الفصل 703: الفصل 703
مرت ثلاثة أيام منذ عودة إيثار إلى أكاديمية النجم، وانتشار أنباء هجوم عائلة وارغريف الدوقية على العائلة الإمبراطورية.
وفي غضون تلك الفترة، كل شيء تقريبًا إلى طبيعته، إذ أصبحت الأخبار قديمةً بالنسبة للطلاب لأنها لم تمسهم بشكل شخصي.
لكن هذا الهدوء تحطم حين تلقى الطلاب نبأ وفاة بعض آبائهم وأمهاتهم الذين سقطوا ضحية لهجوم إمبراطورية فاندروس خلال المعركة التي دارت بين العائلة الإمبراطورية والعائلة الدوقية.
بكى الكثير من الطلاب، وغرق بعضهم في الاكتئاب، بينما انكب آخرون على التدريب بشراسة المحمومين، واعتكف فريق في وبدا البعض الآخر بلا مشاعر ظاهرة.
تعامل كل طالب مع حزنه بأسلوبه الخاص، متحملاً ثقل الفقدان الجاثم بطرق تعكس اختلاف طبائعهم وقوتهم النفسية.
لم يقتصر الأمر على طلاب السنة الأولى، بل عمت الفوضى صفوف الطلاب الأكبر سنًا أيضًا، إذ كان لبعضهم أهل من عامة الناس يقطنون في أراضي العائلات النبيلة الثمانية.
شعر بعضهم بالكراهية الفورية تجاه إمبراطورية فاندروس، بينما اختار آخرون اللامبالاة أو التأمل الصامت.
ولكن في المحصلة، لم يجرؤ أحد على توجيه أصابع الاتهام إلى عائلة وارغريف الدوقية أو العائلة الإمبراطورية.
وبدأ الأمير الإمبراطوري فايلريك لاكس فانثيلمور بمباشرة واجباته الرسمية، رغم القاعدة الصارمة في أكاديمية النجم التي تنص على مساواة جميع الطلاب.
التقى فايلريك بكل زميل فقد والداً أو قريباً أو عزيزاً، مواسياً إياهم باسم الإمبراطورية، ومنحهم القدر المناسب من النقاط للتغيب عن الحصن ومعالجة مشاعرهم لبضعة أيام.
[ بترجمة زيوس، قناتي تليجرام لنشر احدث اخبار هذه الرواية ومواعد تنزيل فصولها: @mn38k ]
وبصفته أمير الإمبراطورية، كان فايلريك محبوباً للغاية، وكما هو الحال مع إيثار، كانت مكافآت النقاط التي ينالها من دعوات الناس بالبركة هائلة بعد كل ذكر له.
ولم يكن فايلريك ليرفض هذه المزايا طبعاً، فهو ليس بالأحمق الذي يتخلى عن فرص تعزيز مكانته.
حتى المدربون أبدوا تفهماً كافياً لعدم تغريم الطلاب الذين فقدوا أحبابهم بخصم نقاط بسبب التغيب عن الحصص.
في نهاية المطاف، هؤلاء مجرد شباب تتراوح أعمارهم بين السابعة عشرة والعشرين، وليسوا آلات جامدة يُتوقع منها مواصلة العمل بعد خسارة مدمرة كهذه.
فالمدربون أنفسهم بشر لديهم أحباؤهم أيضاً، ويدركون معنى الفقد والألم.
أما الطلاب الذين حاولوا استغلال الموقف للتغيب دون أن يكونوا قد فقدوا أحداً، فقد غرمهم المدربون ضعف القيمة المعتادة جزاء تجرؤهم على محاولة الخداع.
ورغم أن أكاديمية النجم نادراً ما تتدخل في شؤون العالم الخارجي، إلا أنها تظل جزءاً لا يتجزأ من إمبراطورية زاريثورن.
لذا، كانت الأكاديمية تعلم أدق التفاصيل عن أولياء أمور الطلاب وشركائهم وحتى أسرارهم الدفينة، في سجلات محفوظة بدقة تكاد تكون مخيفة.
أما الأميرة فايلرا لاكس فانثيلمور، فلم تحذُ حذو شقيقها التوأم، بل مضت في حياتها كالمعتاد.
فما دام شقيقها يقوم بالمهمة، فلا داعي لأن تشغل نفسها بذلك، كما أن القوانين الإمبراطورية لا تسري على هذا البعد المنفصل تقنياً.
إذن، فهي غير ملزمة بفعل أي شيء وفقاً لهذا المنطق.
وخلال الأيام الثلاثة ذاتها، التقى إيثار ببعض المعارف مثل داريسا كامبر وتبادل معها أطراف الحديث لفترة وجيزة.
كما التقى براين سيلفرشيد الذي بات يحتل المرتبة الثانية الآن، وتحدثا مطولاً، ومازحها إيثار عما إذا كانت ستتحده يوماً على مرتبته.
ردت راين سيلفرشيد بالإيجاب بالطبع، لكن بشرط أن تصل لمستواه أولاً، فهي لا تملك وقتاً لتضييعه في معارك عبثية حتى لو كانت مجرد مبارزة تدريبية.
ورغم أن إيثار لم يبوح بذلك، إلا أن موهبة راين كانت مذهلة بحق؛ فبحواسه المرهفة، أدرك أن راين الحالية قادرة على هزيمة نسخ متعددة من نفسها التي شاركت في امتحان القبول.
لقد كانت وحشاً كاسراً في التدريب والموهبة والعمل الجاد.
ومن الأنباء الأخرى التي أذهلت إيثار أنها باتت تخوض مهاماً فردية، وقد أنجزت مهمتين بنجاح بالفعل.
وفي الوقت ذاته، كانت لا تزال تنضم أحياناً إلى داريسا والأميرة في مهام جماعية، مما يظهر توازناً رائعاً بين الاستقلالية والتعاون.
لم يستطع إيثار سوى هز رأسه؛ فلولا معرفته المسبقة، لظن أن راين هي بطل هذه القصة بلا منازع.
بالطاع، راودته الرغبة في مبارزتها، لكنه يعرف طبعها جيداً؛ فهي لن توافق على فكرة لا تجني منها فائدة، ولن تتحمل الألم مقابل لا شيء.
أما فينش، فقد دسيده إيثار حتىافة الانهيار، وبدا وكأنه أُعيد تشكيله من الأساس.
ركز إيثار في تدريبه على الأمور الجوهرية والأساسية، ولم يكلف نفسه تعليمه أي شيء يتعلق بالسلاسل.
ورغم ذلك، حقق فينش تقدماً ملحوظاً في تدريبه؛ صحيح أنه لم يبلغ مستوى ويليام الموهوب، لكنه تحسن بثبات ونحت مساره الخاص.
أما ويليام، فقد بدا كشخص مختلف تماماً بعد أن أخذ بنصيحة إيثار وانكب على التدريب.
أصبحت خطواته أخف وحضوره أكثر خفاءً، وكان يراقب تدريب فينش بصمت دون أن يجرؤ على المقاطعة.
ولكن بمجرد انتهاء التدريب، كان يسخر من فينش في كل فرصة سانحة، بالكاد يكتم ضحكه.
كان ليور حاضراً أيضاً، لكن بهيئته الطيرية، ولم ينبس ببنت شفة.
اكتفى بمشاهدة تدريب فينش ثم جلس فوق رأس الفتى البدين صامتاً، وكأنه لا يكترث لتبادل الكلمات مع هذا إيثار الغريب الأطوار وويليام.
لم يقتصر حال فينش على التدريب والراحة فحسب؛ بل كان بعد استراحته ينتقل مكانياً إلى غرفته ليعود ويغرق في التدريب مجدداً، دافعاً جسده البدين إلى أقصى حدوده في كل مرة.
وكلما همسته نفسه المسترخية بأن يرتخي ويأخذ قسطاً من الراحة، كان فينش يزيد من وتيرة جهده، قابضاً أسنانه بعزيمة عنيدة.
قد لا يمتلك موهبة راين أو ويليام أو إيثار الذي يبدو وكأنه خارج عن المألوف، لكنه سيبذل قصارى جهده لمجاراة أخلاق عملهم الشاقة.
وربما، مع قليل من قدرة الحظ السعيد هنا وهناك، يستطيع تضييق الفجوة ولو قليلاً.
لكن هذا رهن بتفعيل قدرته الخاصة؛ أما الآن، فالعمل الشاق مستمر بلا هوادة.
وأما إيثار نفسه، فقد أخذ الأمور بروية، يأكل وينام ويجلس محدقاً في سماء الليل.
كان يتجول في أرجاء أكاديمية النجم وكأنه ليس طالباً في السنة الأولى كالبقية.
وحين قال إنه سيسترخي قبل خوض مهمته الفردية التالية، كان يعني ذلك حقاً، مستمتعاً بالهدوء النادر قبل العاصفة المحتومة.