ضربتُه.
لم تكن ضربةً بالسيف وحده… كانت ضربةً بالسيف وبالجوهر الذي ثبّتُه في صدري، وبالإرادة التي قالت:
كفى.
مرَّ النصل المكسور خلال جسده—كما يمرُّ شيءٌ عبر دخان—ثم اصطدم هذه المرة بمقاومةٍ حقيقية، مقاومة جعلت ذراعي ترتجف، وجعلت الهواء يئنّ. وفي اللحظة التالية… انفلق الواقع .
لم يكن انفلاقًا على شكل شقٍّ رفيع كما اعتدتُ عند ظهور المشرفين. كان تمزقًا في القماش نفسه؛ فتحت الحلبة فمًا صغيرًا، فمًا رأيت من داخله امتزاجًا مستحيلًا: ضوء ذهبي خالص يندفع كأنه دمُ السماء، و سواد قاتم يلتف حوله كحبرٍ يريد أن يخنقه. اختلط اللونان لوهلة، ثم افترقا، كأنهما يتشاجران داخل نفس الجرح.
سمعتُ همهمةً صامتةً من المدرجات. لم تكن كلمات، كانت ارتعاشة جماعية، كأن أجساد آلاف المتفرجين فهمت قبل عقولهم أن ما يحدث هنا ليس “نزالًا”، بل كسرٌ لطبقة من طبقات هذا البعد.
وبين الذهبي والأسود… تراجع الظل نصف خطوة.
أول مرة رأيتُه يتراجع بهذه الطريقة.
ابتسامته انطفأت للحظة.
ظننتُ أنني قتلته.
لم أقلها بصوت، لكن داخلي قالها كمن يريد أن يُنهي فصلًا طويلًا من الإذلال:
انتهى.
ثم… عاد.
عاد من داخل التشقق نفسه، كما لو أن الجرح لفظه بقسوة. جسده—أو ما يشبه جسده—كان ممزقًا، خطوط سوداء متكسرة عبره كشقوقٍ على زجاجٍ محترق، والذهب الذي خرج من الانفلاق كان يلتصق بأطرافه كندبةٍ مضيئة. كان مصابًا… مصابًا بشدة، على نحوٍ جعل وقفته لأول مرة تبدو “ثقيلة”.
لم يهاجم.
لم يرفع إصبعه.
وقف فقط… ينظر إليّ.
وكان في نظرته شيءٌ لم أسمعه منه من قبل: طلب .
توقفتُ. لم لأنني خفتُ، بل لأن المفاجأة كانت ثقيلة. جسدي كان يتوقع أن يردّ بقسوة، أن ينتقم لضربتي، أن يعيدني إلى الأرض. لكنه لم يفعل.
رفعتُ يدي ببطء، ثم وضعتُ السيف جانبًا على الحجر المكسور. لم أرمِه بعنف، فقط تركته… كأنني أقول للجوهر في صدري: الآن أنت أداة القتال.
الظل تحرك خطوة صغيرة. ليس اقترابًا عدائيًا، بل اقتراب من شخصٍ لا يريد أن ينتهي قبل أن تُقال كلمة.
قالها بصوتٍ واضح، خالٍ من السخرية هذه المرة:
«اقتلني.»
الكلمة سقطت على المدرجات كحجر. رأيتُ أكتافًا ترتجف. رأيتُ مشرفًا في السماء يمد يده ثم يسحبها، كأن البروتوكول يريد أن يتدخل، ثم يتذكر إعلان الجزيرة: القتال ممنوع إلا للوريث. وأنا الوريث. وهذا… “خصمي”.
سليم… كان يحدق فيَّ. لم يتحرك. لا يستطيع. لكن عينيه كانت تصرخان دون صوت:
انتبه.
لم أجب الظل فورًا. لم أكن أعرف إن كان “اقتلني” خدعة أخيرة. ولم أكن أعرف إن كان قتله يعني نهاية هذا الاختبار… أم بداية شيءٍ آخر.
لكن شيئًا داخليًا—شيئًا قاسيًا—قال: لن أقتله الآن بذات الطريقة. إذا كان هذا درسًا، فلن أُغلقه بصفحة واحدة. سأجرب… سأتعلم.
فجأة خطرت لي فكرة سخيفة… فكرة لا تليق بهذا المشهد الكوني، لكنها تليق بي أنا، الإنسان الذي ما زال يحمل داخله جزءًا يرفض أن يصير تمثالًا من المهابة فقط.
قلت في نفسي:
هل أستطيع أن أطلق الطاقة كما يفعل هو؟
هو كان يطلق الشرارة من إصبع، يطلق النية فتتحول إلى خطٍّ يمحو الحجر. وأنا… إلى الآن كنت إما أصدّ، أو أبتلع، أو أثبّت. لم أُطلِق.
والظل قبل دقائق قالها بوضوح: “لا تستدعها للخارج… اسحبها للداخل وثبّتها.” لكن هذا لا يعني أن إطلاقها مستحيل. يعني أنه يحتاج معيارًا. ويعني أن إطلاقها دون تثبيت قد يجعلني أنا أول من يحترق.
تقدمت خطوة واحدة إلى الوراء، ليس تراجعًا، بل مساحة.
وقفتُ بثبات، ثم عدلتُ وضعيتي.
انحنيتُ قليلًا، جعلتُ قدميّ ثابتتين كأنني أغرسهما في الحجر، وضعتُ يديّ على جانبي الأيمن… يد فوق الأخرى… تمامًا كما كنت أرى في مشهدٍ قديم من ذاكرةٍ ليست ذاكرتي. مشهد من ثقافة الأرض، من لعب الطفولة والسخرية… “كااامي هااامي…”
لو كان في هذا المكان وقتٌ للضحك، لضحكوا. لكن الذي حدث كان أغرب: بعض المتفرجين لم يفهموا، وبعضهم فهم فشهق، وبعضهم ظن أنني فقدت عقلي.
سمعت همسة خافتة جدًا من المدرجات، همسة خرجت ثم اختنقت: “شنو… كييدير؟”
لم أرد. لم يكن لدي وقت.
رفعتُ رأسي نحو الظل، وقلت بصوتٍ خرج أقوى مما توقعت، لأن الذهب في صدري صار يضغط على الحروف:
«كااامي… هااامي… هاااااا…!»
وفي اللحظة التي نطقت فيها آخر الصوت… اندفعت.
لم أندفع نحوه بجسدي فقط. اندفعت بالنواة في صدري.
فعلت ما علّمني الظل دون أن يقصد: لم أستدعِ الذهب إلى الخارج كفوضى. سحبته إلى الداخل أولًا، ضغطته في النواة، ثم فتحته قناة واحدة فقط… قناة من النواة إلى الكتف، إلى الذراعين، إلى الكفين اللتين وضعتُهما فوق بعض.
شعرت بالذهب يمرّ في داخلي كتيارٍ ثقيل، كأنه معدنٌ منصهر لكنه لا يحرق الجلد، بل يحرق “الحدود”. مع كل نبضة، كان الجرح في صدري يصرخ، كأنه يحاول أن يمنعني:
لا تفعل… لا يزال التثبيت بدائيًا.
لكنني كنت قد اتخذت القرار.
تجمعت الطاقة بين راحتيّ… لا على شكل كرة مانا زرقاء، بل على شكل كتلة ذهبية كثيفة ، صامتة، مضيئة دون أن تضيء العالم كله. كانت كأنها “شمس صغيرة” بلا حرارة نار، حرارة ثقل.
ومع أول نفسٍ كامل استطعتُ سرقته… أطلقتها.
خرجت من بين كفيّ دفعة واحدة . لم تكن خطًا رفيعًا كشرارة الظل، ولا كانت نجمًا أسود. كانت شعاعًا ذهبيًا خالصًا ، عريضًا، مستقيمًا، فيه هدوء قاتل—هدوء شيء لا يحتاج أن يصرخ ليكون مخيفًا.
الشعاع لم يصفّر في الهواء. الهواء نفسه انحنى له.
رأيت الحجر على أرض الحلبة يتوهج للحظة تحت مساره، ثم يهدأ، كأنه صار “أخف” تحت هذا الثقل. رأيت الغبار يتناثر بعيدًا كما لو أن الشعاع لا يدفعه بعنف، بل يأمره أن يبتعد.
الظل لم يتحرك فورًا. كأن جزءًا منه كان يريد أن يرى: هل فعلتها حقًا؟ هل أنت قادر على الإطلاق دون أن تتمزق؟
ثم—في اللحظة التالية—رفع يده كما لو أنه سيقطع الشعاع بخط فناء. لكن الذهب كان قد خرج، وكان يملك شيئًا لا يملكه السواد: ثبات مركز .
اصطدم الشعاع بجسده.
ولأول مرة… لم يمرّ عبره كدخان.
اصطدم به كشيءٍ يصطدم بشيء.
سمعتُ صوتًا غريبًا… صوتًا ليس انفجارًا، ولا صرير معدن، بل صوت “طبقة” تتكسر. كأن هناك قشرةً من ظله انشقّت تحت الذهب.
انفجر الضوء عند نقطة الاصطدام، لا انفجار تدميرٍ عشوائي، بل انفجار انتشار: دوائر ذهبية خرجت من جسده كتموجات على ماء، وفي وسطها ساد سوادٌ يتقلص، يُدفع إلى الداخل.
صرخ أحد المتفرجين. صرخة قصيرة، ثم صمت. كأنهم تذكروا أنهم لا يعرفون إن الصراخ مسموح.
المشرفون في السماء اهتزوا مرة أخرى. دوائر بروتوكول ظهرت ثم اختفت، كأنهم يريدون أن يضعوا حدًا للشعاع، ثم يتذكرون أن الوريث مستثنى، وأن التدخل قد يفتح كارثة أكبر.
أما أنا… فشعرت بالثمن فورًا.
لم يكن الثمن فقط تعبًا. كان تمزقًا داخليًا .
القناة التي فتحتها لم تكن أنبوبًا ناعمًا. كانت شقًا بدائيًا في جسدي. الذهب حين خرج، سحب معه شيئًا منّي. شعرت بعروق صدري تتقلص، وجرحي يفتح نفسه للحظة. الدم صعد إلى حلقي، وبلعتُه بمرارة، لأنني إن سعَلت فقد أفقد التحكم في الشعاع.
استمر الشعاع ثانية… ثم ثانية… ثم ثالثة.
لم أسمح له أن يستمر أكثر. التثبيت قال: كفاية. إن فتحت أكثر، سينفجر الجوهر فيك.
فأغلقت القناة فجأة.
انقطع الشعاع… وبقي أثره.
الظل سقط نصف سقوط في الهواء، ثم ثبت نفسه بصعوبة. كان ممزقًا أكثر، خطوطه السوداء متكسرة، والذهب يلمع في مواضع كأنه كيٌّ لا يُشفى. نظر إليّ… هذه المرة بلا ابتسامة.
ثم رفع رأسه قليلًا… وقال بصوتٍ خافت، كأنه يعترف رغمًا عنه:
«هذا… قريب.»
لم أفهم إن كان يقصد “قريب من قتلي” أو “قريب من الحقيقة”. لكنني فهمت شيئًا آخر: إطلاق الطاقة ممكن… لكنه يقتلني ببطء إن لم أُحسن التثبيت.
على المدرجات، كان الناس لا يزالون ملتصقين بالحذر. بعضهم حاول أن يقف ثم جلس، بعضهم رفع يده إلى فمه، بعضهم نظر إلى السماء ثم عاد إليّ كأنني صرت خطرًا أكبر من الظل نفسه. لأن الظل كان معلمًا قاسيًا… أما أنا، فأنا وعاءٌ قد ينفلت.
ظهرت رسالة على هامش رؤيتي، ببرود النظام الذي يحب أن يكتب النتائج:
تقرير فوري: إطلاق خارجي — ناجح تحذير: ثبات القناة منخفض إجهاد داخلي: مرتفع ثم سطرٌ قصير، مستفز كعادته: الشرذمة… لا تعني الأمان.
كتمت غضبي. لم أرد أن ينهار توازني.
الظل تحرك ببطء في الهواء، كأنه يحاول أن يبقى قائمًا رغم جراحه. ثم قالها مرة أخرى، بنبرةٍ أوضح، كأنه لا يملك رفاهية المجاملة:
«اقتلني.»
كانت الكلمة الآن مختلفة. لم تعد أمرًا تعليميًا فقط. صارت أيضًا… نهاية.
نظرتُ إلى السيف المكسور على الحجر. ثم نظرت إلى كفيّ، حيث ما زال الذهب يرتجف كأنه يريد أن يخرج مرة أخرى. ثم نظرت إلى المدرجات، إلى سليم، إلى العيون التي أصبحت تعرف أن الجزيرة ليست أرضًا، وأن القتل ليس نهائيًا للجميع… لكنه قد يكون نهائيًا لي.
تنفست نفسًا واحدًا.
وعدت إلى الداخل.
لم أفتح قناةً ثانية. لم أطلق شعاعًا آخر. بدل ذلك… ضغطت الجوهر في صدري ضغطًا بطيئًا، جعل الذهب يصير أثقل، أصغر، أكثر تركيزًا. إذا كان الإطلاق خطرًا لأن القناة غير ثابتة، فالطريق الآخر هو أن أجعل الذهب إبرة كما قلت لنفسي من قبل—إبرة لا تحتاج شعاعًا واسعًا.
رفعت يدي أمامي، ببطء.
لمعت أطراف أصابعي بذهبٍ خافت.
الظل… لم يهرب.
وقف ينتظر، كما كان ينتظر قيامي كل مرة.
وفي اللحظة التي كدتُ أتحرك فيها لتنفيذ “القتل” الذي يطلبه… اهتزّ البعد من حولنا اهتزازًا خفيفًا، كأن الجزيرة نفسها تنبّه: هناك خطوة ستُغيّر شيئًا أكبر من الحلبة.
لم أعرف إن كان هذا تحذيرًا… أم فتحًا… أم بداية لما بعد الدرس.
لكنني عرفت شيئًا واحدًا يقينًا:
هذه المرة، إن أنهيته… لن يكون ذلك مجرد نهاية خصم.
سيكون ختمًا على اختبارٍ كامل.