الفصل 553: الجنون الستة
وبإلقاء نظرة أخيرة على الغرفة، استدار إيثار ومشى مبتعدًا بتعبير هادئ لم يفضح ما رآه للتو. وباختراقه الغرفة، ألقى إيثار نظرة على الباب الآخر في الأمام، وتضاربت تخيلاته في ذهنه، يتساءل عما قد يكون هناك، لم يكن يعلم، فهؤلاء كان لديهم أعضاء بشر، وأعضاء إيموفيراي، فماذا بعد؟ أعضاء حيوانات؟ وحوش؟ وحوش؟ ظل السؤال يتردد في ذهنه، ليس خوفًا، بل فضولًا باردًا، إذ أدرك أن ما ينتظره لن يكون إلا أكثر إزعاجًا وغير طبيعي.
لم يعرف إيثار الجواب، لكن أفكاره لم تمنعه من التقدم، فالرؤية هي السبيل الوحيد للمعرفة، لا التخمين. وصل إلى الباب الثالث، وحتى دون دخوله، كان إيثار قد أحس بوجودات عدة، بعضها يختبئ في الظلال وكأنه يحرس ما في الغرفة.
"لم أستطع قراءة رتبة الحياة لهؤلاء المختبئين في الظلال لأنهم لا يطلقون أي حضور"، فكّر إيثار في نفسه، ثم هزّ رأسه. اخترق الغرفة بفكر وذهن هادئين، إذ كان مستعدًا لرؤية أفظع ما يمكن أن يتصوره. ظلت عواطفه مكبوتة، وأفكاره ثابتة، وأنفاسه منتظمة، وهو يعد نفسه لأي حقيقة وراء العتبة، عالمًا أن التردد لا يجدي نفعًا.
وبمجرد دخوله، كان أول ما استقبل عينيه أضواء بيضاء ساطعة، على عكس الغرف الأخرى التي كانت إما مضاءة بشكل خافت أو ساطعة باعتدال، كانت هذه ساطعة للغاية. سيطر السطوع على الغرفة تمامًا، ومحا أي ظل أو تمويه. لم يغط إيثار عينيه، فالضوء لم يؤثر عليه شيئًا.
كان إحساسه النجمي يمسح الغرفة قبل أن يدخلها، لكن ما أن وطئت قدماه بالكامل، حتى ارتطمت بأذنيه صرخة حادة، عالية، عميقة، مجنونة، مدوية. لم تكن صرخة واحدة فقط، بل كانت حوالي ثلاث صرخات مختلفة تتداخل مع بعضها، حيث صرخ الثلاثة طالبين الرحمة. كانت صرخاتهم خامًا، يائسة، مليئة بالألم والرعب، تكشف عن معاناة دون قيد أو ستر.
كان أمام إيثار مشهد جعل معدته تضطسيد. كان المشهد ببساطة دمويًا جدًا، بدت الغرفة كمختبر، وداولات مختلفة موزعة في أرجاء الغرفة، كلها مرتفعة، وعلى ثلاث من هذه الداولات، كان يمكن رؤية إنسان مسيدوطًا عاريًا عليها، كانوا أحياء، مستيقظين، عراة، أعينهم مفتوحة على مصراعيها. كانت أجسادهم ترتجف قليلاً، وعضلاتهم مشدودة، وأنفاسهم غير منتظمة، وخوفهم واضح، وعجزهم مؤكد.
كان في هذه الغرفة ستة أشخاص، بالإضافة إلى المسيدوطين على الداولات، أربعة رجال وامرأتان، كل منهم يرتدي ما يشبه المعطف الطبي الأبيض، وقد رتب هؤلاء الستة أنفسهم جيدًا، اثنان لكل شخص مسيدوط على طاولة. كانت حركاتهم هادئة، دقيقة، مسيطر عليها، وكأن ما يفعلونه روتيني، مألوف، وطبيعي تمامًا بالنسبة لهم.
على الجانب، كانت هناك جثث الموتى، جثث المقتولين، مكومة على جانب الغرفة، والدم يتجمع تحت الجثث وينتشر على أرضية المختبر، لكن ذلك لم يبدُ مزعجًا لهؤلاء الستة.
كان للهواء رائحة دم معدنية قوية، شعر إيثار وكأن أنفه ولسانه وحلقه على وشك الانفجار. كانت الرائحة طاغية، خانقة، غازية، تملأ الهواء بالكامل، وتستبدل النضارة بالعفن.
هو الذي قتل المئات من قبل، لم يستطع حتى تحمل رائحة الدم في هذه الغرفة، فقد حلت الرائحة محل الأكسجين تمامًا. كانت مفرطة، غير طبيعية، وطاغية، تتجاوز بكثير ما يجب أن يوجد عادة.
"لا... لا... من فضلك... لدي ابن... زوجة... من فضلك... لا تقتلني"، توسل أحد المسيدوطين على الطاولة، وهو رجل، بصوت مبحوح، والدموع تنهمر من عينيه. كان صوته يرتجف من اليأس، وكلماته هشة، وأمله يتلاشى، ومع ذلك استمر في التوسل، متعلقًا بالحياة.
امرأة كانت مسيدوطة أيضًا على طاولة أخرى، بكت حتى جفت عيناها وهي تصرخ محاولة تحرير نفسها من الأسيدطة التي تثبتها على الطاولة، لكن ذلك كان عبثًا، إذ لا معنى لمقاومتها. كانت قوتها غير كافية، ومقاومتها غير مجدية، ومصيرها محسومًا.
أما الضحية الأخيرة في الغرفة، فكان فتى لا يبدو أكبر من إيثار، مسيدوطًا أيضًا بإحكام، وهو يكافح ويصرخ بأعلى صوته. لكن الستة الموجودين في هذه الغرفة لم يترددوا حتى أمام صراخهم، بل حدقوا فيهم بابتسامات عريضة، وضحك أحدهم بصوت عالٍ، وهم جميعًا يجدون متعة وسرورًا في صراخهم. كشفت ردود فعلهم عن استمتاع، ورضا، وافتتان مقلق.
"صراخك يزيد الأمر متعة فقط، آه... أظنني أصبحت مبتلة"، قالت إحدى المرأتين، وهي تمسك بالرجل المسيدوط على الطاولة أمامها وكأن صراخه يمنحها إشباعًا جنسيًا، "اصرخ أكثر، أنا على وشك الوصول إلى الذروة... آه، نعم، أَعْلَى"، صرخت وكأنها تبلغ النشوة، ووجهها مليء بالمتعة المزعجة.
وعلى الجانب الآخر، حدق أحد الرجال الستة في المرأة أمامه بابتسامة عريضة، "لا تقلقي، عندما أنتهي منك، ستكونين حرة، ستنضمين إلى النجوم، ستتحولين ولن تعدي مقيدة بهذه الحياة".
كان كل من هؤلاء الجنون الستة يجدون أنواعًا مختلفة من المتعة المريضة والمنحرفة من الصرخات والتعابير المرعبة لمن على الداولات. كان تركيزهم مطلقًا، واستمتاعهم واضحًا، وأفعالهم متعمدة.
ثم بابتسامة عريضة، بدأت المرأة الثانية من الستة، تشكلت طاقة الأسترا في يدها، متخذة شكل مشرط، وبهذا، غرزت بلطف في بطن الفتى المستلقي على الطاولة أمامها، وأحدثت شقًا طويلاً من أسفل بطنه إلى صدره. كانت حركاتها حذرة، مسيطر عليها، ومتعمدة، تظهر دقة وألفة.
صرخ الفتى بينما انفجر الألم في ذهنه، وذهنه يكاد ينهار وهو يشعر بكل ألم، لم يكن هناك تخدير أو أي شكل من المخدرات لتخفيف الألم. علاوة على ذلك، لماذا يجب على هؤلاء الستة أن يعطوه إياه، فهم يستمتعون بصراخه بعد كل شيء. كانت معاناته متعمدة، وألمه مرغوبًا، وعذابه ضروريًا لإرضائهم.
تطاير الدم على المعطف الأبيض الذي كانت ترتديه المرأة، لكنها لم تتوقف، انحنت طاقة الأسترا تحت سيطرتها الماهرة، مشكلة أداة سحب أبعدت اللحم. أدخلت يدها في جسد الفتى، وتلطخت يدها المغطاة بالقفاز بالدم، فرفعت يدها نحو الضوء الساطع ونظرت إلى يدها الملطخة بالدم بخشوع وافتتان، وكأن الدم يحمل شيئًا أكثر، شيئًا أعمق لا تفهمه إلا هي.
ثم رفعت يدها إلى شفتيها ولعقت الدم كما لو كانت مصاصة دماء، وارتجف جسدها لحظة تذوقها له، وبرقت عيناها وكأنها لمست إكسير الحياة. كشف رد فعلها عن هوس، وإدمان، وإشباع مقلق.
لم تتوقف، بل أدخلت يدها في جسد الفتى مجددًا، لكن هذه المرة، يداها كلتاهما، رقصتا بين أعضائه المتراصة بإحكام، وهي تحاول الحصول على أكبر قدر ممكن من الدم، ثم رفعت يدها مجددًا فوق رأسها نحو الضوء الساطع، وكأنها تقدم قسيدانًا لكائن غير مرئي. كانت أفعالها موقرة، متعمدة، وهوسية.
ثم لعقت كل قطرة دم من قفازها باندفاع، وكأنها مدمنة ولا تستطيع الاكتفاء منه، وبدا أن صراخ الفتى على الطاولة أمامها جعل طعم الدم أكثر حلاوة ولذة، مما عزز استمتاعها المزعج ورضاها.
[بترجمة زيوس، قناتي تليجرام لنشر احدث اخبار هذه الرواية ومواعد تنزيل فصولها: @mn38k]