الفصل 603: خداع

وقف إيثار فوق مسطح الماء، نهر يجري تحته، يراقب ديبرو، وعقله يعج بتحليل كيفية تحرك الرجل ومجابهته له طوال هذه المدة، كل حركة من حركاته تعاد في ذهنه بكثافة تحليلية.

لم يتمالك إيثار نفسه فأطلق زفرة ذهنية، اعتراف صامت بالصعوبة الساحقة التي تنتصب أمامه. بدا ديبرو كخصم مثالي، سيطرته على التلاعب بالاحتكاك بالغة الدقة والكمال حتى لامست المكان نفسه، وحنت حتى الجوانب غير الملموسة من الواقع لإرادته.

لكن إيثار لم يستسلم، الوقت المتبقي في شكل نجمه دقيقتان فقط، لا يستطيع أن يطيل التفكير في إتقان عدوه أو يتردد أمام قدرة بهذه السطوة. انحدر ديبرو فوراً من السماء، وارتطم بالماء بقوة مدوية، رافعاً دفقات مائية عملاقة كأن نيزكاً قد ضرب النهر. ورغم التيار المضطسيد والأمواج الفوضوية، وقف إيثار غير مكترث، غير متزعزع، وهو يواجه اقتراب الرجل بهدوء حاد.

التقت العيون السوداء بالزرقاء، والطاقات تئز من حولهما، والهواء نفسه يهتز تحت ضغط قوتهما. في الثانية التالية، اختفيا كلاهما من مكانيهما، والماء يتمزق خلف أقدامهما بينما يندفعان للأمام، والنهر ينشق لحظياً تحت قوة تسارعهما الهائلة.

رغم علمه بقدرة ديبرو على التحكم بالاحتكاك، اندفع إيثار للأمام دون تردد، عزيمته ثابتة، وما إن اقترب حتى شعر بالسحب نفسه، المقاومة ذاتها التي تهدد بخفض سرعته إلى الصفر بينما سرعة ديبرو تتصاعد بشكل متقابل، محدثة اختلالاً هائلاً.

وعندما كادت كاتانا ديبرو أن تشق عنق إيثار، اختفى الأخير من مكانه، ليعاود الظهور في الهواء فوق ديبرو، وسيف مبارزه يهوي بسرعة، وهو يضرب بلا رحمة، توقيته دقيق وقاتل.

تجهم ديبرو إذ صرخت حواسه محذرة من الهجوم القادم، لكنه كان قد التزم بحركة سابقة، فعوّض ذلك بالتلاعب بالاحتكاك مجدداً، مستخدماً إياه لتقليص سرعة الهجوم القادم، ومحايداً زخمه في الوقت نفسه، مبطلاً التهديد بكفاءة محسوبة.

تجهم إيثار وهو يرى هجومه يفشل مجدداً، والإحباط يتصاعد، لكن لم يكن لديه وقت لذلك، إذ كان ديبرو قد لوح بيده مجدداً، وانفجار حرارة مضغوط هائل مدوٍ انطلق بأبعاد تصم الآذان، يغطي عشرات الكيلومترات بقوة مدمرة، والماء يتطاير بعنف أمام الحرارة، والبخار يتصاعد، غيوماً كثيفة تتشكل وقطرات الماء تعلق في السماء كخرزات دمار معلقة.

خلال الضباب البخاري المتصاعد، اندفع إيثار كالبرق، مقتسيداً بعزيمة جنونية، سيف مبارزه يئز نحو عنق ديبرو بنية القتل، لكن مجدداً، زاد ديبرو ببساطة مقاومة الهواء التي يشعر بها إيثار، ما أوقف سرعته فجأة، ثم أطلق هجومه محاولاً قطع إيثار من الخصر بدقة وحشية.

في اللحظة التالية، اختفى إيثار مجدداً، هذه المرة ظهر خلف ديبرو، لكنه لم يفاجئه. فقد رأى ديبرو إيثار ينتقل مكانياً عدة مرات، حتى أصبح يحس بالتموج المكاني في الموقع الجديد الذي ينتقل إليه.

وبذاك الوعي المكاني، التفت فوراً نحو موقع إيثار الجديد، وكاتاناه تهوي كمطرقة ثقيلة نحو عنق إيثار، على بعد بوصات من البتر، وعينا إيثار تتسعان من الذهول الخالص.

ومض النصر في عيني ديبرو، لكن في اللحظة التي كادت شفرته أن تغوص في لحم إيثار، ظهر إيثار آخر خلفه فوراً عبر الانتقال المكاني، سيف مبارزه يتألق بقوة قاتلة، لكن هذه المرة، لم يحس ديبرو بالتموج المكاني، كل ما أحس به كان موته المحقق، وقشعريرة تسري في عموده الفقري بينما هجوم إيثار يتجه نحو عنقه بدقة لا ترحم.

اتسعت عينا ديبرو بصدمة، لم يستطع فهم ما يراه. هناك إيثاران، لم يستوعب كيف يمكن لمثل هذا أن يكون ممكناً. لقد جعل نفسه محصناً ضد قدرات إيثار الوهمية، فكيف يرى الآن إيثارين في آن واحد، كلاهما حقيقي، كلاهما قاتل، كلاهما موجود في اللحظة ذاتها.

علاوة على ذلك، لم يستطع حتى أن يرد، إذ كان قد صب كل أفكاره وطاقته على إيثار الذي أمامه، وتركيزه منصب بالكامل، ولا مجال لتعديل. لم يكن هناك وقت للمراوغة أو استخدام قدرة الاحتكاك لتقليل الزخم والاحتكاك خلف هجوم إيثار الثاني، ولم يستطع حتى استخدام أي شكل من أشكال الانفجار سواء من التلاعب بالاحتكاك أو التلاعب بطاقة الأسترا، ببساطة لم يكن هناك وقت كاف للرد.

صرخت خبرته القتالية واتخذ قراراً في الحال، اختيارٌ وُلد من معارك لا تحصى وغريزة مصقولة. اختفت طاقة الأسترا تحت قدميه، الدعم الذي كان يسمح له بالوقوف فوق الماء تلاشى، وفي تلك اللحظة، غاص في الماء تحته، والنهر ابتلعه كله، هاسيداً من الضربة القاتلة بطريقة غير تقليدية لكنها فعّالة.

ومض سيف مبارز إيثار في الهواء، وأخطأ هدفه، لكن ليس تماماً، فرغم أن ديبرو تفادى الضربة في آخر جزء من الثانية، إلا أن سيف إيثار مزق جزءاً من عنقه ووجهه، وتطاير الدم في الهواء قبل أن يتناثر في النهر، ملونه بالحمرة للحظات.

إيثار الذي كاد ديبرو أن يقطع رأسه لم يكن سوى خدعة. في تلك اللحظة، حين تصاعد البخار من التقاء الحرارة والماء، ابتكر إيثار نسخة متماثلة ليقاتل بها ديبرو، بينما هو نفسه اختبأ تحت النهر، بعيداً عن حواس ديبرو، مختفياً بدقة. وفي اللحظة التي توجه فيها ديبرو لقتل النسخة، تحرك إيثار في تلك اللحظة بالذات، ضاسيداً بنية قتل.

ورغم أن إيثار كان بإمكانه أن يدع النسخة تزيف موته ويرخي ديبرو حذره، إلا أنه لم يعتمد على ذلك، فشخص مثل ديبرو، بخبرته القتالية، قد يكون قادراً على التمييز فوراً.

لذلك راهن إيثار على هذه اللحظة بالذات، لكنها بدت غير كافية، إذ لم يتهرب ديبرو بأي وسيلة سحرية، بل ببساطة بترك نفسه يغوص في الماء، حل بسيط لكنه عبقر، يتحدث بوضوح عن ذكائه القتالي. حقاً، محاربون من هذا المستوى ليسوا سهل القتل أبداً، وقدرتهم على التكيف تجعلهم خصوماً مرعبين.

عندما أخطأ هجومه، طقطق إيثار بلسانه انزعاجاً، والإحباط يرفرف في داخله، لكن لم يتبق لديه سوى دقيقة، لا وقت ليضيعه في الغضب أو الندم. في اللحظة التالية، هبط على الماء، والبرق الهائج ينفجر في كفه بكثافة عنيفة، وغرسه فوراً في النهر، بما أن ديبرو هناك، فليُشوى حتى الموت، محولاً المسطح المائي بأكمله إلى سلاح.

لكن في اللحظة التي كاد فيها أن يغمس يده في الماء، انطلق ديبرو من النهر، جسده يتطاير في السماء بسرعة انفجارية، كان يعلم أن إيثار يمتلك عنصر البرق، واستطاع أن يتنبأ بما سيفعله إيثار بعد ذلك رداً على غوصه في النهر.

وبدوي اختراق حاجز الصوت، صعد ديبرو إلى السماء، تاركاً وراءه رياحاً مضغوطة تتمزق، وقطرات من دمه تطايرت خلفه أثناء صعوده، كالدليل الوحيد على أن هجوم إيثار لم يذهب سدىً تماماً.

[ بترجمة زيوس، قناتي تليجرام لنشر احدث اخبار هذه الرواية ومواعد تنزيل فصولها: @mn38k ]

2026/08/09 · 0 مشاهدة · 957 كلمة
ZEUS
نادي الروايات - 2026