الريح كانت باردة تلك الليلة.

كانت تمر فوق التلال المحيطة بقرية إيريندال كأنها تبحث عن شيء ضائع منذ زمن بعيد. أصوات الأشجار المتمايلة امتزجت مع صرير الأبواب الخشبية للبيوت الصغيرة، بينما كانت أضواء المشاعل تخفت تدريجيًا مع اقتراب منتصف الليل.

لكن فوق أحد التلال القريبة من القرية… كان هناك شخص ما لم يستطع النوم.

وقف كايلان ڤاير على صخرة مرتفعة، ينظر نحو السماء.

كان شابًا في أوائل العشرينات، طويل القامة نسبيًا، بجسد نحيل لكنه قوي من سنوات العمل والتدريب. شعره الأسود كان يتطاير مع الريح، وخصلات قليلة منه تميل إلى الرمادي الخفيف، كأن الزمن مرّ عليه أسرع مما ينبغي.

أما عيناه…

فكانتا رماديتين داكنتين، بعمق غريب يجعل من ينظر إليهما يشعر وكأنهما ترى أكثر مما ينبغي.

على خده الأيسر كانت هناك ندبة رفيعة تمتد قرب عينه، أثر حادث قديم في الغابة عندما كان طفلًا.

شد عباءته الداكنة حول كتفيه بينما استمر في التحديق في السماء.

لم يكن ينظر إلى النجوم.

بل إلى شيء آخر.

خط.

خيط رفيع من الضوء يمتد عبر السماء، بالكاد يمكن ملاحظته… كأن الواقع نفسه قد تعرض لخدش صغير.

ضيق كايلان عينيه.

"لماذا يظهر مجددًا…؟"

منذ سنوات، وهو يرى أشياء لا يراها الآخرون.

خطوط خافتة في الهواء.

وميض غريب حول الناس.

أحيانًا إحساس أن العالم نفسه… يتحرك ببطء غير مرئي.

في البداية ظن أنها مجرد خيالات.

لكنها لم تختفِ.

بل أصبحت أوضح مع مرور الوقت.

وفجأة…

نبض الضوء.

الخيط في السماء ارتجف للحظة، كأن شيئًا ما يمر داخله.

تجمد كايلان مكانه.

ثم حدث شيء لم يحدث من قبل.

الخيط اتسع قليلاً.

شرخ صغير… في السماء.

شعر بقشعريرة باردة تمر في ظهره.

"هذا ليس طبيعيًا…"

"كايلان!"

التفت بسرعة.

كان دارين يركض نحوه صاعدًا التل.

دارين كان عكسه تقريبًا.

أعرض كتفين، شعره بني فوضوي دائمًا، وعيناه خضراوان مليئتان بالحياة. كان يلهث قليلاً عندما توقف بجانبه.

"ها أنت هنا." قال وهو يلتقط أنفاسه.

"بحثت عنك في الحانة… ثم تذكرت أنك تحب الوقوف هنا مثل شاعر حزين."

لم يبتسم كايلان.

كان ما يزال ينظر إلى السماء.

لاحظ دارين ذلك ورفع رأسه.

"ماذا تنظر—"

توقف.

ظل صامتًا لحظة… ثم عبس.

"السماء؟"

نظر إليه كايلان ببطء.

"ألا ترى ذلك؟"

رفع دارين حاجبه.

"أرى نجومًا… وبعض السحب… وربما خفاشًا." قال ساخرًا.

"ماذا يفترض أن أرى؟"

عاد كايلان ينظر إلى الشرخ الضوئي.

"لا شيء…"

لكن قلبه لم يصدق كلماته.

مرّت لحظة صمت.

ثم قال دارين فجأة:

"على أي حال… حدث شيء غريب اليوم."

التفت كايلان إليه.

"الصيادون عادوا من الغابة السوداء." قال دارين.

"ووجدوا شيئًا."

عبس كايلان.

"ماذا؟"

خفض دارين صوته.

"أطلال قديمة… تحت الأرض."

اتسعت عينا كايلان قليلاً.

"أطلال؟"

هز دارين رأسه.

"حجارة ضخمة… عليها رموز غريبة. لم يروا مثلها من قبل."

في تلك اللحظة…

ارتجف الهواء.

ليس ريحًا.

بل… شيء آخر.

توقف كلاهما.

ثم سمعا الصوت.

صوت عميق جدًا… كأنه يأتي من مكان بعيد تحت الأرض.

دوم…

تبادل الاثنان النظرات.

ثم جاء الصوت مرة أخرى.

دوم…

الأرض تحت أقدامهما اهتزت قليلاً.

الطيور الليلية انطلقت فجأة من الأشجار.

وفي السماء…

اتسع الشرخ مرة أخرى.

لكن هذه المرة…

خرج منه ضوء غريب.

وقف كايلان جامدًا وهو يحدق في السماء.

ثم همس بصوت بالكاد سُمع:

"دارين…"

"نعم؟"

"أعتقد… أن هناك شيئًا يستيقظ."

ثم—

انفجر الضوء.

شرخ السماء انفتح للحظة قصيرة… كأن بابًا غير مرئي قد فُتح.

وخلال تلك اللحظة…

رأى كايلان شيئًا في الداخل.

مدينة.

مدينة ضخمة… معلقة في السماء.

ثم—

اختفى كل شيء.

عاد الليل كما كان.

صمت.

برد.

نجوم.

لكن قلب كايلان كان ينبض بجنون.

لأنه كان متأكدًا من شيء واحد.

ما رآه الآن…

لم يكن من هذا العالم.

2026/03/12 · 2 مشاهدة · 555 كلمة
Moamen
نادي الروايات - 2026