صباح اليوم التالي
مقر فرقة A-35
كان الضوء يتسلل من خلال الستائر البيضاء، خيوطاً ذهبية دافئة، ترسم أشكالاً متماوجة على جدران الغرفة. الرياح الخفيفة كانت تحرك الستائر، وكأنها تهمس بقدوم يوم جديد.
"هااااي سوووون!"
كان الصوت يأتي من الأسفل، عالياً، حاداً، كصفارة إنذار.
"انهض!"
تقلب سون في سريره، وغطى رأسه بالوسادة، محاولاً الهروب من الصوت المزعج.
لكن الصوت تكرر، أكثر حدة هذه المرة:
"سوووون! هيا، انهض!"
"أنا قادم..." تمتم سون، وصوته كان مبحوحاً من النوم. "أنا قادم..."
"سون! تعال!"
تنهد سون بعمق، وفتح عينيه ببطء. نظر إلى السقف الأبيض للحظة، وكأنه يستجمع قواه.
ثم جلس على سريره، ومد يديه إلى الأعلى، يتمطى كالقط الكسول.
"أخيراً..." همس..
نزل الدرج ببطء، وخطواته ثقيلة، وكأن جسده لا يزال نائماً.
في القاعة السفلية، كانت هناك طاولة كبيرة، ممتلئة بالطعام. كانت الأطباق مصطفة في صفوف أنيقة: أرز أبيض يخرج منه بخار كثيف، حساء ساخن يتلألأ بزيت خفيف، خضار مقلية بألوان زاهية، وسمك مشوي تفوح رائحته في كل مكان.
كان مايكل جالساً على رأس الطاولة، ومارك عن يمينه، وإلينا عن يساره.
"أخيراً نهضت!" قالت إلينا، ونبرتها كانت ساخرة، لكن ابتسامتها كانت دافئة.
جلس سون على الكرسي الفارغ، ونظر إلى الطاولة بعينين مندهشتين.
"أين آريا؟" سأل.
"ليست هنا." قال مايكل، وهو يضع ملعقة من الأرز في فمه. "لقد غادرت منذ أمس إلى منزلها."
"منزلها؟" كرر سون، وعيناه تضيقان.
"نعم." قال مايكل، وابتسم. "لديها منزل في مونباي. مع زوجها وابنتها."
"ستعود غداً."
"وأنتم..." قال سون، ونظر إلى الثلاثة. "هل لديكم منازل؟"
"لا." قال مايكل، وهز رأسه. "نحن الثلاثة ليس لدينا عائلة يا سون."
"مقر الفرقة هو منزلنا."
نظر سون إليهم، وشعر بثقل في صدره.
"أنا آسف." قال، وصوته كان خافتاً.
"لا بأس." قال مارك، وهو يبتسم ابتسامة عريضة. "هيا، كل! الطعام سيبرد!"
"هل جهزتم كل هذا من أجلي؟" سأل سون، ونبرته كانت ممتنة.
انفجرت إلينا بالضحك:
"ماذا؟ أيها الغبي! من أجلك؟"
"هههههه..." كانت ضحكتها عالية، صافية، تملأ الغرفة. "لا، لا! هناك فرق من مستوى D، عملها تجهيز الطعام لسكان المقر."
"أه..." قال سون، وشعر بالارتياح. "فهمت. هذا أمر رائع."
"حقاً..." قال مايكل، ونبرته أصبحت أكثر جدية. "فرق D هي الأفضل."
"كما تعلم..." قال، وهو يرفع ملعقته. "ليس لديهم مهارات جيدة ولا قوة كبيرة."
"ومع ذلك، يقدمون خدمات لا تحصى."
"ينقلون الجرحى بعد المهمات، ينظفون الأماكن، يطبخون..."
"في كل المجالات."
"كيف يتم قبولهم في فرق المنظمة؟" سأل سون، وعيناه تلمعان بفضول. "لا أظن أنهم يجتازون نفس الاختبار , الذي اجتزته"
"بالطبع لا." قال مارك، وهو يمسح فمه بمنديل. "ليس الجميع يجتازون نفس الاختبار."
"فرق مستوى D يُختبرون في مقر الفرق العليا، وليس في المنظمة."
"يعني، إذا أراد شخص الانضمام إلى فرقة معينة، يذهب إلى مقرها ويجتاز الاختبار هناك."
"هكذا إذاً..." قال سون، وأومأ برأسه.
"هناك اختبار آخر يا سون." قال مايكل، ونبرته أصبحت أكثر هدوءاً. "وهو يخص الأشخاص الذين يتمتعون بمهارات علاج."
"غداً، سيأتي معنا أحد الناجحين في ذلك الاختبار."
"كما تعلم، فرقتنا تنقصها معالج."
"هكذا إذاً..." قال سون، وشعر بالفضول يتصاعد في صدره.
"سون..." قالت إلينا، ونبرتها أصبحت فضولية. "كيف كان الاختبار؟"
"سمعت أن السيدة بلاك داون كانت قاسية للغاية."
"وأن النجاح كان فقط 9 أشخاص."
"هذا أول مرة يحدث في تاريخ المنظمة."
"إنها قائدة قاسية جداً." قال مارك، وهو يهز رأسه.
"حقاً..." قال سون، وشعر بقشعريرة تسري في ظهره. "إنها مرعبة."
"النظر إلى وجهها يشعرني بالخوف."
"هل لي بسؤالك؟" قال مايكل، ونبرته أصبحت أكثر هدوءاً.
"تفضل." قال سون.
"سمعت أنك اخترت السيد ريجي للانضمام إلى فرقة الموتى من بين ثلاثة قادة."
"نعم." قال سون. "رأيته الأهدأ بينهم."
"الآخرون كانوا مرعبين، مثل بلاك داون."
نظر إليه الثلاثة، وتبادلوا نظرات غريبة.
"حقاً؟" قال مايكل، ونبرته أصبحت أكثر جدية. "ظننت ذلك ؟."
"نعم." قال سون، وهو يرفع كوب الماء إلى شفتيه.
"إنه خطير يا سون." قال مايكل، وصوته أصبح أكثر عمقاً. "لا أعلم عنه الكثير، لأنه نادراً ما يظهر."
"لكنه قوي جداً."
"في أحد المهام، رأيته ينهي عصابة بأكملها في ثوانٍ."
"حقاً خطير."
"لا يهم..." قال سون، وهو يهز كتفيه. "أظن أنني لن أقابله كثيراً."
"معك حق." قالت إلينا، وهي تتكئ على كرسيها. "حتى لو كان مستوانا مرتفعاً، لا يحق لنا التوجه إلى قصر القائد."
"يقولون أن تلك المنطقة مخصصة فقط لأعضاء فرقة S."
"إنهم يتمتعون بكل شيء: أفضل الأكل، أفضل اللباس..."
"ثم في وسط المنطقة، يوجد قصر القائد."
"لنغير الموضوع الآن." قال مايكل، ونظر إلى سون بعينين مهتمتين. "سون، هل لديك سؤال تريد معرفة إجابته؟"
"أريد أن أعرف..." قال سون، ووضع كوبه على الطاولة. "لماذا اسم الفرقة A-35؟"
"الاسم الأول يدل على مستوانا، وهو A." قال مايكل، ورفع إصبعه. "أما 35، فهو ترتيب نشأة الفرقة."
"هناك 53 فرقة A في فرقة الموتى."
"أه..." قال سون، وعيناه تتسعان. "فهمت. ظننت أنه ترتيب القوة."
"لا، لا." قال مايكل، وهز رأسه. "لسنا مثل ترتيب أفراد S."
"كيف؟" سأل سون، وفضوله يتصاعد.
"بما أن أفراد مستوى S قليلون..." قال مايكل، وبدأ يشرح. "فهم مرتبون حسب القوة."
"الأول أقوى من الثاني، وهكذا."
"وفي فرقة الموتى، نمتلك 6 أفراد من فئة S."
"ترتيبهم: 23، 27، 50، 14، 18، 48."
"ما هذا الترتيب الغريب؟" سأل سون، وعيناه تضيقان.
"سأفسر." قال مايكل، ووضع يديه على الطاولة. "ترتيب أفراد مستوى S يشمل كل الفرق الـ12 العليا."
"يعني، لا تملك كل فرقة ترتيبها الخاص."
"بل تشترك مع الفرق الأخرى في الترتيب."
"ومجموع أفراد S بين الفرق جميعاً هو 93 فرداً."
"فهمت..." قال سون، وهز رأسه. "يعني أن هناك من هو أقوى من أفراد S في هذه الفرقة."
"بالطبع نعم." قال مايكل، وابتسم. "أيضاً، فرقة الموتى تُصنف الـ5."
"أيضاً هناك تصنيف للفرق العليا؟" سأل سون.
"لكن ليس كما تتصور." قال مايكل، ورفع إصبعه. "التصنيف يأتي من نسبة نجاح المهمات فقط."
"إذاً..." قال سون، وشعر بالارتياح. "فرقتنا في تصنيف لا بأس به."
"لأن هناك 12 فرقة."
"بالطبع." قالت إلينا، وابتسامتها واسعة. "فرقتنا الأفضل."
"لا تبالغي يا إلينا." قال مارك، وهو يهز رأسه.
"سون..." قال مايكل، ووقف من كرسيه. "لننهِ هذا النقاش."
"هل أنت مستعد للتدريب؟"
"نعم." قال سون، ووقف بسرعة. "هذا ما أنتظره منذ البداية."
"سوف ندربك نحن الثلاثة." قال مايكل، ونظر إلى مارك وإلينا. "كل واحد منا له مهمة محددة."
"سون..." قال مايكل، ونبرته أصبحت أكثر جدية. "سيكون التدريب قاسياً."
"يجب أن تتعلم بسرعة، لأن مدة التدريب تنتهي عندما تأتي مهمة ما."
"يعني، لا نعلم إن كانت غداً، أو بعد أسبوع، أو بعد شهر."
"ثق بي..." قال سون، وعيناه تلمعان بتصميم. "لن أخيب ظنكم."
نهض مارك من كرسيه، وابتسم ابتسامة عريضة:
"إذاً، هيا اتبعني. سأكون أول من سيدربك."
نهض سون، وتبعه.
فتح مارك باباً خلفياً، ووقفت سون مندهشاً.
كانت القاعة كبيرة جداً، ضخمة، وكلها آلات تدريب. كانت تمتد إلى ما لا نهاية تقريباً، والجدران كانت مغطاة بمواد صلبة تمتص الصدمات.
آلات رفع الأثقال، أجهزة قياس القوة، ممرات للجري، ومنصات للقتال.
"ما هذا؟!" صرخ سون، وعيناه تتسعان. "هل كل هذا كان يختبئ وراء الباب؟!"
"هذا مكان مخصص لفرقتنا." قال مارك، وهو يقف في منتصف القاعة. "هنا نتدرب."
"هيا..." قال، ونظر إلى سون بعينين جادتين. "اخلع قميصك."
خلع سون قميصه بسرعة، ووقف في منتصف القاعة، وجسده مشدود، وعيناه تلمعان بتصميم.
"مستعد." قال.
ابتسم مارك ابتسامة خبيثة:
"سنرى."
يتبع...