الفصل 604: رائع

تتبعت عينا إيثار ديبرو وهو ينطلق نحو السماء، وخطته لقلي الرجل حتى الموت تفشل كما فشلت خطته السابقة لبتر رأسه، والبرق المتشقق في كفه يخبو بينما يحدق في الرجل الذي يطفو الآن وينظر إليه من الأعلى بعينين مليئتين بالكراهية والغضب، والهواء بينهما كثيف بنية القتل وعزيمة لا تُلفظ.

بصفته صاحب رتبة وهج نجم مائج، كان لديبرو كبرياؤه، كبرياء صُقل بمعارك لا تحصى وانتصارات. كيف يمكن لمجرد صاحب رتبة غبار نجم سريع أن يجرحه؟ هذا ببساطة مستحيل، نتيجة تتحدى كل ما يعرفه عن القوة والتسلسل الهرمي.

قدرته على التلاعب بالاحتكاك جعلت من الصعب أصلاً أن يُجرح. في الواقع، يستطيع ديبرو أن يعد على أصابع اليد الواحدة مرات إصابته أثناء القتال، بتلك الدرجة كانت قدرته على التلاعب بالاحتكاك متقنة، وتوقيته دقيقاً بعد سنوات من القتال الذي لا ينتهي.

لكن الآن، جُرح وفوجئ بطفل استيقظ قبل أكثر من عام بقليل، حقيقة تنخر في كبريائه كجرح دائم. ورغم أن الطفل من آل وارغريف، فما زال ينبغي أن يكون مستحيلاً، وما زال ينبغي أن يكون بعيد المنال. إنه يتقدم على إيثار بمرتبتين رئيسيتين في رتب الحياة وأربع رتب فرعية... ومع ذلك... ومع ذلك... ومع ذلك...

تغلغلت الفكرة فيه ببطء شديد، تغلي تحت السطح كبركان مكبوت، لكنه لم يسمح لها أن تغيم على حكمه، إذ كان يعلم أن الغضب قد يكون سبب هلاكه في معركة بهذا الحجم.

استطاع إيثار أن يفهم ما يعانيه ديبرو، فالإحساس لم يكن غريباً عليه. إصابته للرجل لا تختلف عن إصابة صاحب رتبة نجم خافت لإيثار نفسه، الموقف سيجعله بلا شك مذهولاً ومصدوماً للغاية، ففي النهاية، ينبغي أن يكون ذلك... مستحيلاً، تناقض مع كل ما يؤمن به بشأن القوة.

رفع ديبرو يده نحو عنقه النازف وجزء من وجهه، وباستخدام قدرته على التلاعب بالاحتكاك، ازدات شدة مقاومة الهواء وحرارته حول منطقة الإصابات، فكوى الجرح فوراً لإيقاف النزيف، واللحم انغلق تحت الحرارة الشديدة، وتوقف النزيف فجأة وكأنه لم يحدث قط.

ورغم أنه لم يستطع شفاء نفسه تماماً عبر التلاعب بالاحتكاك، إلا أنه استطاع أن يفعل هذا القدر، طريقة بدائية لكنها فعّالة لتثبيت نفسه في خضم المعركة. ورغم محاولاته زيادة الاحتكاك بين خلايا دمه لأداء أعمال مثل تجديد الأطراف، إلا أنه فشل دائماً في تلك المساعي، غير قادر على محاكاة التجدد الحقيقي. لكن هذه ليست مناقشة للآن، بل لما بعدُ... إن نجا من هذه المعركة أصلاً.

حوّل عينيه السوداوين نحو إيثار وتحدث: "لقد حاولت أن تجعلني تحبك، لكنك ترفضني مراراً وتكراراً"، قالها وهو يصر على أسنانه، والهوس في عينيه لا لبس فيه، خامٌ بلا تصفية، "إن لم أستطع امتلاكك، فستموت بشفرتي، إيثار وارغريف. على الأقل بتلك الطريقة، تنتظرني في أرض الموتى بعد ألف عام من الآن"، صرّح بيقين مرعب، مؤمناً تماماً أنه، ديبرو، سيرتقي إلى رتبة نجم التاج ويعيش ألف عام بلا شك.

في اللحظة التي غادرت فيها تلك الكلمات شفتيه، أغمد ديبرو كاتاناه بحركة واحدة سلسة متعمدة، وتغيرت هيئته بأكملها فوراً، وكأن مفتاحاً قد قلِب في داخله. بدا الهواء من حوله حاداً قاطعاً، وكأن شيئاً ما قادم، شيء غير مرئي، شيء لم يُحك بعد، وكأن حساباً طال انتظاره يقتسيد، ولا شيء يستطيع إيقاف هبوطه.

شعر إيثار بقشعريرة تسري في عموده الفقري وهو يقف ساكناً، حواسه في أقصى درجات اليقظة، كل غريزة تصرخ ترقباً. ورغم أنه لم يتبق سوى دقيقة للحفاظ على شكل النجم، فهذا لا يعني أنه سيتخذ قرارات متهورة، لم ينسَ أنه يستطيع دائماً الهروب بالانتقال إلى عقار وارغريف أو غرفته في أكاديمية النجم.

لكن ذلك لن يأتي إلا بعد أن يستنفذ كل خياراته، لأنه كان يريد معركة حياة أو موت تدفعه إلى ما وراء حدوده منذ أن أنهى فترة تدريبه التي استمرت شهراً.

والآن وقد حصل عليها، كان الهروب آخر ما يفكر فيه في هذه المعركة، الخيار الأخير الذي سينظر فيه.

وهكذا، غلت نيته القتالية من حوله وهو ينتظر الكارثة التي كان ديبرو على وشك إطلاقها، وطاقة نجمه تئز بكثافة أكبر، ودرع برقه الأرجواني يتشقق بجنون فوضوي، جاعلاً إياه لا يختلف عن شيطان في هذه اللحظة بالذات، كائن وُلد للدمار.

لم يعرف ما هو قادم، لكنه سيرد في اللحظة التي يراه فيها، عقله جاهز للتكيف. النهر تحت قدميه ارتجف بخفاء، بينما الهواء حول ديبرو ارتجف بعنف أكبر، إيذاناً بوصول شيء يفوق الفهم العادي.

وبذلك، سلّ ديبرو كاتاناه وتحدث بنبرة تجمد السماء، وصوته يقطع التوتر كالنصل نفسه؛

[تقنية كاتانا الخسوف: سقوط السماء]

في اللحظة التي سمع فيها إيثار تلك الكلمات، توقف جسده بالكامل لا إرادياً، والقشعريرة التي شعر بها في عموده الفقري سابقاً وارتعاش النهر من قبل بدا وكأنهما يختفيان فوراً، بينما بقيت عيناه الأرجوانيتان مثبتتين على السماء، وتركيزه مطلق.

وفي السماء، حول ديبرو، هدأ الهواء المرتجف، وكأن ما كان قادماً قد قرر البقاء وعدم النزول بعد الآن، خالقاً لحظة من السكون المخيف. لكن في اللحظة التالية بالذات، تغيرت السماء، لا، تحولت بالكامل، لونها الأزرق الجميل محي من الوجود وأصبح الآن مصبوغاً بالفضي، لون غير طبيعي يحل محل المألوف.

عبر اتساع السماء الفضي، ظهر خط واحد من اللون نفسه، ثم آخر، ثم آخر، ثم آخر، يتضاعف بلا نهاية، ثم المزيد، والمزيد، والمزيد، عدد لا يحصى، لا يُعد، لا يُحصى في مجمله. ما بدا ككوادريليونات من خطوط السيوف الفضية ملأت السماء، محوته بالكامل، محولة الآفاق إلى لوحة من النصال.

عندما سمى ديبرو هذا الجزء من ’تقنية كاتانا الخسوف’ بـ’سقوط السماء’، لم يكن متعجرفاً في تسميته، كلا، في هذه اللحظة، بدا حقاً وكأن السماء ذاتها سقطت تحت أمر مجرد بشر، أُسقطت بإتقان مطلق وقوة طاغية.

وقف إيثار بنظرة خالية من التعبير وهو يحدق في السماء المتحولة، متأملاً المشهد أمامه. كان مبهراً، على أقل تقدير، مشهد ينسج الجمال والرعب معاً. خطوط السيوف الفضية هذه ليست كتلك التي كان ديبرو يطلقها في موجات خلال تبادلاتهما السابقة. هذه الخطوط الفضية الحالية بدت تشمل كل شيء وكل ما يعرفه عن الكاتانا، كل مبدأ، كل دقة، كل ذرة مهارة، وحبه الأقصى للنصل ذاته.

بدا وكأنه تجسيد النصل، ليس مجرد ممسك به بل مظهر لجوهره. والتقنية كانت تتويجاً ودليلاً لا يقبل الجدل على هذا التجسيد الحقيقي، إعلاناً لإتقانه.

وهو يحدق فيما بدا تقنية حقيقية، تفوق بكثير ما رآه من القتلة أو تلك التي أخذها من هيلاري الفارس، لم تخطر على بال إيثار سوى كلمة واحدة، كلمة تحمل الإعجاب والفهم معاً... رائع.

[ بترجمة زيوس، قناتي تليجرام لنشر احدث اخبار هذه الرواية ومواعد تنزيل فصولها: @mn38k ]

2026/08/09 · 0 مشاهدة · 978 كلمة
ZEUS
نادي الروايات - 2026