لم تكن السماء فوق حلبة السحرة سماءً بعد الآن.

كانت سديمًا ذهبيًا حيًّا، كتلةً من طاقة روحية خالدة تمدّدت حتى صارت كأنها سقفٌ ثانٍ للوجود، وأطرافها تلامس “جدار” هذا البعد دون أن تراه الأعين. كنتُ واقفًا في مركزها، والناس من حولي—سحرة، متفرجون، مقصيون، مشرفون—مجرد نقاط صغيرة تحت بحرٍ لا يُقاس، يحدّقون إلى الأعلى وكأنهم لأول مرة يكتشفون أن العالم يمكن أن يُطوى على نفسه ويُعاد ترتيبه.

والظل… كان يراقب.

لم يعد يضحك بسخريةٍ خالصة. صار في وقفته شيءٌ أقرب إلى امتحان: “ها قد وصلت إلى الباب. هل تعرف كيف تدخل؟”

سمعته يقولها قبل قليل: لا تستدعها للخارج… اسحبها للداخل وثبّتها.

والآن كانت الطاقة الذهبية حولي تتكاثر حتى صارت تهدد أن تصير كارثة إن لم أضع لها مجرى.

في صدري كان الجرح لا يزال يقرع كجرسٍ حاد، لكنني أدركت أن الألم صار تفصيلًا أمام هذا. إذا انفلت السديم، لن يكون هناك “حفرة” جديدة ولا “منطقة تُدمّر” ثم يُنقل أهلها في آخر ثانية. سيكون تمزّقًا حقيقيًا للبعد نفسه، تمزّقًا لا أعرف إن كانت الجزيرة قادرة على ترقيعه.

رفعتُ رأسي نحو السديم، ثم خفضته ببطء، وكأنني أستدير من السماء إلى داخلي.

لم أبحث عن المانا. تركتها تسبح كضبابٍ لا يعنيني. بحثت عن الثقل… عن الذهب الذي يحن إليه جسدي كما يحن العظم إلى مفصله الأصلي.

ثم قلتها.

لم أصرخ. لم أحتاج.

خرجت الكلمة مني كأمرٍ طبيعي، كأنني كنتُ أقولها منذ زمنٍ بعيد ونسيته:

«اجتمعي.»

وكانت تلك الكلمة كأنها مفتاحٌ أُدخل أخيرًا في قفلٍ صحيح.

السديم الذهبي… الذي كان يحيط بالجزيرة كسماء ثانية… اهتز.

ليس اهتزاز خوف، بل اهتزاز طاعة.

ثم بدأ يندفع نحوي بجنون.

لم يكن اندفاعًا لطيفًا كنسيمٍ ذهبي. كان سيلًا كثيفًا، تيارًا من طاقة خالدة تتسابق لتدخل إلى “المركز”، كما تتسابق الأنهار إلى ثقبٍ فُتح فجأة في قلب الأرض. رأيت السماء الذهبية تنكمش، ورأيت الأطراف البعيدة—التي كانت تلامس جدار البعد—تُسحب إلى الداخل بخطوط طويلة من الضوء، كأن السديم كله صار شَعرًا ذهبيًا يُمشَّط نحو نقطة واحدة.

وكنتُ أنا تلك النقطة.

شعرت بالضغط قبل أن أشعر بالحرارة. ضغطٌ ليس ضغطَ سحقٍ مثل سواد الظل، بل ضغطُ “اكتمال”: كأن شيئًا أكبر من جسدي يريد أن يسكن فيه، أن يجعلني وعاءً لمعنى لا تسعه الأوعية الصغيرة.

ركبتيّ ارتعشتا. لم أسقط.

حاولت أن أتنفس… فدخل الهواء ثقيلاً، وكأن الرئتين تذوقان ذهبًا بدل الأكسجين.

في البداية خفتُ أن يقتلني التدفق. أن ينفجر صدري من الداخل. أن يتحول “الوريث” إلى قنبلة. لكنني تذكرت القاعدة الثانية من الدرس: لا تستدعها للخارج… اسحبها للداخل وثبّتها.

فتحتُ “النواة”.

كانت هناك نواة داخلية قد بدأت تتشكل قبل قليل، جوهرٌ كثيف بحجم قبضة، يتوهج بصمت. الآن، وأنا أستقبل السديم كله، جعلت النواة تتسع لا بالحجم، بل بالاستيعاب. كأنني لا أضيف غرفة جديدة، بل أعمّق القبو.

دخل الذهب في داخلي… وانطفأ من السماء.

واحدة واحدة… خطوط السديم انكمشت حتى صارت خيوطًا، ثم صارت أنهارًا صغيرة، ثم صارت خيطًا واحدًا سميكًا يهبط من “سقف البعد” إلى صدري، ثم… انقطع. انقطع لأن لا شيء بقي في الخارج.

في لحظة واحدة، تلاشى الذهب من فوق الجزيرة.

وعاد “السقف” كما كان—لكن ليس كما كان في البداية. صار السقف مكشوفًا في عيون الناس، حتى بعد أن عاد إلى هدوئه. لأنهم رأوا للحظة أن الجزيرة ليست أرضًا، وأن السماء ليست سماء، وأن ما فوقهم يمكن أن يتبدّل بأمرٍ واحد.

ساد صمتٌ ثقيل، ثم بدأ الناس يلتقطون أنفاسهم كأنهم عادوا من عمق البحر.

أما أنا… فقد شعرت أنني صرت بحرًا.

لم يعد الذهب يحيط بي، بل صار داخلي. لم يعد خارجًا يهدد بالانفلات، بل داخلًا يهدد بالانفجار إن لم أثبته.

تألم صدري أكثر. الجرح القديم صار كأنه بابٌ يرفض أن يُغلق وهو يرى هذا الثقل يدخل. شعرت بالدم يتحرك في فمي، وسعلت سعالًا قصيرًا خرج معه طعم الحديد… ثم هدأ النزيف فجأة، لا لأن الجرح شُفي، بل لأن شيئًا أثقل من الدم قال له: ليس الآن.

فتحتُ عيني.

المدرجات كانت تعجّ بأجساد كثيرة: من نُقلوا في آخر ثانية، ومن كانوا هنا أصلاً. وجوههم كانت مرفوعة إلى السماء قبل قليل، ثم هبطت إليّ الآن كأنها تتأكد أن ما رأته لم يكن وهمًا.

سليم كان واقفًا بين السحرة، عصاه على صدره، وعيناه عليّ. في نظرته كان خوفٌ لم أعرفه منه، لا خوفًا عليّ فقط، بل خوفًا من معنى أن أكون أنا “المركز” الذي يستطيع أن يُبدّل سقف العالم.

المشرفون في السماء كانوا متباعدين، يحاولون الحفاظ على خطوط احتواء لا يفهمون كيف تُحتوى. بعضهم كان ينظر إلى بعضه، لا بالكلام، بل بعيون تقول: هذا خارج جدولنا.

أما الظل… فكان ثابتًا فوق الحلبة، يُحدّق إليّ كمن ينتظر أن يرى النتيجة النهائية للتجربة.

ثم لمع إشعار أمام عيني. هذه المرة لم يكن تحذيرًا طويلًا، ولا توجيهًا متعجرفًا.

كان سطرًا واحدًا، كأنه سخرية صغيرة في وجه هذا الثقل كله:

إشعار: لقد وصلت إلى مستوى الشرذمة.

ثم سطرٌ ثانٍ، أثقل من السخرية نفسها:

الآن تستطيع قتل الظل.

ابتلعتُ الهواء.

لم أشعر بالفرح. لم أشعر بالانتصار. شعرت فقط بأن كلمة “القتل” عادت إلى الساحة كما تعود سكينٌ إلى يدٍ بعد أن ظننتها خُلعَت. كان القتال ممنوعًا للجميع… باستثناء الوريث… وأنا الوريث. والآن يقول النظام: تستطيع قتله.

نظرتُ إلى الظل.

كان يبتسم ابتسامةً أضيق من قبل، كأنه يقول: “أخيرًا.”

لم أمد يدي نحو السيف المكسور الذي تركته على الحجر. لم أحتج إليه كي أفهم. الحديد ليس عدوي ولا صديقي الآن. عدوي هو جهلي بالطاقة داخل صدري. وصديقي الوحيد هو التثبيت.

ومع ذلك… تقدمت خطوة واحدة نحو السيف.

ليس لأنني أؤمن به كسلاحٍ نهائي، بل لأنه رمز. رمز لكوني ما زلت إنسانًا يقاتل بقرار، لا مجرد وعاء للطاقة.

التقطت المقبض. كانت القطعة المتبقية من النصل قصيرة، مسننة، لا تصلح لقطع جبل. لكنني لم أرد قطع جبل. أردت قطع “نية” تقف فوقي وتضحك.

رفع الظل إصبعه مرة أخرى… ثم توقف.

كأنه أعطاني فرصة، ليس رحمةً، بل احترامًا للدرس: الآن أنت قادر. أرني.

أغمضتُ عيني نصف إغماضة، لا هروبًا، بل تركيزًا. سحبت الذهب إلى الداخل كما قال. لم أسمح له أن يفيض إلى الخارج كوهجٍ يعلنني. جعلته يدور حول النواة في صدري، ثم يخرج منه خيطٌ واحد فقط، خيط كثيف يسري عبر ذراعي إلى المقبض، ثم إلى حافة النصل المكسور.

لمع طرف النصل بذهبٍ صامت. لم يصنع “سيفًا جديدًا”، لم يعوض الحديد. فقط جعل ما بقي… يحمل معنى أكبر من الحديد.

فتحتُ عيني.

الظل كان هناك.

المدرجات هناك.

المشرفون هناك.

والجزيرة كلها… صارت حلبة، كما قال الإعلان.

لكنني لم أعد ذلك الذي التصق بالأرض تحت الضغط، ولا ذلك الذي طار وصنع حفرة، ولا ذلك الذي كاد يقتل الجميع وهو يجهل ماذا يفعل. كنتُ الآن مركزًا يملك مجرى، ولو بدائيًا.

خطوتُ خطوة ثانية.

في الهواء، تكسرت الهمهمات. بعض الناس حاولوا الوقوف، ثم تذكروا القاعدة، فتجمدوا. أحدهم رفع يده إلى سلاحه ثم أنزلها فورًا. الجميع صاروا حجرًا، لأن الإعلان قفلهم. وأنا وحدي كنت أتحرك.

في السماء، تحرك المشرفون قليلاً كأنهم يريدون التدخل، ثم توقفوا. لا يستطيعون. ليس بعد أن طردهم الظل بنيه القتل. وليس بعد إعلان “استثناء الوريث”.

الظل… هبط قليلًا، حتى صار على ارتفاعٍ أقرب، كأنه يريد أن يجعل هذه المواجهة “قريبة”.

ثم قال بصوتٍ واضح:

«الآن… لا تختبئ خلف الخوف.»

لم أجب.

الرد الوحيد الذي يهم هو الحركة.

رفعت النصل المكسور بزاوية مائلة—كما تعلمت مع خطوط الفناء—لا كدرع، بل كخطٍّ يرسم مسارًا.

ثم اندفعت.

لم تكن اندفاعة عشوائية. كانت ثلاث خطوات قصيرة، مع ثبات كعبين، وتنفسٍ محسوب. كنت أحمل الذهب داخل صدري، لا على جلدي. كنت أتحرك وكأنني أجرّ ثقلًا داخليًا، لكنني لم أسمح للثقل أن يعطلني. جعلته سندًا، لا حملاً.

رفع الظل إصبعه… وخرجت الشرارة.

هذه المرة رأيت أثرها قبل أن تقترب.

لم أكن أرى “الشرارة” نفسها، لكنني صرت أرى تموج الهواء حولها، تلك الرجفة الباردة التي تسبقها. تحركت قدمي قبل عقلي، وتحوّلت الزاوية في يدي نصف درجة.

لم أصد الشرارة.

لم أحاول أن أوقفها بحديد.

جعلت الذهب داخل النصل يلتقطها… لا ليبتلعها كما ابتلعت النجم الأسود، بل ليمرّرها.

مرت الشرارة بجانب صدري… ولم تخرقني.

مرت كخيطٍ أسود انحرف قليلًا، ثم ضرب طرف الحلبة فمحا موضعًا صغيرًا منها.

سمعت شهقةً جماعية.

ليست شهقة إعجاب. شهقة “هو نجا”.

لأنهم رأوني قبل دقائق أُثقب وأكاد أموت.

لكنني لم أتوقف.

واصلت الاقتراب.

الظل تحرك خطوة واحدة… تلك الخطوة التي كانت سابقًا كافية لتجعلني في الهواء. هذه المرة شعرت بضغطها… لكنني لم أطِر. شعرت بكأن الهواء أمامه ينغلق، ثم يعود. كأنه حاول أن يرمي عليّ نفس الضربة… ثم اكتشف أنني أثقل من أن يُرمى بسهولة.

رفع يده بدل الإصبع.

ضغطٌ موضعي هبط على كتفي.

ركبتي كادت تنحني… لكن النواة في صدري شدّت نفسها، والذهب في الداخل صار كعمودٍ ثانٍ يدعم العمود الأول.

ثبتُّ.

ثم ضربت.

لم يكن هدفي أن أقطع جسدًا، لأن جسده ليس جسدًا واضحًا. هدفي أن أثبت أنني أستطيع أن ألمسه، أن أجعله يتراجع، أن أكسر ابتسامته.

مرّ النصل عبره… ثم اصطدم بمقاومة خفيفة، كما لو أنني ضربت حافة واقعٍ لا دخانًا.

هذه المرة كانت المقاومة أوضح من المحاولة السابقة. شعرت باهتزازٍ في ذراعي، وسمعت صوتًا خافتًا… ليس صوت معدن، بل صوت “قانون” يُخدش.

تراجع الظل نصف خطوة.

نصف خطوة فقط… لكنها كانت أول تراجعٍ حقيقي.

ابتسامته انكمشت لحظة، ثم عادت، لكن أقل سخرية.

في تلك اللحظة، ظهر إشعار آخر في هامش رؤيتي:

تثبيت: مستقر — مؤقتًا.

تحذير: الإفراط يسبب تمزقًا داخليًا.

لم أحتج أن يذكرني. كنت أشعر بذلك في صدري. الذهب داخلي ليس بحرًا هادئًا. هو محيط محبوس داخل عظمٍ ولحم. إن فتحته أكثر مما ينبغي، سيأكلني.

لكن النظام قال: الآن تستطيع قتله.

والظل قال: إن لم تستخدم قوتك ستموت ميتة البهيمة.

بين الاثنين… لم يعد لدي خيار سوى أن أوازن: قوة كافية لتقتله، لا قوة كافية لتقتلني.

رفع الظل إصبعه مرة أخرى… ثم رفع يده الثانية أيضًا.

هذه المرة لم تكن شرارة واحدة. كانت شرارتين متتاليتين، ثم ثالثة، كأنّه يختبر “ثباتي” تحت تتابع سريع.

تحركت… خطوة، ثم خطوة، ثم انحراف صغير.

لم أتجنبها كلها. واحدة مرت قرب كتفي وحرقت الهواء على جلدي. شعرت بلسعة باردة، لكن لم تخترق.

الثانية ضربت النصل، فاهتزت يدي، وسمعت صريرًا في الحديد المكسور… لكن الذهب داخله امتص جزءًا من الهجوم فمرّ أثرها إلى الأرض بدل أن ينكسر المقبض.

أما الثالثة… فقد جاءت نحو صدري مباشرة.

هنا لم أراوغ.

لم يكن هناك وقت.

فتحت فمي، لا لأصرخ، بل لأُطلق أمرًا داخليًا كما فعلت: اجتمعي.

قلت في داخلي: اثبتي.

الذهب في النواة انضغط، ثم تمدد كغشاء كثيف أمام صدري—غشاء غير مرئي للعين، لكني أحسسته كلوحٍ ثقيل.

اصطدمت الشرارة به… فانحرفت، ومرت إلى الجانب، ومحت شبرًا من الحجر ثم انطفأت.

تراجعت نفسًا واحدًا، لأن الحركة كلفتني الكثير. شعرت بجرح صدري يصرخ، ودمٍ يعود إلى فمي.

لكنني كنت ما أزال واقفًا.

وفي المدرجات، سقطت همهمة خافتة، همهمة أشبه بذكرٍ ديني: “هو يثبت… هو يثبت…”

لم أرد أن أسمعها. لأنها خطر. الخوف أن أصدقها فأفلت.

الظل توقف لحظة.

ثم قال بصوتٍ منخفض:

«جيّد… الآن اقتلني.»

كانت جملة تختصر كل ما سبق.

ليست تشجيعًا.

بل تحدٍّ أخير.

رفعت النصل المكسور، وجعلت الذهب يتركز في طرفه. لم أسمح له أن يفيض في الهواء. جعلته نقطة كثافة. نقطة واحدة… كإبرة.

ثم تقدمت خطوة ثالثة نحو الداخل، حتى صار بيني وبينه مسافة ضربتين.

وفي هذه المسافة بالذات، أحسستُ بشيءٍ جديد: ليس مانا، ليس ذهبًا… بل تذكّر. تذكّر بلا صور. تذكّر في الجسد: هذا الوضع، هذا الثقل، هذا النوع من القتال… كنت أعرفه سابقًا. لا أعرف متى. لكن جسدي يعرف.

وهذا وحده جعل عيني تضيقان.

ليس لأنني اكتشفت سرًا جديدًا، بل لأنني تأكدت أن ما يحدث الآن لم يُخلق في هذه البطولة فقط. هذا امتداد لشيءٍ أقدم.

شدّدت قبضتي على المقبض… ثم رفعت النصل.

لكن قبل أن أضرب، لمع الإشعار مرة أخرى، كأنه يدفعني دفعًا:

حالة: مستوى الشرذمة — مكتمل.

إذن: مسموح بالإنهاء.

تنفستُ مرة واحدة فقط.

ثم ضربت.

2026/05/19 · 1 مشاهدة · 1813 كلمة
poseidon
نادي الروايات - 2026