وصلنا… كأن الجزيرة لفظتنا من فمٍ بارد.

لم نكن في الساحة الرمادية بعد الآن. الهواء هنا مختلف: رائحته تحمل طينًا رطبًا ونباتًا بريًا وشيئًا حادًا يشبه رائحة الحديد حين يُخدش. الأرض تحت أقدامنا كانت صخرية عند الحافة، ثم تنحدر إلى غابة كثيفة لا ترى نهايتها. وعلى يساري امتدت هاويةٌ تسقط مباشرة إلى فراغٍ يبتلع النظر؛ من بعيد كان يمكن رؤية ضبابٍ يلتف حول أسفل الجزيرة كحزامٍ يحاول أن يخفي ما تحته. الريح كانت قوية بما يكفي لتجبرك على أن تثبّت قدميك، وكأن المكان يريد أن يختبر حتى طريقة وقوفك قبل أن يختبر سلاحك.

كنت ما أزال ممسكًا بمعصم سليم بقوة. شعرت بارتجافة خفيفة في يده، ثم شدّ هو على يدي كأنه يتأكد أننا لم نتفرق. رفع رأسه، نظر حوله، ثم قال بصوتٍ خافت:

“نحن… ما زلنا معًا.”

قلتُ: “هذه أول نعمة.”

لم أقلها كجملة شاعرية. قلتها كحقيقة عملياتية. في

Battle Royale

، التفرّق في أول دقيقة يعني أن تموت قبل أن تفهم أين أنت.

تراجعت خطوة عن الحافة، وسحبت سليم معي إلى صخرة أكبر تشكل ساترًا طبيعيًا. جلست نصف جلوس، وأشرت له أن يفعل الشيء نفسه. كنت أشعر أن الجزيرة تراقبنا؛ ليس لأنني رأيت عينًا، بل لأن إحساس “المشرفين” حاضر في الهواء كقانونٍ غير مرئي.

أغمضت عيني لحظة وحاولت استشعار المانا… فحضرت كتيار بعيد، مثل صوت بحرٍ خلف جدار. أستطيع أن أسمعها، لكنني لا أستطيع أن ألمسها. التناقض نفسه: إدراك بلا تشغيل. فتحت عيني وأنا أبتلع ذلك الغضب الصامت، وقلت في داخلي: ليس وقت الشكوى.

نظرت إلى واجهتي. لا شريط مستوى مانا يلمع لي، ولا “مهام” تُغري. فقط تذكير بارد بأنني نظام صقل مختوم، وأنني في هذا المكان سأضطر للقتال بأقل أدوات ممكنة: جسد بالغ طبيعي، معرفة قتالية بلا ذاكرة، وشرذمة من شيء لا ينبغي أن أستفزه.

أما واجهة سليم فكانت حيّة: شريط مستوىٍ يبدأ من الصفر، رقم “1” واضح، وخانة الفريق تُظهر أننا اثنان. كان يحدّق فيها وكأنه يريد أن يحفظها قبل أن يبدأ الجحيم.

قلتُ له بسرعة، بنبرة لا تحتمل الرومانسية:

“قاعدة أولى: لا تنزل الغابة الآن. نقرأ المكان أولًا.”

هز رأسه.

“قاعدة ثانية: إذا رأيت شيئًا يتحرك… لا تطلق شيئًا قبل أن أعرف ما هو.”

“حاضر.”

“قاعدة ثالثة: لا ترفع صوتك. الصوت هنا إعلان عن موقعك.”

سليم ابتسم ابتسامة قصيرة رغم التوتر:

“يعني نرجع طلاب حقوق… ولكن في غابة.”

قلتُ: “نعم. بدل محاضر يراقبك، عندك وحش يقرر إن كنت ستعيش.”

وبينما كنتُ أستعد أن أمد بصري في الغابة لألتقط أول حركة، أحسست بأن الهواء أمامنا “ينشق” قليلًا—ليس بوابة هذه المرة، بل ظهور شخصٍ من خلف صخرة قريبة، كأنه كان يراقبنا منذ لحظة وصولنا ولم يرد أن يكشف نفسه حتى يتأكد.

وقف أمامنا شخصٌ واحد.

لا أعرف إن كان أطول مني بكثير أم أن وقفته هي التي تجعل قامته تبدو أكبر. كان يرتدي لباسًا داكنًا أيضًا، لكنه ليس سوادًا كاملًا مثلِي؛ كان فيه خطوط خافتة تمنح شكلًا عسكريًا. وجهه مغطى بقناعٍ بسيط يترك العينين فقط، لكن العينين كانتا تكفيان: ثقة باردة، كأن هذا المكان ليس جديدًا عليه أو كأنه قرر أن يتصرف كأنه ليس جديدًا عليه. في يده سلاحٌ قصير—سكين أو خنجر—لم يكن يلمع بطريقة استعراضية، بل كان ثابتًا كأداة عمل.

قال بصوتٍ هادئ، لا يرفع، لكن يصل:

“اثنان فقط؟”

لم أجب فورًا. نظرت إلى المسافة بيننا وبينه، إلى يده، إلى قدميه. كان يقف بزاوية تجعل الهجوم عليه أصعب مما يبدو، ويداه غير متوترتين. هذا النوع من الثقة ليس دائمًا خبرة… لكنه خطر، لأن صاحبه قد يختبرك بلا رحمة.

سليم تحرك قليلًا، لكنه تذكر قاعدتي وسكت. وأنا اخترت أن أجيب بجملة قصيرة، لا تفتح بابًا واسعًا:

“نعم.”

ابتسم الرجل ابتسامة بالكاد تُرى تحت القناع:

“قرار سيئ في البداية. الحد خمسة… والعدد مئة ألف. اثنان يعني أنك تريد أن تكون طعامًا مبكرًا.”

قلتُ ببرود:

“أو يعني أننا لا نريد أن نُطعَم بسرعة لمن لا نعرفه.”

توقف الرجل لحظة، ثم قال:

“أنا لا أطلب ثقتك مجانًا. أنا أطلب عقلًا. عندي فريق… ناقصه اثنان. نحن نُوزّع الأدوار: واحد كشف، واحد دعم، واحد دفاع. نحتاج اثنين قتال قريب.”

ثم أضاف كأنه يرمي طُعمًا:

“الخبرة تُنقل داخل الفريق. وهذا يعني أن النجاة ليست وحدها الهدف… الهدف أن نصعد بسرعة.”

عندما قال “نصعد بسرعة” رأيت في عينيه شيئًا بشريًا جدًا: الجوع. ليس جوع طعام، بل جوع مستوى. تلك هي النقطة التي تجعل البطولة مخيفة: النظام لا يحتاج أن يأمرك بالشر… يكفي أن يعطيك عدادًا.

قلتُ:

“قبل أن أفكر في فريقك… من أنت؟”

لم أسأله عن اسمه الحقيقي، لأنني أعرف أن هذا المكان مبني على السرية. كنت أسأله عن “نوعه”: متسرع؟ مخادع؟ قيادي؟ ذئب منفرد يلبس قناع الفريق؟

قال بثقة:

“أنا واحد يعرف أن الجزيرة لا ترحم المترددين.”

ثم اقترب نصف خطوة فقط—نصف خطوة محسوبة—وأضاف:

“ولكي لا تضيع وقتي… أعطني جوابًا. نعم أو لا.”

كنت أكره هذا النوع من الضغط: “نعم أو لا” قبل أن ترى الخريطة. لكنني كنت أعرف أيضًا أن التردد هنا قد يُقرأ ضعفًا.

قلت بهدوءٍ قاطع:

“لا.”

لم أتحدَّه. لم أرفع صوتي. فقط قلت “لا” كما يقال حكمٌ ابتدائي لا يقبل الاستئناف في هذه الدقيقة.

صمت الرجل لحظة. ثم قال بنبرة تغيرت قليلًا:

“إذن أنتما تريان أنفسكما مميزين.”

قلت:

“نحن نرى أنفسنا أحياء… ونريد أن نبقى أحياء. هذا يكفي.”

ابتسم ابتسامة ثانية، أبرد:

“حسنًا. سأعطيكما نصيحة مجانية لأنكما ستحتاجانها: لا تثقا بأن الوحوش وحدها الخطر. البشر هنا أسرع من الوحوش في اختيار فريسة.”

ثم استدار نصف استدارة، كأنه يقرر أن يذهب، لكنه ألقى جملة أخيرة مثل حجر:

“إذا رأيتكما بعد ساعة… ولم تموتا… سأفترض أنكما ليسا ساذجين. وربما أغير رأيي.”

ثم اختفى خلف الصخرة بنفس الهدوء الذي ظهر به، كأنه يذوب في تضاريس المكان.

سليم أخرج نفسًا كان محبوسًا، وقال:

“هذا… كان يريد أن يبتلعنا تحت اسم فريق.”

قلتُ:

“أو يريد أن يبتلع خبرتنا. أو أن يضمن شاهدين على قوته. أو أن يستعملنا كدرع.”

ثم أضفت:

“في كل الأحوال… رفضه صحيح.”

سليم قال:

“لكن… نحن اثنان.”

كانت جملته تحمل خوفًا صادقًا لا عيب فيه.

قلتُ:

“اثنان يعني سرعة حركة أعلى، وضجيج أقل، وثقة أوضح. خمسة لا يعني أمانًا… خمسة يعني خمس احتمالات خيانة.”

سكت سليم، ثم أومأ.

مددت بصري إلى الغابة. كانت الأشجار هنا ضخمة، جذوعها أعرض مما اعتدت في أرضنا، وأوراقها كثيفة بحيث يحول الظلُّ النهار إلى شبه ليل في الداخل. سمعت صوتًا بعيدًا… ليس صوت طائر مألوف. كان أقرب إلى هديرٍ مكتوم، ثم صمت.

قلت لسليم:

“الآن يبدأ الجزء الحقيقي. سننزل لكن لا ننزل بتهور.”

أشرت إلى يميننا حيث يوجد ممر ضيق بين الصخور ينزل تدريجيًا بدل الانحدار الحاد.

“نأخذ هذا المسار. نبحث عن شيء واحد: ماءو مكان ساتر للرؤية.”

سليم قال: “وماذا عن الخبرة؟”

قلت: “الخبرة تأتي إذا عشت.”

بدأنا ننزل ببطء. كل خطوة كانت محسوبة. كنت أستعمل “المعرفة القتالية” التي فُتحت دون ذاكرة: كيف تضع قدمك حتى لا تنزلق، كيف تُبقي ظهرك محميًا بساتر، كيف تجعل سليم يسير نصف خطوة خلفي ثم يتبدل عندما نغير اتجاهنا كي لا نصير هدفًا واحدًا.

في أول خمس دقائق لم نرَ وحشًا. لكننا رأينا آثارًا: مخالب على لحاء شجرة، عظام صغيرة متناثرة، رائحة دم قديم. ثم سمعنا صرخة بشرية بعيدة، قصيرة، ثم انقطعت فجأة. سليم تجمد. نظرتُ إليه وأشرت بيدي بعبارة يفهم منها: “لا تصدر صوت.”

لم أقل له: “قد يكون إقصاءً” أو “قد يكون سحقًا” لأننا لم نكن نعرف بعد كيف يعمل الألم هنا عمليًا. لكن الصرخة وحدها كانت كافية لتقول: ليس كل شيء نظريًا.

بعد قليل، ظهرت أمامنا مساحة مفتوحة صغيرة بين الأشجار، مثل فناء طبيعي. وفي وسطها بركة ماء ضحلة. كان ذلك جيدًا… وسيئًا في الوقت نفسه. البركة تعني حياة، لكنها تعني أيضًا نقطة تجمع. أي شخص سيأتي لها. أي وحش سيشمها.

تقدّمنا بحذر، ثم توقفنا خلف جذع ضخم. قلت لسليم:

“نملأ ماء بسرعة، ثم نتحرك. لا نقيم هنا.”

سليم قال:

“حسنًا.”

ثم همس:

“أشعر بالمانا هنا أقوى.”

قلت:

“لأن الطبيعة هنا مشبعة. لكن لا تنسَ: أنت تستطيع استخدامها… وأنا لا, لذا......”

سليم هز رأسه، وفي عينيه شعور بالمسؤولية: إذا أنا مقيد، فهو يجب أن يعوّض.

وقبل أن نتحرك نحو البركة… ظهر شيء من خلف الشجر المقابل.

في البداية ظننته ظلًا. ثم تحرك الظل بطريقة لا تشبه تحرك الريح. ثم خرج إلى المساحة المفتوحة، وتبين أنه يشبه ذئبًا… لكن بحجم حصان تقريبًا، وعيناه ليستا عينين عاديتين؛ كانتا تلمعان بلونٍ غريب، كأنه انعكاس معدن. فمه أطول مما ينبغي، وأسنانُه لا تُشبه أسنان الذئاب التي نعرفها، بل أسنان كأنها صُممت لتهشم العظم لا لتقطع اللحم فقط.

سليم شهق شهقة قصيرة. ضغطت على ساعده فورًا.

قلت بصوتٍ يكاد لا يُسمع:

“لا تتحرك.”

الذئب الضخم شمّ الهواء. أدار رأسه ببطء. لحسن الحظ لم ينظر إلى مكاننا مباشرة. كان يبحث عن رائحة أسهل… أو عن صوت. الحمد لله أننا صمتنا.

لكن في اللحظة التالية… خرج شخص آخر من الجهة اليمنى للفناء. كان متسابقًا. لم يكن يرى الذئب، أو كان يراه ويظنه “فرصة خبرة”. رفع يده وأطلق ومضة مانا صغيرة، كأنها حجر في وجه جبل.

الذئب التفت نحوه فورًا.

ما حدث بعدها لم يكن “قتالًا” بل إثباتًا: هذا المكان لا يعترف بالمستوى الأول إلا كوجبة.

المتسابق تراجع خطوة، ثم حاول أن يطلق ضربة ثانية. الذئب اندفع بسرعة لا تتناسب مع حجمه. في ثانية واحدة كان فوقه. سمعنا صوت عظمٍ يتكسر بوضوحٍ مقزز. صرخ الرجل صرخة شقت الغابة… ثم انقطعت فجأة، كما لو أن الصوت نفسه قُطع بسكين.

اختفى جسده من بين مخالب الوحش في لحظة خاطفة. لم أرَ دمًا كثيرًا… فقط اختفاء. كأن الجزيرة قالت: “إقصاء.”

سليم كان يرتجف. نظر إليّ بعينين واسعتين:

“هل… مات؟”

قلت ببرودٍ قاسٍ، لأن البرود هنا هو الذي ينقذنا:

“لا نعرف. لكن نعرف شيئًا واحدًا: لا تهاجم وحشًا أول مرة وأنت في مستوى 1.”

الذئب رفع رأسه وشمّ الهواء من جديد. ثم بدأ يلتهم شيئًا لا نراه… أو ربما كان يلتهم رائحة الخوف. ثم ابتعد قليلًا نحو الأشجار، كأنه اكتفى.

قلت لسليم:

“الآن نفعل الشيء الصحيح: ننسحب. لا ماء. لا فناء. لا مغامرة.”

سليم همس:

“لكن الخبرة… الشريط…”

قلت:

“الشريط لن يمتلئ إذا تم إقصاؤك في أول دقيقة.”

تحركنا للخلف ببطء شديد، خطوة خطوة، حتى ابتعدنا عن مسار الريح. كنت أسمع نبضات قلبي كطبول. ومع ذلك، في داخلي شيء آخر كان يعمل: النظام يحاول أن يدفع البشر ليتحولوا إلى صيادين… لكن الجزيرة نفسها تحب أن تسحق المتسرعين أولًا، لتعلّم الباقين بدم غيرهم.

وهنا تذكرت كلام الرجل الواثق: “البشر أسرع من الوحوش في اختيار فريسة.”

الآن صار لديّ تعديل: المتهورون أسرع من الوحوش في تحويل أنفسهم إلى فريسة.

ابتعدنا حتى صارت البركة خلفنا، وصار صوت الذئب بعيدًا. جلستُ خلف شجرة ضخمة لألتقط أنفاسي. سليم جلس بجانبي، ثم قال بصوتٍ خافت:

“ريان… هذا كان سحقًا حقيقيًا.”

قلت:

“نعم.”

ثم أضفت وأنا أحدّق في الظلام بين الأشجار:

“وهذا فقط ما رأيناه في أول عشر دقائق.”

سليم ابتلع ريقه:

“مئة ألف… لن يبقوا مئة ألف.”

قلت:

“الجزيرة ستقلّم العدد بنفسها… قبل أن يقتل البشر بعضهم.”

رفعت بصري، وقلت لسليم:

“لن نطارد الخبرة الآن. سنطارد البقاء، ونراقب القواعد الحقيقية التي لم يقلها المشرف.”

سليم قال: “تقصد أنها ليست جولة واحدة.”

قلت: “بالضبط… لكن لن نعرف ذلك إلا حين تُصفعنا الجزيرة به.”

ثم سمعنا من بعيد… هديرًا آخر، أكبر من الذئب، أعمق من الغابة. هديرًا جعل أوراق الشجر ترتجف، وجعل سليم ينظر إليّ كأن السؤال صار بلا كلمات.

قلتُ بهدوءٍ حاسم:

“تحرك. الآن.”

نهضنا، وبدأنا نركض بخفةٍ بين الأشجار، لا هروبًا أعمى، بل انتقالًا إلى موقعٍ أعلى يمنح رؤية. وفي داخلي كان قرارٌ واحد يتشكل كالقانون:

إذا كانت الجزيرة تريد أن تجعلنا نظن أنها جولة واحدة… فمهمتي الآن ليست الفوز. مهمتي أن أفهم اللعبة قبل أن تلتهمني.

2026/03/03 · 15 مشاهدة · 1792 كلمة
poseidon
نادي الروايات - 2026