الفصل 588: الفصل 588
[ تر بترجمة زيوس، قناتي تليجرام لنشر احدث اخبار هذه الرواية ومواعد تنزيل فصولها: @mn38k ]
________________________________________
كان ديبرو مشلولاً عن الكلام حين سمع اسم إيثار الحقيقي. 'وارغريف'، تردد في ذهنه، ووقع تلك الكلمات يثقل في وعيه، ويتردد كأن له إرادة مستقلة بذاته.
لم يجرؤ على الظن بأن إيثار يكذب مجدداً، إذ إن أي إنسان يفضل انتحال صفة الإمبراطور على أن ينسب نفسه إلى وارغريف، لأن عواقب مثل هذا الادعاء الكاذب أفظع من الموت نفسه.
ظل ديبرو صامتاً، لم ينبس ببنت شفة، والصمت بينه وبين إيثار بات كثيفاً يكاد يكون محسوساً. ورغم حبه لإيثار، لم يستطع إلا أن يسأل نفسه إن كان حبه قادراً على احتمال ثقل عائلة وارغريف، ذلك النسب الذي يقف فوق حدود العقل.
مرت في ذهنه صورة الدوق نفسه، أزيرون وارغريف، الرجل الذي لا ينازعه أحد في مكانته، من يخافه الناس وترتجف قلوبهم لمجرد سماع اسمه، وكأن وجوده كارثة بحد ذاته.
ثم هناك الشمس الأول، مالريك، الذي تشير الشائعات إلى أنه أصبح الآن أقوى من والده الدوق نفسه، وجود يتحدى حدود الأجيال.
ووثينيا، القمر الثاني، التي تتحرك بخطر يفوق أي قاتل، ويقال إن حضورها هو الموت بعينه. ثم التوأمان الشمس الثالث والقمر الثالث، اللذان يكفي تآزرهما وحدهما لإعادة كتابة قواعد المعركة.
وكلما فكر ديبرو في كل شمس وقمر على حدة، ازداد الصمت بينه وبين إيثار امتداداً، وأصبح خانقاً، وكأن الواقع نفسه يحثه على التراجع.
أي من هؤلاء يمكنه إنهاؤه في أي لحظة؛ ولن يتمكن حتى من ملاحظة الهجوم قبل أن يُمحى. أكان يستطيع حقاً أن يقف أمام هؤلاء الناس ويعلن حبه لأحد أفرادهم؟ لم يحتج حتى إلى التفكير كثيراً ليدرك أنه بمجرد أن ينطق بأي كلمة كهذه، سيُمحى هو وكل من له صلة به من كرايمورا دون أثر، ودون حتى رحمة التذكير.
قبضت قبضته، وعزيمة تتقد في داخله بينما وجه نظره ليُصادف عيني إيثار، المليئتين بحيرة هادئة بالكاد تخفي انزعاجه المتزايد.
ورغم أن إيثار لم يكن يعلم بالضبط ما يفكر فيه ديبرو، إلا أنه أدرك أن الرجل يتأمل أمراً مهماً، إذ شاهد وجه ديبرو يتقلب بين عدة انفعالات قبل أن يستقر على عزم ثابت، يكاد يكون يائساً.
"لدي اعتراف لك"، تحدث ديبرو فجأة، وصوته خرج واضحاً حاسماً بينما كان يحدق في إيثار، وعيناه تحملان أملاً غريباً وهشاً.
لم يتكلم إيثار، ولم يسأل عن ماهية الاعتراف. اكتفى بالتحديق في الرجل دون كلمة، وهو يعلم يقيناً أن ديبرو سيقول ما ينوي قوله في النهاية، بغض النظر عن أي استفهام.
ولما رأى ديبرو صمت إيثار، تابع: "أظن أنني واقع في حبك"، قال ديبرو دون أن يخفي أفكاره أو مشاعره، وصوته ثابت رغم ثقل كلماته.
وحين وصلت كلمات ديبرو إلى مسامع إيثار وعقله، تجمد جسده وأفكاره في ذهول تام. لم يصدق ما سمعه؛ هو الذي يمتلك سيطرة ملحوظة على تعابير وجهه، شعر بأن تلك السيطرة تفلت منه في تلك اللحظة، ولو للحظات.
فكر إيثار في أشياء كثيرة كان يمكن أن تحدث بينه وبين ديبرو، لكن ليس هذا، أبداً هذا.
نعم، كان يدرك رغبات ديبرو المريضة والمنحرفة، لكن الحب؟ كيف نما ديبرو هذا الشعور في غضون ساعات معدودة، لم يعرف إيثار، ولا رغب في الفهم. لكن قبل أن يتكلم، واصل ديبرو حديثه. فكرجل في رتبة نجم مائج، لم يكن الخجل أو إخفاء الأفكار من طبعه، لذا شعر بالجرأة وتابع حديثه دون تحفظ.
"نعم، أعلم أنك أوقعتني في وهم، أعلم أنه لم يكن حقيقياً، كان كله زائفاً"، قال بنبرة هادئة، نقيضة لشدة انفعالاته، "لكن... تلك اللحظات داخل الوهم كانت أجمل أوقات حياتي. حتى حريمي لا يستطيع إثارة مشاعر نقية كهذه فيّ. منذ ذلك الحين، منذ انكسر الوهم، لم أفكر إلا بك أنت وحدك. لقد استحوذت على عقلي وروحي يا إيثار وارغريف"، قال ديبرو وعيناه مثبتتان على إيثار بتركيز لا يتزعزع.
ظل إيثار صامتاً وهو يحدق في الرجل أمامه. 'أي زبالة مريضة هذا؟' تساءل إيثار في نفسه، وعقله ينكمش للحظات من سخافة الموقف.
هل كان شخص تجاوز القرن من العمر حقاً يعلن حبه لشخص بالكاد بلغ الثامنة عشرة من عمره؟ رجل عجوز يفكر في التملك على شاب صغير لم يخطُ إلا خطواته الأولى في مرحلة الرشد، لا، إنه أمر يتجاوز حدود الإزعاج.
ارتدى وجه إيثار أعمق عبوس عرفه في حياتيه، كإيثان وكإيثار، إذ وجد نفسه عاجزاً تماماً عن الكلام أمام ذلك الرجل، وهو أمر نادر الحدوث لشخص مثله.
"ما رأيك يا إيثار وارغريف؟ أنا مستعد للوقوف معك حتى الن—"، بدأ ديبرو يتحدث مجدداً، لكن هذه المرة قاطعه إيثار بنبرة حادة واضحة.
"لا!"، قال كلمة واحدة، وصوته سريع وجاف، ينقل أفكاره دون أي مجال للبس، ودون أدنى قدر من الغموض.
توقف ديبرو وهو يحدق في إيثار. ارتسمت ابتسامة خافتة على شفتيه وهو يتحدث بنبرة هادئة، تكاد تبدو منفصلة عن الواقع، "لا بأس. الحب يحتاج وقتاً ليزهر بين شخصين. ففي النهاية، من الصعب أن يقع شخصان في الحب من النظرة الأولى فوراً"، قال وكأنه يفهم مفهوم الحب أفضل من أي إنسان حي.
اختفى عبوس إيثار أخيراً ليعود وجهه إلى حالته الخالية من التعبير المعتادة. ثم تنهد، تنفيساً خفيفاً عن انزعاجه، وتحدث: "لقد سئمت الكلمات التي تخرج من فمك يا ديبرو"، بدأ، ونظره يثبت في عيني ديبرو، حاداً لا يتزعزع. "هل تحبني حقاً؟"
وسمع إيثار سؤاله، أومأ ديبرو برأسه دون تردد، إيماءة أسرع من طرفة عين، وكأنه يخشى أن أي تأخير ولو للحظة سيبطل مشاعره.
"إذاً إن كنت تحبني، فاقتل نفسك هنا والآن"، قال إيثار بنبرة لا مبالية. إن كان ديبرو قادراً على قتل نفسه، فلن يمانع إيثار في ذلك؛ فذلك سيوفر عليه عناء المعركة وضغطها.
وسمع إيثار كلماته، تجمد وجه ديبرو للحظة. ثم هز رأسه وتحدث: "لا أستطيع."
"إذاً أظن أنه ليس لدينا ما نتحدث عنه"، أضاف إيثار، ونبرته تخفض قليلاً بينما التقى بنظرة ديبرو، وصبره يتضاءل بوضوح.
"ليس عليك أن تصدقني"، بدأ ديبرو مجدداً، غير راغب في ترك المحادثة تنتهي بهذه السهولة. "عليك فقط أن تأتي معي إلى قاعدتي الشخصية، وأنا متأكد أنك ستفهم في غضون أيام قليلة"، قال بابتسامة تحمل في طياتها ما هو أكثر شراً من المودة.
"أظن أنك ستأخذني بالقوة إذاً"، رد إيثار بلا مبالاة، وحواسه تبلغ ذروتها بينما يستعد للتصعيد المحتوم.
"لا تجعلني أسحبك يا إيثار. قد تكون وارغريفياً، لكنك ما زلت في رتبة نجم سريع، بينما أنا في رتبة نجم مائج، فرق رتبتين رئيسيتين، هوة سحيقة. حتى وارغريف، المشهورين بموهبتهم الجسدية والقتالية وبراعتهم، لا يمكنهم سد هذه الفجوة في هذا المستوى"، قال ديبرو في محاولة منه لتقديم النصح لإيثار، إذ لم يكن يريد إيذاءه، رغم التناقض في نيته.