رفع الظل إصبعه… ولم يبدُ كأنه يستعد لشيءٍ “كبير”.

لم تكن هناك هالة، ولا تمهيد، ولا حتى ذلك الصمت المتعمد الذي صار يستعمله ليُذلّني أمام العيون. كان الأمر بسيطًا ومهينًا في آنٍ واحد: إصبعٌ يرتفع، كأنك تشير إلى نقطةٍ على ورقة… ثم تُصدر حكمًا.

لم أرَ الشرارة.

أقسم أنني لم أرها.

رأيتُ أثرها فقط… أثرًا مثل خدشٍ في الواقع، خطًّا رقيقًا أسودَ يمرّ في الهواء أسرع من أن تلتقطه العين، ثم يترك خلفه رجفةً باردة على الجلد. لحظة واحدة كانت كافية لأفهم أنني تأخرتُ… وأن “الثبات” الذي بنيته قبل ثوانٍ لم يكن شيئًا أمام هذا النوع من السرعة.

سمعتُ صوتًا واحدًا… ليس انفجارًا، بل تكسّر.

السيف في يدي لم ينحنِ ولم يرتدّ. انشطر. كأن الشرارة مرّت عبره كما تمر الإبرة عبر قماشٍ رقيق، فانهار النصل إلى قطعتين في لحظة، وبقي المقبض في كفي يحمل بقايا معدنية مسننة كفمٍ مكسور.

وفي نفس اللحظة… أحسستُ بها في صدري.

لم تكن ضربة على الجلد. كانت دخولًا مباشرًا، كأن خطًّا أسودَ اخترق المسافة بين إصبع الظل وقلبي بلا حواجز. شعرت ببرودةٍ قاتلة في نقطةٍ واحدة من الصدر، ثم حرارة حادة تلتها، ثم ألمٌ انفجر كأنه يريد أن يدفع الهواء خارج رئتيّ دفعة واحدة.

ترنحت.

الهواء خرج من فمي على هيئة شهقة مخنوقة. سقطتُ على ركبة واحدة، ثم الثانية، ويدي المشدودة على مقبض السيف لا تزال تقبض، كأن قبضتي لم تفهم أن السيف لم يعد سيفًا.

مددتُ يدي على صدري بلا وعي… فوجدت الدم.

دمٌ حقيقي، دافئ، كثيف، لا يترك لك مساحة لتقنع نفسك بأنك في “إقصائيات بلا قتل”. تذكرتُ جملة النظام: إن مت هنا ستموت بالفعل.

تذكرتها كما يتذكر الإنسان اسم أمه وهو يغرق.

لكن… مع كل الألم… أدركت شيئًا غريبًا: الضربة لم تسحقني كما تسحق الضربات التي محَت الحجر. لم تنفجر في داخلي. كانت جراحًا دقيقة. دقيقة لدرجة أنها—رغم فظاعتها—لم تمس شيئًا حيويًا بشكلٍ قاتل.

وكأنها… مقصودة.

وكأن الظل قال: أستطيع أن أقتلك… لكنني لن أفعل الآن. سأُريك كيف تموت لو أخطأت.

رفعتُ رأسي بصعوبة، أبحث عن الشرارة بعيني… فرأيت ما جعل الدم في عروقي يبرد أكثر.

الشرارة خرجت من جسدي.

خرجت من صدري كما يخرج سنٌّ من لحم، وواصلت طريقها من خلفي. لم تتباطأ، لم تُغير اتجاهها. انطلقت نحو المدرجات… نحو المتفرجين… نحو منطقة السحرة كلها.

كانت كإبرة تخترق الثوب.

رأيت خطها الأسود وهو يشقّ الصف الأول من الحجر، ثم الثاني، ثم الثالث، بلا مقاومة تُذكر. الحجر لم يتكسر كثيرًا. الحجر انفتح ثم انغلق… كأن الواقع يبتلع الخرق ثم يترك أثرًا أسودَ رقيقًا.

ثانية واحدة مرت… ثم ثانية أخرى… ثم سمعنا الصوت.

انفجار.

ليس انفجار كرة مانا، بل انفجار يشبه أن جبلًا وُلد فجأة ثم قرر أن يموت. ارتجت الأرض تحت الحلبة، واهتزت المدرجات، وارتفعت سحابة غبار سوداء من جهة بعيدة… ليست هنا مباشرة، بل كأن الشرارة سافرت إلى “نقطة” أخرى داخل الجزيرة ثم انفجرت هناك.

لكن ما رأيناه بعد الانفجار كان أسوأ من الصوت.

شعاع أسود… عمودٌ داكن كأنه صار جبلًا من الضوء المعكوس. ليس نورًا يضيء، بل ظلامًا يتكاثف حتى يصير مادة. ارتفع في الأفق البعيد كأن السماء انشقّت وخرج منها حبرٌ كثيف، ثم تمدد العمود لحظة… ثم سقطت حوله موجة صدمة جعلت الهواء هنا نفسه يرتجف.

كانت منطقة كاملة… تُمحى.

لم أرَ التفاصيل هناك، لكنني رأيت نتيجةً واحدة: محيطٌ يتلاشى، أرضٌ تختفي، خط الأفق يتغير، كأن الجزيرة اقتُطع منها جزءٌ كبير وترك مكانه فراغًا لا يصدق.

وعندها، قبل أن يصل أثر الفناء إلى من كان في تلك المنطقة… حدث المستحيل المنظم.

في نفس اللحظة تقريبًا—لحظة لا تزيد عن طرفة عين—لمعت الواجهات على المدرجات والحلبة كلها، لا لمعان إشعار عادي، بل لمعان “طوارئ”.

ثم… تفتحت مساحات في الهواء.

ومضات متتالية، كأن السماء صارت مرآة تتشقق لتُخرج بشرًا.

أجساد ظهرت في آخر ثانية، بعضها واقف فوجد نفسه واقفًا هنا، وبعضها كان في قفزة أو هجوم فظهر وهو يميل، فسقط على الحجر. بعضهم خرج وهو يصرخ بكلمة لم تكتمل، ثم ابتلع صراخه وهو يصطدم بالواقع الجديد.

امتلأت منطقة السحرة فجأة… ليس بخمسين، ولا بمئات قليلة، بل بكل من كان هناك في تلك المنطقة التي دُمرت قبل أن تُكمل الفناء. نقلوا جميعًا إلى هنا. إلى هذه الساحة. إلى هذه الحلبة المكسورة والحفرة التي صنعتها أنا قبل قليل.

اندفع الضجيج كفيضان بعد صمتٍ طويل.

صرخات متقطعة. شهقات. أسماء تُنادى بلا معنى. أناس يتدافعون بلا قتال، فقط لأنهم لا يفهمون أين هم. بعضهم سقط على ركبتيه وهو يضع يديه على رأسه. بعضهم قام يبحث عن خصمه الذي كان يقاتله قبل ثانيتين. بعضهم حدّق في العمود الأسود البعيد ثم عاد ينظر إلى المدرجات وكأنه يرى الحلم وهو ينكسر.

المشرف المحلي للسحرة تحرك أخيرًا كأنه استفاق من غيبوبة. رفع يده، ثم ظهرت حول الساحة خطوط ضوء خافتة لتثبيت النظام. لكن الخطوط كانت ترتجف… كأنها تحاول أن تلحق بحقيقة أكبر منها.

وفي السماء، على مسافة، رأيت المشرفين الذين طُردوا قبل قليل يعودون إلى مواقع أعلى، ليس جرأةً بل اضطرارًا، يتجمعون على أطراف المجال وكأنهم يبنون حلقة احتواء حول الكارثة.

لكنهم… لم يقتربوا من الظل.

الظل كان ما يزال فوقنا.

محلقًا، ثابتًا، يبتسم ابتسامة ساخرة… وكأنه يقول: أرأيتم؟ حتى لو منعتم القتال… أنا أكتب القاعدة.

نظرتُ إليه وأنا أتلوى من الألم داخل صدري. لم أستطع أن أمنع نفسي من التفكير: لو كانت الشرارة قد أصابتني في موضعٍ مختلف… لو كانت قد انحرفت نصف شبر… لانتهيت. بالفعل.

هو يعلم ذلك. وأنا أعلم ذلك. وهذه الابتسامة ليست سخرية فقط… إنها تذكير.

حاولتُ أن أرفع نفسي على كفي. الدم خرج من فمي في سعالٍ قصير. شعرت بمرارة الحديد على لساني. عينيّ التقطتا السيف المكسور قرب قدمي: جزء من النصل طار بعيدًا، وبقي جزء صغير حادّ ملتصق بالمقبض. لم يعد سيفًا كاملاً… لكنه ما يزال شيئًا.

على المدرجات، كان الناس ينظرون إليّ الآن ليس فقط كـ“المجهول”، بل كالمركز الذي خرجت منه الشرارة. بعضهم لا يملك أن يكرهني لأنه لا يملك معنى للكراهية في وجه هذا الهول. وبعضهم… عيناه تقول: هل كان هذا بسببك؟

سمعت همسًا في الصفوف المتقدمة، همسًا لم يعد يُخفي نفسه لأن الصدمة كسرته:

“هذا… قتال الوريث؟”

“هذه… شرارة واحدة؟”

“كيف نجونا؟!”

ثم جاءت الإجابة على شكل نصٍ بارد.

لمع إعلان على واجهتي أولاً، ثم رأيت انعكاسه على أقنعة كثيرين حولي:

إجراء طوارئ: نقل لحظي — مفعّل

سبب التفعيل: تجاوز حد الفناء المحلي

المناطق تم تنظيفها مسبقًا لتأمين النقل

تنبيه: تم منع الهلاك الجماعي بنقل آخر ثانية

قرأتها وأنا أتنفس بصعوبة. “منع الهلاك”… إذن كان سيحدث فعلاً. لم تكن خدعة. لو تأخر النقل لحظة… لانتهت منطقة كاملة ومعها من فيها.

ثم ظهر إعلان آخر… أوسع، أثقل، يصل إلى كل من في الجزيرة:

القتال الآن ممنوع — باستثناء الوريث.

مفعّل.

كنت أعرف أن هذا الإعلان صدر قبل قليل، لكن رؤيته الآن أمام هذا الدمار جعلت معناه أكثر قسوة: هم لا يملكون أن يمنعوا هذا القتال… لذلك شرعنوه. جعلوا الاستثناء قانونًا كي لا ينهار النظام كله.

في نفس اللحظة، رأيت سليم أخيرًا بوضوح.

كان قد اقترب من حافة الحلبة، لكنه توقف في منتصف الخطوة، كأن شيئًا غير مرئي ضرب صدره برسالة حمراء. رأيت وميضًا قصيرًا على واجهته، ثم انطفأ. لم أقرأه، لكنني فهمت: محاولة تدخل. منع.

هو ساحر الكلمات. يستطيع أن يهمس “توقف” فيسقط خصم. لكنه الآن… ممنوع من القتال. ليس لأنّه لا يريد، بل لأن القانون فوقه.

عينيه كانتا مشتعلة بقلق لم أره منه حتى في بحر الدم. كان ينظر إلى صدري وإلى الدم وإلى السيف المكسور… ثم يرفع نظره إلى الظل، ثم يعود إليّ. كأنه يريد أن يصرخ: انهض! لكنه لا يملك أن يصرخ.

أومأت له مرة واحدة، صغيرة، كأنني أقول: لا تتحرك. لا تكسر القيد. ليس لأنني لا أحتاجك… بل لأن هذا القيد قد يكون آخر شيء يمنع الجزيرة من أن تتحول إلى مذبح علني.

ثم رفعت رأسي إلى السماء.

الظل لم يهاجم فورًا.

ترك الناس يستوعبون. ترك المشرفين يعيدون تشكيل أنفسهم. ترك المدرجات تمتلئ بمن نُقلوا في آخر ثانية من منطقة كانت ستُمحى.

وكانت هذه… أقسى سخرية.

كأنه جعلهم جمهورًا بالقوة. لم يعد الجمهور فقط متفرجين على نصف نهائي السحرة. صار جمهورًا لقتالي أنا، ولخطرٍ يستطيع أن يمحو الجبال.

ثم سمعته يتكلم لأول مرة بصوتٍ واضح.

ليس كثيرًا. مجرد كلمة واحدة خرجت كأنها تُقال لي وحدي رغم أن الجميع سمعها:

“قِف.”

لم تكن أمرًا عاطفيًا. كانت أمرًا كونيًا.

في تلك اللحظة، انقبضت عضلات ظهري من الألم. لكنني تذكرت نمط الدرس: هو لا يطاردني عندما أكون عاجزًا تمامًا. هو ينتظر قيامي… ثم يختبرني. ويبدو أنه يريد الآن أن يختبرني أمام الجميع.

وضعت كفي على الحجر، وثبّتُّ قدميّ، وبدأت أنهض ببطء. كل حركة كانت تُشعل ضربة في الصدر. الشرارة تركت ثقبًا داخليًا، ثقبًا لا أراه لكنه يصرخ في كل نفس.

وقفتُ أخيرًا، جسدي يهتز.

وفي تلك اللحظة ظهرت رسالة جديدة على هامش رؤيتي… كأن النظام يضغط على الجرح وهو يعلّم:

فتح تدريجي: 0.000…050%

تحذير: النزيف الحقيقي — نشط

توجيه: لا تُهدر الحركة.

ابتلعت غضبي. ليس لأنني تراجعت، بل لأن الغضب الآن إن تحول إلى اندفاع سيقتلني. أنا لا أملك رفاهية “نقطة إضافية”. أنا أملك حياة واحدة… وقد قالوا بوضوح: موتي هنا موتٌ فعلي.

نظرت إلى السيف المكسور في يدي… ثم نظرت إلى الظل.

كيف أقاتله بسيفٍ مكسور؟

كيف أصد شرارة لا تُرى؟

كيف أمنع “الإبرة” قبل أن تخترق؟

وفي وسط هذه الأسئلة، أدركت شيئًا آخر كان أسوأ من الألم: الشرارة لم تكن ضربة عشوائية. كانت إظهارًا.

إظهارًا لكل شخص هنا—وللمشرفين أنفسهم—أن قواعد الإقصائيات ليست سقفًا فوق هذا القتال. وأن الجزيرة تستطيع، في لحظة، أن تُغيّر الجمهور وتغيّر الساحة وتغيّر معنى “النجاة”.

وذلك يعني أن هذا الاختبار… ليس لِي وحدي.

بل لكل من يشاهد أيضًا.

الظل رفع إصبعه مرة أخرى.

هذه المرة لم أرتجف كما في البداية. لم أتحرك بعشوائية. ركزت على شيء واحد: إذا لم أر الشرارة، سأرى أثرها قبل أن تصل—الهواء يتغير، الغبار يتشقق، الحجر أمامي ينذر.

ثبتُّ قدميّ، أملت السيف المكسور بزاوية مائلة جدًا، وجعلت جسدي “في الداخل” لا في الخط المستقيم.

ولحظة رفعه… لاحظت التفصيلة التي لم ألاحظها من قبل بسبب الصدمة: الشرارة لا تخرج من الإصبع وحده… تخرج من نية اتجاه. كتفه يثبت لحظة. زاوية معصمه تتغير نصف درجة. وهذا النصف درجة… هو ولادة الفناء.

قلت في داخلي: الآن.

انزلقت خطوة صغيرة قبل الإطلاق—خطوة استباقية—لا هربًا، بل تغييرًا لمعادلة الخط. وفي نفس اللحظة، شعرت بشيء يمر قرب وجهي كالخيط.

لم أره… لكنني رأيت الحجر خلفي يُمحى في خط رفيع.

نجوت… بفارق نفس.

وفي المدرجات، انفجر الصمت أخيرًا في همهمات صادمة، ليس تصفيقًا ولا صراخًا، بل ضجيج بشر يحاولون أن يفهموا:

“لم يره أحد…”

“كيف تحرك قبلها؟”

“هذا غير طبيعي…”

المشرفون في السماء تحركوا كأنهم يريدون الإغلاق مرة أخرى، لكنهم توقفوا قبل أن يبدأوا. الإعلان واضح: القتال ممنوع باستثناء الوريث. أي تدخل قد يعني أنهم يخالفون النظام نفسه. وهم… لا يملكون هذا الترف.

الظل ابتسم أكثر.

ليس لأنني نجوت، بل لأنني بدأت “أتعلم”.

ثم أشار بإصبعه إلى مكانٍ بعيد… لا نحوي.

وفجأة شعرت بحلقي يجفّ: هل سيكرر ما فعله قبل قليل؟ هل سيطلق شرارة أخرى تُحرق منطقة أخرى وتستدعي نقلًا جديدًا؟ هل يريد أن يجعل الجزيرة كلها مدرجًا؟

لكن الشرارة هذه المرة لم تُطلق.

الظل توقف. نظر إلى الناس، ثم نظر إليّ، كأنّه يقول: لا حاجة لإظهار أكثر. كفاية أن تفهموا.

ثم عاد ينظر إليّ وحدي.

ورفع يده… لا إصبعه.

الضغط عاد، لكنّه لم يسحقني كما في البداية. كان ضغطًا موضعيًا حول صدري، كأنه يذكرني بالثقب الذي تركته الشرارة: أنت تنزف. أنت تضعف. تعلم بسرعة، أو مت.

تقدمت خطوة واحدة نحو الداخل، والسيف المكسور أمامي، والدم يثقل النفس.

لم يعد هذا قتالًا في “حلبة السحرة” ولا في “منطقة المجهول”.

صار قتالًا فوق الجزيرة كلها، أمام من نُقلوا في آخر ثانية من فناءٍ كان سيبتلعهم، وأمام مشرفين لا يملكون إلا المراقبة، وأمام صديقٍ واحد ممنوع من التدخل.

صار قتالًا يُكتب على مرأى الجميع.

والظل… كان ينتظر أن يراني أتحول من ناجٍ يتلوى، إلى ورِيثٍ يقف.

2026/05/19 · 2 مشاهدة · 1836 كلمة
poseidon
نادي الروايات - 2026