الفصل 658: الخزانة

---

مع وصول البطريرك إلى أراضي دوقية وارغريف، انهارت كافة التدابير التي أعدها ييفريك بدقة متناهية في لحظات معدودة.

عاد الفرسان إلى مواقعهم المعتادة، وفُتحت الحدود مرة أخرى، وتم تعطيل القبة التي كانت تحمي العقار الدوقي والأراضي كافة دون تردد.

لقد أُسقطت الدفاعات وكأنها لم تكن ضرورية من الأساس، فأي قوة يمكن أن توفر أمانًا أعظم من وجود أقوى رجل في الإمبراطورية؟

عاد الدوقات، ومع ظهور كل حكيم من حكماء وارغريف، ساد شعور عميق بالسكينة بين عامة الشعب.

[ بترجمة زيوس، قناتي تليجرام لنشر احدث اخبار هذه الرواية ومواعد تنزيل فصولها: @mn38k ]

في أراضي دوقية وارغريف، لا يخشى أحدٌ آل وارغريف، بل يبجلونهم ويكنون لهم الاحترام بعقولهم وقلوبهم.

لا يراهم الناس طغاة، بل يعتبرونهم أعمدة قوة لا تتزعزع وحماةً للأرض والعباد.

جلس أزيرون في مكتبه بهدوء ظاهري، ورغم أن ملامحه كانت جامدة كأنها منحوتة من حجر بارد، إلا أن ذهنه كان بعيدًا عن الهدوء.

تحت ذلك المظهر الثابت، كان يخوض حربًا داخلية ضارية؛ فهو لم يقطع رأس زولثيمير لاكس فانثيلمور، وهذا الأمر ظل عالِقًا في نفسه.

أشعل ذلك التقصير غضبًا هادئًا لكنه مستمر، رفض أن ينطفئ رغم مرور الوقت.

ورغم إدراكه للفضل الذي يدين به للإمبراطور السابق، إلا أن ذلك لم يغير من عاصفة المشاعر التي تعتمل داخله.

في مستوى أعمق، بعيدًا عن التفكير العقلاني، شعر وكأنه خان وصية زوجته المحتضرة، وكأنه دنس شيئًا مقدسًا بطريقة ما.

وللمفارقة، علم أيضًا أنه لولا منح ذلك الفضل، لما عُهد إليه برغبتها الأخيرة أصلاً، مما تركه أسير تناقض لا يستطيع الهروب منه أو حله.

قطع طرقعة الباب تدفق أفكاره بوضوح، فقال بصوت هادئ وعيناه مغمضتان: “ادخل”.

لم يكن بحاجة للسؤال عن الواقف خلف الباب، فقد عرف مسبقًا أنه ييفريك الذي استدعاه.

دخل ييفريك وأدى التحية بانضباط عسكري يليق بفارس، قائلاً: “أحيي البطريرك”.

لم يرد أزيرون فورًا، وساد صمت ثقيل بينهما، ورغم التزام ييفريك الصمت، إلا أن أفكاره كانت تموج بالنشاط.

'إنه غاضب حقًا'، فكر ييفريك في سره، مدركًا تمامًا للضغط الخانق الذي يملأ الغرفة.

لو دخل شخص مثل إيثار إلى هذا المكان في هذه اللحظة، لتحول إلى غبار فورًا تحت وطأة حضور أزيرون الساحق.

ومع ذلك، ورغم هذا الضغط الهائل، بقيت الغرفة نفسها غير مضطسيدة؛ فالجدران لم ترتجف والنوافذ لم تتشقق.

بقي الأثاث ساكنًا تمامًا وكأن شيئًا غير عادي لم يحدث، وهذا يدل على الدقة العبقرية في تحكم أزيرون بقوته.

كان حضوره محتوًى بشكل مثالي لدرجة أنه لا يمكن إدراكه إلا بالدخول فعليًا إلى الغرفة.

بعد صمت وجيز، تحدث أزيرون أخيرًا: “من هذه اللحظة فصاعدًا، سيكون هدفك جمع كل فرد من العامة وكل فارس”.

“استعد جميع أفراد آل وارغريف، والتجار، والمغامرين، والمرتزقة، وكل مقيم في أراضينا، وحتى الزوار المؤقتين”.

توقف لحظة وكان صوته ثابتًا وخاليًا من أي عاطفة قبل أن يكمل: “سنقوم بفحص عقول الجميع اعتبارًا من الآن”.

“سواء كانوا حكماء أكبر أو حكماء عاديين، طالما أنهم بشر، سيتم فحصهم، وحتى أنا سأخضع لهذه العملية”، قال ذلك وهو يفتح عينيه.

لم يشكك ييفريك في الأمر، ولم يتردد، ولم يطلب توضيحًا، بل رد واضعًا يده بثبات على صدره: “كما يأمر البطريرك”.

أومأ أزيرون برأسه قليلاً، ثم أخرج ثلاث قطع أثرية من خاتمه الفضائي ورماها نحو ييفريك.

قال بنبرة هادئة: “تأكد من فهم الجميع بأن هذا أمري المباشر، ومن يرفض يجوز إعدامه في الحال إذا لزم الأمر”.

ثم أردف: “يمكنك الانصراف”.

انحنى ييفريك وغادر دون كلمة أخرى، ماضيًا بالفعل لتنفيذ التوجيه بكفاءة مطلقة.

ظل أزيرون جالسًا في صمت لبعض الوقت، حتى تبدد الضغط الخانق في الغرفة تدريجيًا.

إلا أن الهالة الخطيرة المحيطة به استمرت، باقية كعاصفة غير مرئية لا تهدأ.

نهض من مقعده، وانجرفت عيناه الذهبيتان نحو العامة في الخارج الذين بدؤوا بالخروج من الملاجئ تحت الأرض.

كانوا يتحدثون عن وصول عائلة وارغريف وكأنهم كائنات سماوية نزلت من العلى.

ابتعد أزيرون عن النافذة وشق طريقه نحو الباب، وما إن اقترب حتى انفتح بسلاسة.

كشف الباب عن زاريك الذي كان يقف في الخارج طوال الوقت، حاضرًا دائمًا بصفته يمين البطريرك.

في العادة، كان زاريك ليتحدث أو يقدم رؤية أو يناقش الأمر، لكنه كان يفهم أزيرون جيدًا.

بحكم معرفته به منذ الولادة، أدرك ثقل الصمت واحترمه، علمًا أن أزيرون ليس ممن يحتاجون إلى المواساة.

إنه رجل عاش لأكثر من قرن من الزمان، ومثل هذه اللحظات تتطلب السكون لا الكلام.

سارا معًا دون تبادل الكلمات، وكانت خطواتهما تتردد بصدى خافت في الممر حتى وصلا إلى غرفة أخرى.

توقف أزيرون برهة أمام الباب، مثبتًا نظره عليه، لا بدافع الإعجاب، بل لسبب أعمق بكثير لا يدركه إلا زاريك.

هذه المرة، فتح أزيرون الباب بنفسه ودخل، ليغلق الباب بهدوء خلفه بينما بقي زاريك خارجًا للحراسة.

احتوت الغرفة على عدد لا يحصى من الملابس بأشكال مختلفة، وكلها تعود بلا شك لشخص واحد.

فساتين أنيقة، وبدلات قتالية ضيقة، وكعوب عالية، وأحذية طويلة، ودروع؛ كل قطعة تحمل قصة صامتة.

هذه كانت خزانة زوجته، حيث حُفظت كل مقتنيات زنبق الهاوية هنا بعناية فائقة.

لم يجد أزيرون يومًا القوة للتخلص منها، واختار بدلاً من ذلك إبقاءها كما هي.

من خلال هذه الغرفة، بقي متصلاً بها، وكأنها لم تغادر هذا العالم حقًا.

على أحد الجوانب، وقفت واجهة شفافة كبيرة، بداخلها سيف مبارز ذو جمال استثنائي.

يبدو أن هذا السيف قد شرب من الدماء أكثر من أي نصل آخر في كرايمورا؛ إنه سلاح ليلي.

بينما مر أزيرون بجانبه، لامست أصابعه السطح برفق، وتجولت نظراته بين مقتنياتها لتعود الذكريات وتطفو بلا نهاية في ذهنه.

بعد فترة، جلس على الأرض مستغرقًا في تأمل هادئ، ثم همس بصوت بالكاد يُسمع: “أنا آسف يا ليلي... لم أستطع حتى تنفيذ وصيتك الأخيرة”.

كانت كلماته ناعمة جدًا لدرجة أنها كادت تذوب في الصمت المحيط.

أضاف بصوت يحمل ثقلًا نادرًا لرجل بمثله: “أنا آسف... آمل أن تتمكني من مسامحتي”.

عاش أزيرون معظم حياته دون ندم، لكنه الآن يمتلك ندماً واحداً يتمثل في منح الإمبراطور سيرفيكسيس لاكس فانثيلمور ذلك الطلب.

لم يستطع منع نفسه من لوم ذاته؛ كان ينبغي عليه تقديم قطع أثرية أو قطع بلاتينية أو أي شيء آخر مقابل ذلك.

كان يجب عليه الإصرار بغض النظر عن مطالب سيرفيكسيس، لو كان يعلم فقط... لو كان... يعلم.

لكن رغم قوته الطاغية وسلطته التي لا تضاهى، لم يستطع أزيرون رؤية المستقبل.

في النهاية، ومهما بلغت قوته، بقي كما كان دائمًا، مجرد بشر... إنسان.

2026/08/09 · 0 مشاهدة · 971 كلمة
ZEUS
نادي الروايات - 2026