تحركنا بين الأشجار كمن يمشي داخل صدر مخلوقٍ ضخم. الظلال هنا ليست ظلالًا عادية؛ كانت طبقات متراكبة، وكل طبقة تخفي احتمالًا. كنت أسمع أنفاس سليم قريبة مني، وأسمع فوقها هديرًا بعيدًا يتردد كأنه قادم من تحت الأرض، لا من فوقها.

لم أركض هروبًا أعمى. كانت قدماي تتحركان وفق شيءٍ بارد داخل رأسي: اصعد. في الغابة، من يبقى في مستوى الأرض يصبح طريدة. من يصعد يرى قبل أن يُرى… ولو قليلًا.

وجدت ممرًا طبيعيًا بين صخور مائلة، كأن الجزيرة نفسها تركته لمن يفكر. أشرت لسليم دون كلام. تسلقنا بصمت، نلمس الحجر بأصابعنا حتى لا ننزلق. الريح هنا كانت أقوى، تحمل رائحة الدم. وعندما وصلنا إلى نتوء صخري أعلى، انفتحت الرؤية أمامنا.

الغابة تمتد كسجادة سوداء خضراء، تتخللها فتحات صغيرة تظهر فيها ومضات مانا متقطعة: أضواء قصيرة، ثم ظلام، ثم صرخة، ثم صمت. من بعيد، عند خط الحافة، كانت هناك سلاسل صخرية تمتد كأضلاعٍ مكسورة، وتحتها الضباب يبتلع الفراغ.

سليم همس:

“كم واحد… تقدر تشوف؟”

لم أجب فورًا. كنت أحصي “الأنماط” لا الأشخاص. رأيت ثلاث نقاط قتال واضحة في مدى بصري:

مجموعة صغيرة من متسابقين يطلقون ومضات مترددة،

وحش يتحرك بينهم بسرعة غير عادلة،

ثم شيء آخر… أكبر… لا أراه جيدًا، لكن صوته يصل.

قلت لسليم ببطء:

“الجزيرة بدأت تقصّ العدد. بعضهم سيُقصى قبل أن يعرف حتى اسمه الرمزي.”

نزلتُ قليلًا خلف صخرة أعلى، وأشرت له أن يختبئ معي. هنا يمكننا أن نرى دون أن تلمحنا أغلب الجهات. أخرجتُ من جيبي قطعة قماش صغيرة، وربطتها على معصمي من الداخل—علامة بسيطة حتى لا أضيع في لحظة ارتباك. سليم فعل الشيء نفسه لكنه ربطها على كاحله. ليس نظامًا معقدًا، فقط “مرساة”.

قلت:

“سنفعل شيئًا واحدًا الآن: نفهم أول قاعدة عملية.”

سليم سأل:

“أي قاعدة؟”

قلت:

“هل الوحوش تُطارد المانا؟ أم تُطارد الصوت؟ أم تُطارد الحركة؟”

أشار إلى الأسفل حيث تومض المانا:

“واضح أنها تهاجم هناك.”

قلت:

“لكن قد يكون لأن هناك حركة وصوت أيضًا. نحتاج دليلًا.”

لم ننتظر طويلًا.

من بين الأشجار تحتنا مباشرة، ظهر وحشٌ أصغر من الذئب الذي رأيناه، لكنه لا يزال ضخمًا مقارنةً بأي شيء في أرضنا. كان يشبه خنزيرًا بريًا… لو أن خنزيرًا قرر أن يصير كتلة عضلية مدرعة، وأن يزرع في ظهره صفائح كالسيوف القصيرة. كان يتحرك ببطءٍ ثقيل، يشم الأرض ويضربها بخطمه، وكأنه يتتبع أثرًا.

لم يكن هناك بشر قريبون منه. ومع ذلك كان يتحرك بثقة: كأنه يعرف أن الغابة له.

سليم شدّ على قناعه الأبيض، وهمس:

“هل نقتله؟”

كانت أول مرة أسمع منه سؤال “هل نقتل؟” بلا سخرية. السؤال لم يعد نظريًا.

قلت:

“ليس الآن. سنراقب.”

رأينا الوحش يمر قرب شجرةٍ مكسورة، ثم توقف فجأة. رفع رأسه باتجاه الريح… وباتجاه نقطة قتال بعيدة حيث تومض المانا. في ثانيتين تغيّر سلوكه: صار أكثر توترًا، كأن رائحته التقطت شيئًا مغريًا. ثم اندفع—ليس نحو صوتنا، بل نحو تلك الجهة.

هنا حصلنا على أول دليل: المانا ليست مجرد طاقة تُستعمل… إنها رائحة في هذا المكان. إعلان.

قلت لسليم:

“كل استخدام مانا بصوت عالٍ يجلب الوحوش.”

سليم نظر إلى يده، ثم إلى واجهته، ثم قال بحذر:

“إذن كيف سأقاتل؟ أنا لا أستطيع بدون مانا.”

قلت:

“تقاتل بمانا… لكن بذكاء. ضربات قصيرة. دفاع صامت. لا ألعاب نارية.”

ثم قلت جملة أقسى، لكنها ضرورية:

“وأحيانًا… لا تقاتل. اترك الوحش يأكل غيرك.”

سليم ارتجف، لكنه لم يعترض. لأنه رأى قبل قليل كيف يُسحق المتسرع.

بقينا خلف الصخرة نراقب. على بعد مئات الأمتار، رأينا مجموعة من ثلاثة متسابقين تحاول مواجهة وحشٍ يشبه نمرًا لكن بحجم سيارة صغيرة، ذيله طويل كالسوط، وعيناه تلمعان كزجاج مكسور. أحد المتسابقين أطلق كرة مانا صغيرة باتجاهه—مجرد كرة، لكنها كانت كافية لتفضحهم.

النمر اندفع، ضرب واحدًا بمخلبه… سمعنا الصرخة حتى من هنا، ثم سقط وتدفق دمه بغزارة حتى انني ظننت ان نصف دم جسده الخرج و بعدها اختفى ذلك المتسابق فجأة كما اختفى الرجل الذي سُحق قبل قليل كأن الجزيرة تطهر نفسها من الجثث . لم يبق سوى زميلين يرتجفون، يطلقون المانا بجنون. النمر لم يطاردهم كثيرًا؛ بعد إقصاء واحد فقط توقف لحظة، ثم التفت نحو مصدر مانا آخر أبعد، كأنه يبحث عن وجبة أسهل.

هذا أيضًا دليل: الوحوش ليست دائمًا “حتى النهاية”. بعضُها يبدو أنه يعمل بمنطقٍ واحد: قتل/صيد سريع ثم الانتقال.

التفتُ إلى سليم وقلت:

“سنحتاج خبرة، وإلا سنبقى في المستوى 1 بينما غيرنا يصعد. لكننا لن نطلبها من وحش بحجم جبل.”

سليم أومأ.

“إذن؟”

قلت:

“نبحث عن صغار. أو وحشٍ مصاب. أو نأخذ خبرة من صيدٍ نظيف.”

ثم قلت شيئًا لا أحبه، لكنه جزء من ما نحن فيه:

“ونتجنب البشر قدر الإمكان… في البداية.”

سليم قال:

“لكن القاعدة قالت سنقاتل بعضنا البعض.”

قلت:

“هذا صحيح. لكن ليس الآن. الآن أولوياتنا: موقع + ماء + فهم الوحوش + أول خبرة بلا مخاطرة.”

نزلنا من النتوء الصخري باتجاه ممر ضيق يقود إلى منطقة أقل كثافة في الأشجار. كنت أختار الأماكن التي لا تكسر الأغصان تحت أقدامنا، لأن الصوت هنا يساوي دعوة. سليم كان يخطو بحذر، ويُبقي يده قريبة من صدره كأنه يحرس شيئًا غير مرئي.

بعد دقائق، وجدنا ما يشبه كهفًا صغيرًا—ليس كهفًا عميقًا، بل تجويفًا تحت صخرة ضخمة، يعطي ظلًا وساترًا من ثلاثة جهات. أمامه نباتات كثيفة تُخفي المدخل عن أي عينٍ عابرة.

قلت:

“هذا جيد كمحطة.”

دخلنا، جلسنا بسرعة، وشربنا من القارورة التي جلبناها معنا. ثم فتح سليم واجهته وقال:

“الشريط… ما زال فارغًا. أنا لم أفعل شيئًا.”

قلت:

“وهذا جيد. لأننا ما زلنا أحياء.”

ثم سمعتُ صوتًا قريبًا جدًا… صوت خطوات بشر، وليست وحشًا. خطوات حذرة، تتوقف، ثم تتحرك. نظرت إلى سليم فورًا وأشرت: صمت.

اقترب الصوت، ثم توقف عند النبات. انشقّت الأوراق قليلًا، وظهرت عينان خلف قناعٍ داكن. نفس العينين اللتين رأيتهما عند الحافة قبل قليل—الرجل الواثق.

لم يتقدم داخل التجويف. وقف عند مسافة تسمح له أن يهرب إن لزم. قال بصوتٍ منخفض:

“اثنان… وما زلتما على قيد الحياة. جيد.”

سليم شدّ على نفسه، لكني رفعت يدي قليلًا: ليس هجومًا، بل إشارة ثبات.

قلت:

“قلتَ ستفترض أننا لسنا ساذجين.”

قال:

“وأنا أرى أنكما تفكران. هذا نادر.”

ثم أضاف:

“تغير العرض.”

قلت:

“أي عرض؟”

ابتسم ابتسامة صغيرة:

“في هذه الجزيرة، العرض يتغير كل دقيقة. الوحوش تتحرك نحو المانا. البشر يتحركون نحو البشر. الأذكى يتحرك نحو الظل.”

لم يعجبني أنه يتكلم كأنه يعرف قواعد أعمق، لكنني لم أظهر ذلك. قلت:

“ماذا تريد؟”

قال بلا لفّ:

“تحالف مؤقت. لا فريق رسمي. مجرد… اتفاق. أنا أملك فريقًا من ثلاثة. نحتاج منطقة آمنة، ونحتاج أن نصطاد وحشًا صغيرًا بسرعة لنرفع المستوى. أنتما تعرفان كيف تتحركان بصمت. نقتسم الصيد. ثم نفترق.”

سليم نظر إليّ بعينيه: هذا عرضٌ خطير، لكنه مغرٍ. لأن رفع المستوى أول مرة قد يعطي فرقًا كبيرًا.

سألت الرجل سؤالًا واحدًا فقط، لأن هذا السؤال يحدد طبيعته:

“لماذا لا تكمل فريقك إلى خمسة؟”

أجاب بسرعة كأن الإجابة جاهزة:

“لأن خمسة يعني عيونًا أكثر. خيانة أكثر. ضجيج أكثر.”

“ولأن بعض الألقاب… تجعل صاحبها يتصرف كأنه مركز الكون.”

قلت له:

“أعطني سببًا واحدًا يجعلني أثق أنك لن تهاجمنا بعد أن نصطاد الوحش.”

قال ببساطة:

“لا يوجد سبب. الثقة هنا غباء.”

ثم أضاف:

“لكن هناك توازن: إذا هاجمتكما، سأخسر اثنين أحياء يملكون عقلًا، وسأربح خبرة قد تجلب وحوشًا أكبر. وأنا لا أريد ذلك الآن. أنا أريد مستوى واحد فقط… بسرعة.”

كانت إجابة صادقة بشكل مزعج. الصدق هنا أحيانًا أخطر من الكذب.

سليم همس لي:

“ريان… مستوى واحد سيغير كل شيء.”

كنت أعرف. لكنني كنت أعرف أيضًا أن “مستوى واحد” قد يكلّفنا حياتنا إن وثقنا بشخصٍ لا نعرفه.

قلت للرجل:

“نوافق… بشرط.”

عيناه ضاقت قليلًا:

“قل.”

قلت:

“نصطاد وحشًا واحدًا فقط، صغيرًا. لا بشر. ثم نفترق فورًا.”

لم يُجب فورًا، ثم قال:

“مقبول.”

ثم أشار بيده إلى جهةٍ في الغابة:

“هناك سرب مخلوقات صغيرة… تشبه كلابًا برية، لكنها ضعيفة. ثلاثة منها معًا يمكن أن تقتل شخصًا في مستوى 1 إذا كان أحمق، لكن إذا صدت واحدًا منفصلًا… تحصل على خبرة أولى نظيفة.”

قلت:

“أين فريقك؟”

قال:

“قريب. يراقب.”

لم تعجبني كلمة “يراقب”. لكنها حقيقة. لا أحد يأتي وحده هنا.

خرجنا من التجويف بصمت. تحرك الرجل أمامنا بمسافة، لا يبتعد جدًا ولا يقترب. سليم كان يمشي بجانبي، ويده ترتجف قليلًا. قلت له همسًا:

“لن نسمح لهم أن يحيطوا بنا. إذا شعرت بأي حركة غريبة… ننسحب فورًا.”

أومأ.

بعد عشر دقائق تقريبًا، سمعنا نباحًا غريبًا—ليس نباح كلب، بل صوت حاد يشبه صفيرًا مجروحًا. بين الأشجار رأيت ظلالًا صغيرة تتحرك بسرعة منخفضة إلى الأرض، تشم وتتقافز. كانت بالفعل تشبه كلابًا برية، لكن عيونها كانت حمراء، وأنيابها أطول مما ينبغي.

الرجل الواثق أشار:

“واحد… على اليمين. منفصل.”

رأيته. كان يبتعد قليلًا عن السرب، يقترب من جذع شجرة متعفن يشمّه.

قلت لسليم:

“أنت لا تطلق مانا الآن. استخدمها كتعزيز داخلي فقط… إن استطعت. ضربة واحدة، ثم تراجع.”

سليم همس:

“سأحاول.”

تحركتُ أولًا، بخطوات لا تكسر الأغصان. اقتربت من الوحش من زاوية خلفية. لم أحتج مانا. احتجت فقط أن أضع جسدي في المكان الصحيح. عندما صرت على مسافة خطوتين، اندفعت بسرعة قصيرة، وضربت الرقبة بحافة يدي كما علّمتني المعرفة القتالية التي لا أتذكر مصدرها. الوحش صرخ صرخة قصيرة، التفت بنصف جسده، حاول أن يعض.

في اللحظة نفسها، سليم اندفع من الجهة الأخرى. رأيته يضغط شيئًا في جسده—كأنه يضخ مانا في عضلاته للحظة—ثم وجه ضربة على رأس الوحش. لم تكن ضربة خارقة، لكنها كانت قوية أكثر من المعتاد. الوحش تراجع، ارتطم بالشجرة، ثم سقط.

لم ننتظر. أكملتُ بحركة واحدة قصيرة، ضغط على موضع ضعيف تحت الفك، ثم توقف الوحش عن الحركة.

لم أفرح. لم أحتفل. فقط تراجعت بسرعة.

في نفس الثانية ظهر أمام سليم إشعار صغير—رأيته من زاوية عيني لأنه شهق:

شريطه بدأ يمتلئ. كمية صغيرة، لكنها واضحة.

سليم قال بنشوة مختلطة بالرعب:

“حصلت… خبرة!”

الرجل الواثق ظهر على الطرف الآخر، ومعه ظلّان آخران من فريقه—لم أرَ وجوههم . وقفوا بعيدًا، لم يقتربوا، كأنهم يحترمون الشرط.

الرجل قال:

“واحد نظيف. جيد. الآن افترقنا.”

لم يعطنا فرصة لنقول شيئًا آخر. استدار واختفى هو وظلاه بين الأشجار كما ظهروا: بهدوء.

سليم كان يحدق في شريطه كأنه يحدق في مصير جديد.

قلت له:

“لا تنسَ… كل ومضة مانا كبيرة ستجلب الوحوش. لا تنخدع بالشريط.”

هز رأسه بقوة:

“لن أنخدع.”

ثم نظر إليّ فجأة وسأل السؤال الذي كان يخنقه:

“وأنت؟ شريطك؟”

لم أرد أن أفتح هذا الجرح الآن. لكن لا فائدة من الكذب. قلت بهدوء:

“لا شيء.”

سليم صمت. ثم قال بصوت منخفض:

“إذن أنت هنا… لتبقى فقط؟”

قلت:

“أنا هنا لأفهم. وأحميك. وأبقى. كل هذا في وقت واحد.”

سكتنا لحظة، ثم سمعنا من بعيد… صراخًا طويلًا جدًا، تلاه صمت. ثم بعده مباشرة، هدير الوحش الكبير عاد، أقرب هذه المرة.

قلت:

“تحرك. الآن.”

تحركنا بسرعة بين الأشجار، لكن هذه المرة لم نتحرك لنجد ماء. تحركنا لنجد أعلى. لأن الصوت الكبير يعني شيء واحد: هناك وحش لا يهمه مستوى 1 ولا مستوى 2. وحشٌ إذا لمحك… سيجعل شريط الخبرة عندك آخر همٍّ في حياتك.

وبينما كنا نركض، ظهر على واجهة سليم سطر صغير جدًا:

تم رصد نشاط وحش من الرتبة العليا في محيطك.

نظر إليّ، ولم يقل شيئًا. فقط ركض أسرع.

2026/03/03 · 9 مشاهدة · 1704 كلمة
poseidon
نادي الروايات - 2026