دائماً.
أذابت الحدود.
لم يفهم كيف. لم يخطط لذلك بدقة. جسده فعلها — أو نواته — قبل أن يدرك عقله ما يحدث. التشويش خرج منه ليس كموجة واحدة كالمرات السابقة، بل كجسر. خيط غير مرئي يربط بين رنين الشقوق ورنين المخلوق.
وأجبرهما على التفاعل.
الطاقة التي لا يمكن أن تتفاعل — تفاعلت.
الرنين المنخفض لمس الرنين المرتفع. والنواة المائعة كانت الوسيط. المُذيب. الشيء الذي لا يحتفظ بالحدود لأنه — ببساطة — لا يعرف أن الحدود موجودة.
⁂
النتيجة كانت عنيفة.
الأرض تحت حارس الشقوق انفجرت.
ليس انفجاراً نارياً — انفجار أرضيّ. أسنان من الحجر طعنت من الشقوق بسرعة مرعبة واخترقت ساقي المخلوق من الأسفل. طاقة الشقوق — التي كان يتحكم بها — تمردت عليه. استخدمت رنينه المختلف كوقود ورنينها هي كقالب.
أسنان حجرية. في ساقيه. من الأرض التي كان يظنها ملكه.
سلاحه أصبح سجنه.
حارس الشقوق أصدر صوتاً لم يسمعه غريف من قبل — صوت حجر يُطحن من الداخل. ألم؟ غضب؟ دهشة؟ هل تشعر الوحوش بالدهشة حين تخونها أدواتها؟
لا يعرف. لا يهمّه.
المخلوق سقط على ركبتيه. الأسنان الحجرية لم تقتله — لكنها أوقفته. ثبّتته في مكانه كسلاسل من الصخر.
لم يكن كافياً. سيتحرر. دقيقة ربما. أقل.
لكن —
⁂
ديل كان هناك.
بذراع واحدة. بعينين لم يرَ فيهما غريف الألم الذي ينبغي أن يكون — بل شيئاً آخر. شيئاً قديماً ومألوفاً لدى الرجال الذين قاتلوا أكثر مما ينبغي لأي رجل.
رمحه في يده اليمنى — الوحيدة التي تعمل — مغروس في الشقّ الذي فتحته سابل في كتف المخلوق. الشقّ الذي لم يكن كافياً وحده.
الآن كان كافياً.
الرمح اخترق الصخر المتشقق. تعمّق. وصل لشيء في الداخل — شيء ينبض ويتوهج. نواة المخلوق ربما. أو ما يحلّ محلها في هذه الكائنات المستحيلة.
حارس الشقوق تجمّد. الخطوط البرتقالية في جسده خفتت. واحداً تلو الآخر. ببطء. كأن شخصاً يُطفئ شموعاً في معبد مهجور.
ثم سقط.
ثلاثة أمتار من الصخر الميت ارتطمت بالأرض. الاهتزاز وصل لعظام غريف. وصل لأسنانه. وصل لشيء خلف عظامه وأسنانه — شيء في النواة نفسها ارتعش ثم سكن.
صمت.
الصمت بعد المعركة يختلف عن الصمت قبلها. صمت ما قبل المعركة مليء بالتوقع. صمت ما بعدها مليء بالسؤال الذي لا يسأله أحد بصوت عالٍ: هل انتهى فعلاً؟
انتهى.
⁂
نظر الجميع إليه.
ديل. فِن — الذي استيقظ أخيراً ويمسك رأسه بيد مرتعشة. الصيّادان. حتى الجرحى رفعوا رؤوسهم.
وسابل. عيناها الفضيتان ثابتتان عليه كنصلين.
«ما الذي فعلته؟» سأل ديل.
صوته لم يكن مُعجباً. كان حذراً. صوت رجل رأى شيئاً لا يفهمه — ولا يحبّ ألّا يفهم.
غريف نظر ليديه.
كانتا تنزفان. ليس من جرح — من كل مسام. دم رقيق يتسرب كأن الجلد قرر أن يبكي. علامة الإرهاق المطلق للنواة. دفع كل ما يملك — وأكثر مما يملك. والجسد يدفع الثمن.
«لا أعرف بعد.»
نصف كذبة. يعرف ماذا فعل. لا يعرف كيف. ولا لماذا نجح.
⁂
«أجبرت رنينين مختلفين على التفاعل. طاقة الشقوق وطاقة المخلوق. غير متوافقتين — الفرق بين رنينيهما أكبر مما يسمح بالتفاعل. أجبرتهما. والنتيجة: الطاقة التي كان يتحكم بها انقلبت عليه وهاجمته.»
توقف.
«النواة المائعة لا تحتفظ بالشظايا. لأنها تُذيبها. والذوبان يعني أن الحدود بين الأنواع تختفي داخلها. وإذا لم تكن هناك حدود...»
توقف مرة أخرى. ليس من تردد — من ثقل الفكرة.
«...يمكنني أن أخلط أي شيء مع أي شيء.»
شيء تحرّك في صدره. ليس الألم هذه المرة.
«العيب ليس عيباً. إنه وظيفة. وظيفة لم يعرفها أحد من قبل. لأن كل من وُلد بنواة مائعة قبلي — مات أو طُرد قبل أن يكون أحمق بما يكفي ليجرّب.»
⁂
سقط على ركبتيه. الإرهاق ضربه كموجة تأخرت. يداه ترتعشان. الدم لا يزال يتسرّب من مسامه. ضلوعه صرخت أخيراً — قمعها طوال المعركة لكنها الآن تطالب بحقّها كدائنٍ صبر طويلاً.
ديل اقترب. مدّ يده — اليمنى، الوحيدة التي تعمل.
«اتّكئ عليّ.»
لم يكن أمراً. كان عرضاً. يد ممدودة بلا شرط.
«لماذا يساعدني؟ أنقذت الجرحى لأنني أحتاج المجموعة. هذا حساب. هو يمدّ يده لأنه يريد ذلك. لا رقم. لا معادلة. مجرد رجل يساعد رجلاً آخر لأنه يظن أن هذا هو الصواب.»
غريف لم يمسك يده.
وقف بنفسه. ببطء. بألم يكاد يُعميه. لكن بنفسه.
ديل لم يعلّق. سحب يده. أومأ برأسه إيماءة قصيرة.
فهم. أو على الأقل — قَبِل.
⁂
في المساء، بينما الآخرون ينامون — نوم المنهكين الذي يشبه الموت ولا يُشبع — فتح غريف دفتره.
في صفحة جديدة، بيد لا تزال ترتعش، كتب عنواناً واحداً بأكبر خطّ استطاعته أصابعه المرهقة:
«التداخل»
ثم تحته:
«إجبار رنينين متعارضين على التفاعل. النواة المائعة تُذيب الحدود بينهما. كل ما يحتاجه: مصدران للطاقة بأي نوع — ونواتي كجسر بينهما. النتيجة: ما لا يمكن لأحد أن يتوقعه. حتى أنا.»
رسم خطاً.
«ملاحظة أولى: لا أحد في هذا العالم يستطيع فعل هذا. لأن لا أحد يملك نواة مائعة. ولأن كل من وُلد بنواة مائعة قبلي — اعتبروه معيباً وتخلّصوا منه قبل أن يكتشف.»
رسم خطاً آخر.
«ملاحظة ثانية: عشيرة العاصفة طردتني لأن نواتي لا تعمل. نواتي تعمل. لكنها لا تعمل مثل نوى الآخرين. تعمل بطريقة لم يعرفها أحد — لأن لا أحد نظر.»
رسم خطاً ثالثاً.
«ملاحظة أخيرة: ألف وثمانية عشر فشلاً في قلعة العاصفة. ثمانية عشر فشلاً في الأراضي المشوّهة. وتداخل واحد.»
أغلق الدفتر. ضغطه على صدره. الغلاف البارد لمس القلب الذي ينبض خلف الضلوع المكسورة.
للحظة واحدة — لحظة فقط — ارتفعت زاوية فمه.
ليست ابتسامة. أقل من ابتسامة. أثر ابتسامة. شيء خفيّ لا يراه أحد ولا يُراد له أن يُرى.
ثم اختفى.
«العوائد مقبولة.»
⁂
على بعد عشرة أمتار، في الظلام الذي لا ينتهي، عينان فضيتان راقبتاه وهو يكتب.
سابل لم تنم تلك الليلة أيضاً.
لكن هذه المرة — لأول مرة — لم تكن تراقبه بحذر فحسب.
كانت تراقبه باهتمام.