الفصل 106: التوازن

---

في صدام كارثي، التقت الكاتانا بالمنجل بقوة مدمرة. تردد رنين الفولاذ المصطدم بالفولاذ كالرعد عبر ساحة المعركة الخضراء. انفجرت شرارة من الشرر لحظة التلامس، فقط لتُبتلع فوراً بموجة الصدمة المتالية.

اخترق رنين معدني مدوٍ نسيج الصوت نفسه، وكأن الواقع يكافح لتسجيل سرعتهما. نحت مبارزتهما الهواء، تاركين وراءهما أقواساً من النية الحادة، آثاراً مرئية من إرادة القتل.

كل ضربة أطلقت موجات صدمة ارتجاجية كسرت الحجر واقتلعت الأشجار، عاصفة من الدمار وُلدت من غضبهما. تحركا كتجسيد للغضب، وحشية ومميتة.

خنق ثقل معركتهما الهواء، كثيف برائحة الموت المحدقة. امتد بينهما فراغ، صامت، مطلق، لا يملؤه إلا الفولاذ المتلألئ والقوة الساحقة. خطوة خاطئة، نفس واحد يخرج عن الإيقاع، وسينتهي الصدام بانفجار دم.

ومع ذلك، تحركا، بلا هوادة، كل قطع وشق يمزق الوجود نفسه، وكأنه يعيد كتابة نسيج الواقع مع كل ضربة.

قطع واجه شقاً.

شق تصادم بشق.

شق اصطدم بقطع.

تقنية تصادمت بتقنية.

شبحان من الحركة.

نذيران من الدمار.

تجسدان للجنون.

كائنان صيغا في قمة الوجود.

في غضون ثوانٍ معدودة، تبادل الملايين من الضربات، كل ضربة موجهة بدقة قاتلة نحو النقاط الحيوية: القلب، العينان، الدماغ، الكبد، الكاحلان.

لا شيء كان محظوراً. لكن كل هجوم قوبل بصد مثالي، كل تصدٍ يتدفق بتناغم مذهل، وكأنهما انعكاس لبعضهما، توأمان في الروح، ولدتهما أمهات مختلفات.

شقت الأشكال الهواء، متحركة بعيداً عن متناول الواقع، سريعة جداً لدرجة أن الزمن نفسه لا يستطيع قياسها. حتى سرعة الصوت كانت مقياساً ضعيفاً، غير كافٍ لالتقاط السرعة التي قطعا بها كيلومترات شاسعة في أقل من طرفة عين.

في ثوانٍ معدودة، تحولت غابة بأكملها، تمتد لأكثر من ألف كيلومتر، إلى خراب. كانت الأرض في حالة دمار، مع دخان ورماد يتصاعدان كأرواح نائحة، محجبين السماء ومعيقين أي محاولة للإدراك.

لكن داخل الفوضى الدوامة، تصادما دون تردد. التقت الشفرات في رقصة شرسة لدرجة أنها بدت حميمية، كعشاق غسيداء يتحدون من خلال العنف. خطوط من الأسود والأزرق شقت الفراغ، محية كل الألوان الأخرى، وكأن العالم نفسه قد استسلم لسيطرتهما.

بدوي مدوٍ، اختفى الشكلان في ومضة واحدة، والواقع نفسه عاجز عن تتبع حركتهما، مع انتقال معركتهما إلى ساحة جديدة: المحيط اللامحدود.

في حركة واحدة انسيابية، قطع المنجل الهواء. انهارت الريح تحت ضغطه الساحق، منحنية في خضوع قبل أن تزأر شفرة هلالية مدمرة من الهواء المضغوط إلى الوجود. اندفعت بنية قاتلة، خام، غير مفلتر، لا يمكن إيقافه.

لا تقنية.

لا أسترا.

لا قدرة.

مجرد قوة جسدية بحتة، قوة هائلة لدرجة أنها هددت بإعادة كتابة قوانين كرايمورا نفسها.

صرخ الغلاف الجوي بينما اندفعت شفرة الريح عبر المحيط، شاقة المحيط بأكمله إلى نصفين بدقة جراحية. انفصل الماء بعنف، مشكلاً وادياً من الغضب السائل تحت السماء.

لكن الكاتانا رفضت أن يطغى عليها.

في منتصف التأرجح، اختفت في ضبابية، وفي أعقابها، انحنى الريح مجدداً، هذه المرة بخشوع. اندفعت قوة ثانية إلى الأمام، بنفس العناد، واعدة بدمار ينافس الحكام.

بتصادم جنوني، التقى قطعا الريح التوأمان، متقاطعين في منتصف الهواء، مشكلين شكلاً صليبياً مضيئاً شق الفضاء.

وبعدئذ ـ الاصطدام.

ابتلع العالم في بياض ساطع. تبعه دوي مدوٍ بينما ارتفعت تسونامي هائلة، شاهقة بغضب سماوي، وكأن المحيط بأكمله سعى لابتلاع الإمبراطورية في انتقام. أُغلقت مياه المحيط المنشقة بقوة هائلة، منطوية على نفسها بعنف.

كانت الأعقاب كارثية.

اغمق لون المحيط، ملطخاً بالفوضى والموت. عدد لا يحصى من المخلوقات، الوحوش، والبهائم، والأسماك على حد سواء، مُزقت إلى العدم، وأشكالها عاجزة عن تحمل القوة الخام غير المقدسة التي أُطلقت في تلك اللحظة العابرة.

حتى التسونامي الصاعد لم يستطع إيقاف تصادمهما. اندفعا برأسهما في المد المتدفق، وأشكالهما تختفي في الهاوية المتلاطمة.

تحت الأمواج الجبلية، تصادما مجدداً، منزلقين بسهولة عبر سطح المحيط، وكأن قوانين الطفو والتوازن قد جُردت من الوجود. في تلك اللحظة، حتى مبدأ أرخميدس لم يعد له معنى.

بقطعتين دقيقتين، شُق المحيط، ليس عمودياً فحسب، بل أفقياً أيضاً، مقطوعاً في اتجاهين كرق بين تحت شفرة.

وبعدئذ حدث.

لم يعد قاع البحر، الذي طالما تعرض للضغط تحت ثقل المياه أعلاه، قادراً على التحمل. انهار، أساس قديم استسلم. بسقوطه، زأر المحيط بقوة بدائية، لم يعد محتجزاً بحدود حوضه.

اندفع إلى الخارج في مد غاضب، ساعياً لإغراق العالم الذي كان يقف بأمان بعيداً عن متناوله.

لكن مالريك وأورفاك لم يهتما.

لم يعد للعالم معنى.

لا السماء، ولا المحيط، ولا العالم المتفتت من حولهما.

فقط خصمهما كان مهماً. فقط الصدام.

فقط الكاتانا. فقط المنجل.

فقط هذه اللحظة، هذا التبادل المقدس، لا شيء آخر.

بدوي يصم الآذان، غاص المحاربان تحت الأمواج. لكن حتى وهما مغموران، تحركا وكأنهما ولدا من المحيط، شاقين الأعماق الساحقة وكأن الماء لا يقدم أي مقاومة على الإطلاق.

تصادمت أسلحتهما في وابل من الحركة، بلا هوادة ودقيقة، غير متأثرة بثقل الأعماق. غنى الفولاذ متحدياً الضغط، والصوت، والمنطق.

انطلقا عبر المحيط بسرعة مستحيلة، أسرع من أي مخلوق عرف المحيط قط. حتى الوحوش العملاقة كانت ستبدو ساكنة بالمقارنة.

تحطمت أقدامهما على قاع البحر بقوة زلزالية. انهار قاع المحيط المتصدع بالفعل تماماً، متحولاً إلى حفرة هائلة، فراغ متثائب سحب المياه المحيطة كفم الهاوية.

اشتد ضغط الأعماق، مثقلاً على مالريك وأورفاك كوزن عالم يحتضر. لكن حركاتهما لم تتردد. لم تتباطأ شفراتهما. ولا للحظة. ولا لنفس.

بتصادم مدوٍ آخر، عاصفة مزورة من الفولاذ، تحرك الماء ضمن دائرة نصف قطرها عشرون كيلومتراً بعنف، وكأنه تبخر بالقوة الهائلة لتصادمهما. للحظة عابرة، اختفى المحيط، مقشوراً بالطاقة الساحقة التي اندفعت بينهما.

كشف قاع المحيط نفسه مجدداً تحت الفوضى، لكن قبل أن يستعيد صمته، تحطمت كاتانا بدقة مرعبة. قطعت قاع البحر، ليس التضاريس المدمرة بالفعل، بل الأساس الذي تحته، شاقة عظام المحيط إلى اثنين.

اختفى أورفاك ومالريك مجدداً، تاركين وراءهما ما كان يوماً محيطاً جميلاً، تحول الآن إلى خراب، مجرداً من الحياة والشكل، دون تفكير ثان.

ظهر شكلاهما مجدداً في الأعلى، معلقين في منتصف الهواء، ضبابية حركة مع اندلاع وابل من الهجمات بينهما. وجدت أقدامهما توازناً مثالياً فوق سحابة طافية، معالجين البخار كأرض صلبة.

لم يتوقف أي منهما للتنفس.

لم يخصص أي منهما فكرة.

تحركا بسهولة خارقة، شفراتهما ترقص أسرع مما تستطيع العين تتبعه، بينما السحابة المرتجفة تحتهما تكافح لتحمل ثقل الحكام.

فوقهما، أغرق القمر السماء في شلال من الضوء الفضي، وكأنه يبتسم للصدام، مباركاً إياه بسكون مقدس.

قاتلا كتجسيد لحروب منسية، أصداء معارك قديمة تولد من جديد في لحم وغضب. مزقت أسلحتهما الهواء، كل ضربة بيت في ترنيمة عنيفة، كل حركة تتحدى قوانين الحرب.

لم يكونا رجلين.

كانا عواصف.

زوابع جُسدت، محصورة في رقصة إبادة.

حمل مبارزتهما ثقل التاريخ نفسه، كل ضربة تصادم للماضي والحاضر، كل صدام صدى لإمبراطوريات ضائعة وأساطير مدفونة.

قطعت شفراتهما الريح، وقطعت السحب، وشقت حتى نسيج الفضاء الذي تجرأ على الوجود بينهما. لم يقاتلا من أجل المجد، ولا من أجل الغزو.

قاتلا من أجل اليقين المطلق، من أجل الحقيقة التي لا يمكن إنكارها والمكتوبة في صدام الفولاذ.

وبعدئذ، السحابة، المثقلة بوزن لا تستطيع حتى المحيطات حمله، استسلمت أخيراً. انهارت، متحللة إلى أمطار.

لكن أورفاك ومالريك كانا قد رحلا بالفعل. اندفعت أجسادهما إلى الأمام، متجهة نحو السحابة التالية في مسارهما الحربي اللامتناهي عبر السماوات.

بدا متساويين، قوتان محصورتان في تناظر تام، وكأن المعركة نفسها تطفو في توازن دقيق.

لكن مثل هذا التوازن لا يمكن أن يدوم.

لا سلام في هذه العاصفة.

[ بترجمة زيوس، قناتي تليجرام لنشر احدث اخبار هذه الرواية ومواعد تنزيل فصولها: @mn38k ]

لا بد أن يسقط أحدهما. لا بد أن يرتفع الآخر. لا بد أن يعيش أحدهما.

2026/08/09 · 3 مشاهدة · 1128 كلمة
ZEUS
نادي الروايات - 2026