رفع سليم العصا قليلًا عن صدره لأول مرة منذ بدأ الهجوم عليّ، وبدا المشهد كأنه انقلب رأسًا على عقب: قبل دقائق كانوا خمسةً يحيطون بي، والآن صار الفراغ بيننا أوسع من الحلبة نفسها.
كنت أسمع أنفاسي… وأسمع أنفاسه.
والأغرب أني كنت أسمع شيئًا ثالثًا أيضًا: صمت المدرجات وهي تبتلع دهشتها. أربعة خرجوا خلال لحظات، ولم يبقَ غيرنا. في عيونهم لم نعد “متصدرين” فقط، بل صرنا النهاية التي كانوا ينتظرونها منذ أن أعلنت الجزيرة: ترتيب… حتى يبقى آخر واحد.
لكن بالنسبة لي، النهاية لم تكن “آخر واحد” فقط. كانت اسمًا واحدًا ينظر إليّ بهدوء: سليم.
وقف بعيدًا عني بخطوتين أو ثلاث، العصا مرفوعة بزاوية لا تهدد ولا تستعرض، وكتمه مضبوط كما لو أن المانا نفسها تتعلم من صمته. عيناه كانتا واضحتين خلف القناع أكثر مما أرتاح له. لم يكن ينظر إلى الذهب في صدري ولا إلى ما فعلته بالآخرين، بل كان ينظر إلى شيء واحد: قراري.
قلت في داخلي: هو لا يهاجم… لأنه ينتظر مني أن أهاجم أولًا.
وأنا؟ كنت أعرف أنني إن هاجمت بعنفٍ سأنقضّ عليه، نعم… لكنني سأفتح بابًا لا أريده: باب الذهب المنفلت، باب “الوريث” الذي ينسى أنه بشر. كنت قد خرجت للتو من اختبار الظل، ومن تثبيتٍ بالكاد اكتمل، ومن جرحٍ سُكِّر بخياطة المعالجة… لا أريد أن أعود إلى الفوضى.
خطوت خطوة صغيرة للأمام، ثم توقفت. رفعت كفي الفارغة قليلًا، لا علامة استسلام، بل علامة أنني لا أريد أن أكذب عليه. قلت بصوتٍ منخفض، يكفيه وحده:
“لن أؤذيك… إن استطعت.”
لم يبتسم سليم. لم يرد بكلمة طويلة. فقط قال بهدوءٍ غريب، كأنه يضع قاعدة قبل أن يضع ضربة:
“وأنا كذلك.”
ثم انخفض صوته أكثر:
“لكن لا تضعني في زاوية.”
فهمت قصده فورًا. إذا اضطره الوضع إلى خيارين: أن يسقط أو أن يكسر القاعدة… سيكسر القاعدة. وسليم، رغم كل شيء، لا يملك أن يكون ضعيفًا الآن. ليس أمام هذا العدد من العيون. وليس بعد كل ما حدث من قبل.
ثبتُّ قدميّ، وأعدتُ التركيز على النواة في صدري. الذهب كان ثابتًا، يدور ببطء كمدارٍ ضيق. لم أسمح له أن يتسع. قلت في نفسي: لا إطلاق. لا شعاع. فقط وزن… وثبات.
ثم بدأت الحركة.
لم يبدأها سليم بكلمةٍ من بعيد كما يفعل عادة في الإقصائيات. بدأها بخطوة.
خطوة واحدة جعلت الهواء أمامه يتغير. لم أرَ وهج مانا كبير، لكنني شعرت بتبدلٍ في “قوام” المكان… كأن الحلبة نفسها تحولت إلى صفحة تُكتب عليها جملة جديدة.
قال سليم كلمة واحدة فقط، بلا رفع صوت:
“ثِقَل.”
لم تكن الكلمة موجّهة إليّ وحدي، بل إلى الأرض بيننا. فجأة صار موضع قدمي كأنه لزج. ليس طينًا… بل ثقلًا غير مرئي يسحب الساق إلى الأسفل. فهمت حيلته فورًا: لا يريد أن يسقطني، يريد أن يبطئني، ثم يضع كلمته التالية في اللحظة الصحيحة.
لم أقاوم الثقل بالقفز. القفز يفتح خللًا في التثبيت. بدل ذلك، أنزلت ثقل جسدي أكثر. جعلت نفسي أثقل عمدًا، ثم نقلت الثقل من الكعب إلى مقدمة القدم ببطءٍ محسوب. كان الأمر يشبه السير في ماءٍ كثيف، لكنني لم أتوقف.
رأيت سليم يضيق عينيه قليلًا. هذا يعني أنه فهم: أنا لا أقاوم كلماته بحيلة أخرى… أنا أقاومها بنفس المبدأ الذي علمني إياه الظل: محور داخلي وثبات.
قال سليم كلمة ثانية:
“انحراف.”
وشعرت بالهواء يزيغ نصف درجة، كأن اتجاه جسدي يريد أن ينزلق نحو اليمين دون إرادتي. هذه ليست ضربة تقتل؛ هذه ضربة تسرق “الزاوية”، ثم تجعل خصمك يخطئ خطوة واحدة. والخطوة الواحدة في هذه المرحلة قد تعني الخروج من الحلبة.
تركت قدمي تتحرك نصف خطوة مع الانحراف، ثم ثبّتُّها فجأة. لم أقاوم بالقوة، بل بالتوقيت: جعلت الانحراف يأخذ جزءًا من حركتي… ثم أوقفته بإرادة ثابتة. كان كأنني أقول للكلمة: “خذ ما تشاء… لكن لا تأخذني.”
في تلك اللحظة، تحرك سليم بسرعة.
لم يكن سريعًا كالمبارز، لكنه كان سريعًا كالساحر الذي يعرف أين ستضع قدمك قبل أن تضعها. اقترب وهو يرفع العصا بزاوية ضيقة، لا ليضربني في صدري، بل ليضرب الأرض قرب قدمي. ضربة على الأرض تُحدث اختلالًا في الوقفة، ثم “سقوط” أو “توقف” تكمل.
لكنني كنت قد تعلمت اليوم أن لا أترك خصمي يكتب كامل الجملة. قطعْتُ الكلمة قبل أن تكتمل.
مددت كفي نحو الأرض، ولمست الحجر لمسًا خفيفًا جدًا. لم يكن لمسًا للطيران كما فعلت مع المدرعة. كان لمسًا لإعادة “وزن” موضعٍ صغير. أحسست بالحجر يصير أكثر ثباتًا تحت قدمي، كأن الجاذبية نفسها اتفقت معي على أن لا تُسرق الوقفة الآن.
ضربت عصا سليم الأرض… ولم يحدث الاختلال الذي أراده.
ارتدّ طرف العصا قليلًا. وسمعت على المدرجات شهقة مكتومة: أول مرة يرون سليم يخطئ “تقنيًا” داخل حركة قصيرة.
تراجع سليم خطوة واحدة، ليس هربًا، بل إعادة ضبط. ثم قال كلمة ثالثة بنبرة أعلى قليلًا:
“سكون.”
وهذه المرة لم يكن السكون سكونًا في الهواء فقط. كان سكونًا في أطرافي. شعرت لحظة أن يدي تريد أن تتوقف، أن النفس يريد أن ينقطع، أن القلب نفسه يريد أن يبطئ.
هنا، ولأول مرة، شعرت أن كلماته تحاول أن تلمس شيئًا أعمق من الجسد… تحاول أن تلمس الإرادة.
الذهب في صدري اهتزّ قليلًا، لا لأنه يريد الخروج، بل لأنه شعر بالتهديد. النواة قالت: “لا.”
فتحت عيني على سليم بحدة، وقلت في داخلي كلمة واحدة لم أنطقها: ثبِّت.
واستجابت النواة. سكون سليم لم يختفِ فورًا، لكنه صار كأنه يمر فوق سطحٍ أملس دون أن يجد خطافًا. يدي ارتجفت ثم تحركت. قدمي تحركت. النفس عاد.
رأيت في عيني سليم شيئًا يشبه الاعتراف: أنا لا أملك مانا لأقاومه، لكن لدي “شيء” أثقل.
وبينما كان يحاول أن يجد كلمة جديدة، تقدمت أنا لأول مرة بشكلٍ حاسم.
لم أندفع نحوه بقوة الذهب. اندفعت بخبرة جسدي، وبثبات النواة، وبحقيقة أنني الآن لا أريد إخراجه من الحلبة بلمسة واحدة كما فعلت مع الآخرين. أريد مواجهة نظيفة معه، مواجهة لا تجرحه ولا تقتل صداقتنا داخل القاعدة.
اقتربت بخطوات قصيرة متتالية، كل خطوة تضع نفسها على محور داخلي. سليم تراجع قليلًا، ليس خوفًا، بل ليحافظ على المسافة التي يحتاجها لكلماته.
رفع العصا، وقال بسرعة:
“توقف.”
كانت كلمة مباشرة، تريد أن تقطع اندفاعي قبل أن أصل إليه.
لم أقاوم “التوقف” بمحاولة كسرها، لأن كسرها قد يدفعني إلى فتح الذهب أكثر. بدل ذلك، جعلت جسدي يتوقف فعلًا… لكن نصف ثانية فقط. توقفت كمن يطيع، ثم غيرت الاتجاه فورًا بخطوة جانبية قصيرة. كأنني قلت: “سأتوقف… لكن لن أتوقف حيث تريد.”
سليم فهم الخدعة. قال كلمة أخرى فورًا:
“سقوط.”
كان يريد أن يجعل قدمي تخرج من تحتّي في نفس اللحظة. لكنه نطقها وأنا لم أعد في المكان الذي كان يتوقعه. سقط الحجر تحت قدمي نصف سنتيمتر فقط، لم يكن سقوطًا كاملًا. اهتزت ركبتاي، لكنني ثبتُّ.
في تلك الثانية، وصلت إليه.
لم أضربه بقبضة. لم أضربه بسيف. مددت يدي ووضعت كفي على العصا قرب مقبضها.
هذه كانت لحظة حساسة: إن دفعت بعنف، قد يطير سليم خارج الحلبة. وإن تركته، سيعود هو ويكتب كلمة أخرى. أردت حلًا ثالثًا: تعطيل العصا دون إقصاء.
ضغطتُ بقدرٍ طفيف جدًا من الذهب—قدر يشبه “تذكيرًا” لا ضربة. أحسست بالعصا تثقل فجأة، كأنها صارت تحمل وزنًا أكبر من أن تُرفع بسهولة. سليم حاول أن يسحبها… فوجدها أبطأ.
نظر إليّ. للحظة كنا قريبين جدًا، أقرب من أي وقت في المرحلة الثانية. لم يكن بيننا فخاخ ولا وحوش ولا فرق. فقط رجلان… وقانون ترتيب.
همس سليم:
“أنت أقوى.”
قلت بصوتٍ منخفض:
“أنت أذكى.”
ثم تركت العصا… وتراجعت خطوة صغيرة، كما لو أنني أعطيه مساحة ليصحح إيقاعه. لم أرد أن أسحقه. أردت أن أختبر نفسي: هل أستطيع أن أفوز دون أن أصبح وحشًا؟
في تلك اللحظة، سليم ابتسم ابتسامة خفيفة جدًا. لأول مرة منذ دخلنا الحلبة. ابتسامة لم تكن سخرية… كانت فهمًا.
قال:
“إذن لنفعلها بجد.”
ورفع العصا بكل ما لديه. الثقل الذي وضعتُه عليها انزاح. لا لأنني رفعت يدي، بل لأن سليم دفع ماناه بطريقة مختلفة: لم يعد يعتمد على كلمة واحدة، بل جعل الكلمات تتعاقب كخيط.
“ثِقَل… سكون… انحراف.”
ثلاث كلمات في نفس النفس.
فجأة صار الهواء أمامي أثقل، ثم صارت أطرافي أبطأ، ثم صار جسدي يريد أن يزيغ. هذا كان أقسى تركيب منه حتى الآن. هذه ليست كلمات تدريب. هذه كلمات رجل يريد الفوز دون قتل.
شعرت أن النواة في صدري تتعرض لاختبار جديد. الذهب اهتز. حاول أن يخرج. قلت له: لا.
لكن “لا” وحدها لم تعد كافية. احتجت تقنية جديدة: تحويل الثقل إلى حليف بدل أن يكون عدوًا. فعلت ما تعلمته تحت ضغط الظل: أنزلت ثقل جسدي أكثر، وجعلت نفسي أثقل من كلمة “ثقل”. ثم جعلت السكون يمر فوقي دون أن يمس النواة مباشرة، كمن يترك موجة تمر فوق صخرة. ثم سمحت للانحراف أن يأخذني نصف خطوة… لكنني جعلته يأخذني إلى زاوية تفيدني.
وفجأة… وجدت نفسي قرب الخندق الذي أرادت المدرعة أن تجعله قاطعًا للطرق.
سليم كان يريد أن يدفعني إليه، ثم يكتب “سقوط” فتسقط قدمي في الخندق وتخرج من الحلبة. فهمت الخطة متأخرًا نصف ثانية، لكن النصف ثانية أحيانًا تكفي.
قفزت قفزة قصيرة جدًا—ليست قفزة عالية—فقط نقلت قدمي من حافة الخندق إلى الحجر المقابل، ثم استدرت بسرعة، وجعلت ظهري بعيدًا عن الفراغ. لم أسمح للفراغ أن يصير خطًا عليّ.
سليم قال “سقوط”… لكنه لم يعد يملك زاوية السقوط.
توقف لحظة. ثم اندفع نحوي بالعصا هذه المرة كعصا، لا كقلم يكتب كلمات. أراد أن يصطدم بي، أن يخرجني بالكتف.
التقينا لأول مرة “جسدًا بجسد”.
الاصطدام لم يكن عنيفًا، لكنه كان حقيقيًا. شعرت بكتفي يتلقى ضربة، وشعرت بكتف سليم يتلقى ردًا. تراجعنا نصف خطوة كل منا.
ثم سمعنا همهمة المدرجات ترتفع قليلًا. ليس تشجيعًا، بل قلقًا: هل ستخرج الأمور عن السيطرة؟
ثبتُّ نفسي، وقررت أن أنهيها بأقل ضرر.
لم يكن هدفي أن أخرج سليم بالطيران. كان هدفي أن أجعله يخطئ خطوة واحدة فقط، ثم أخرجه بلطفٍ حاسم كما أخرجت الآخرين… لكن بدون إذلال.
اقتربت خطوة، ثم وضعت كفي على كتفه. سليم تحرك فورًا ليمنع اللمسة. قال كلمة واحدة وهو يبعد كتفيه:
“ابتعاد.”
وشعرت بمسافة صغيرة تُخلق بيننا كأن الهواء تمدد لحظة. هذه كانت حيلة جميلة: بدل أن يهرب، جعل الواقع نفسه يدفعني للخلف قليلًا.
ابتسمت في داخلي. سليم يبتكر.
فقلت في نفسي: حسنًا… سأبتكر أيضًا.
لم أحاول أن أقاوم “ابتعاد” بالاندفاع مرة أخرى. بل استعملت المسافة التي خلقها ضدي، وجعلتها لصالح خطة واحدة: أن أقفل عليه زاوية الهرب.
تحركت بخط منحني، لا مستقيم، حتى صرت على جانب يقطع عليه العودة إلى المرتفع، ويترك أمامه فقط حافة الحلبة. لم أقترب كثيرًا. فقط رسمت له خريطة صغيرة بالوقوف.
سليم فهم الخريطة. نظر إلى الخلف لحظة، ثم إلى الأمام، ثم قال كلمة واحدة بنبرة تشبه المزاح المر:
“خبيث.”
قلت له، بنفس النبرة:
“تعلمت اليوم.”
ثم أضفت بصوتٍ أخفض:
“لن أؤذيك.”
في تلك اللحظة، رأيت ترددًا صغيرًا في عينيه. ليس خوفًا مني، بل خوفًا من نفسه. لأن سليم إذا انحشر قد يفتح كلمة لا يريد فتحها.
حاول أن يكسر الخريطة بكلمة قوية:
“تجميد.”
شعرت للحظة أن الهواء حول قدمي يريد أن يصير حجرًا. هذه كلمة أخطر من “سكون”، لأنها تلمس الأرض مباشرة.
لكنني كنت قد جهزت ردًا: لم أفتح الذهب للخارج، بل جعلته يدور أسرع قليلًا في النواة. هذا خلق “نبضًا” داخليًا طفيفًا، نبضًا يحافظ على الحركة. التجميد لم يجد شيئًا يمسكه طويلًا. تحولت قدمي إلى بطء… ثم عادت.
سليم استدار بسرعة، يريد أن يهرب من الخريطة بالجسد لا بالكلمة. وفي هذه اللحظة بالذات، مددت يدي ولمست طرف العصا—لمسة خفيفة—ثم لمست كتفه.
لمسة واحدة… لكن هذه المرة لم تكن “إلغاء وزن” كامل كما فعلت مع المدرعة، بل كانت “رفعًا بسيطًا” مع اتجاه محدد: رفعتُه نصف درجة فقط، كمن يرفع قدمي طفل عن الأرض ثم يضعه في مكان آخر.
سليم شعر بها فورًا. حاول أن يثبت. قال كلمة:
“ثبات.”
لكن الثبات يحتاج أرضًا. وأنا كنت قد قطعت الأرض عنه لحظة.
ارتفع جسده قليلًا، ثم اندفع إلى الخلف باتجاه الحافة. لم يطِر بعيدًا كصخرة. كان أقرب إلى انزلاق في الهواء، كأن الهواء صار ممرًا يدفعه نحو الخارج.
وفي اللحظة الأخيرة قبل أن يخرج، نظر إليّ نظرة واحدة، طويلة بما يكفي لتقول أشياء كثيرة: شكر، غضب، فهم، وربما وعد.
ثم لمس حافة الحلبة.
لمع الحاجز مرة واحدة… وابتلعه الضوء.
اختفى سليم من الساحة.
وظهر على المدرجات، في صف قريب، واقفًا على ركبته لثانية ثم نهض. لم يسقط مذلولًا. لم يتدحرج. كان النظام هذه المرة لطيفًا بما يكفي ليضعه كما يضع شخصًا تم نقله، لا شخصًا تم رميه.
سليم رفع رأسه ونظر إليّ من بعيد.
لم يرفع عصاه. لم يلوّح. فقط وضعها على صدره كما يفعل دائمًا، ثم أومأ مرة واحدة.
وأنا… شعرتُ بثقلٍ في صدري ليس من الذهب. ثقلٌ من نوع آخر.
الحلبة صمتت.
المدرجات صمتت.
ثم لمع إعلان فوق الساحة، باردٍ كأن ما حدث مجرد “ترتيب” بالفعل:
تم تثبيت الترتيب النهائي.
المتبقي الأخير: الاسود.
لم أرفع يدي. لم أحتفل. لم أبحث عن جمهور.
وقفت في وسط الحلبة، أسمع دقات قلبي، وأشعر بالنواة الذهبية تدور بثباتٍ هادئ. كنت أعرف أن الفوز هنا لا يعني نهاية كل شيء. الفوز هنا يعني أن اسمي صار ختمًا على مرحلةٍ كاملة، وأن لقب “الوريث” لن يبقى كلمة في إعلانٍ عابر.
اقترب المشرفون أخيرًا، بحذرٍ واضح. لم يقتربوا مني جدًا، لكنهم اقتربوا كفاية ليعلنوا انتقال الحالة. واحد منهم رفع صوته:
“انتهت المرحلة الأخيرة.”
ثم توقف لحظة، كأن الهواء نفسه يطلب منه أن يختار كلماته بحذر بعد ما حدث في هذا اليوم.
“سيتم نقل الجميع إلى منطقة التجميع.”
لمع الضوء حولنا، ضوء نقل نظيف لا يحمل تهديدًا.
قبل أن يبتلعني النقل، نظرت مرة أخيرة إلى سليم.
كان يقف بين المتفرجين، محاطًا بوجوه مذهولة، لكنه ثابت. وعندما التقت عينانا، قال بصوتٍ منخفض لا يسمعه غيري:
“كنت أعرف.”
لم أفهم أي جزء يقصد. هل كان يعرف أنني سأفوز؟ أم كان يعرف أنهم سيهاجمونني؟ أم كان يعرف أنني… الوريث؟
لم أسأله. لم أملك الوقت.
لأن الضوء ابتلع الحلبة… وابتلع معها آخر لحظة كانت فيها الأمور “بسيطة” بما يكفي لتكون بطولة.
بعدها… لم يعد هناك شيء بسيط.