كان واضحًا… واضحًا بطريقة جارحة، كأن الجزيرة نفسها أرادت أن تضحك:

في اللحظة التي بدأ فيها القتال حقًّا، اتجهت كل العيون—وكل النوايا—نحوي.

لم تكن حركة عشوائية. كانت حركة “اتفاق صامت”.

الرامية على المرتفع لم تُطلق سهمًا لتُقصي أحدًا بعيدًا عني… بل لتُغلق زاوية هروب. المبارز تحرك بحيث يقطع الطريق الذي قد أستعمله للوصول إليها. المدرعة تقدمت كجدارٍ متحرك يريد أن يدفنني تحت ثقلها. المعالجة… لم تكن تهاجم، لكنها كانت في قلب “الخطة” لأنها تُعيد خياطة أي خطأ يقع منهم.

والأوضح من هذا كله: سليم لم يتحرك مع موجتهم.

وقف بعيدًا قليلًا، عصاه على صدره، ووجهه تحت القناع ثابت. لكنه لم يكن ثابتًا لأنّه ينتظر سقوطي. كان ثابتًا كما أعرفه: ثابت رجل يرى خصمه يندفع نحو الهاوية… فيتركه يقع.

في داخلي ارتفعت رغبة سخيفة في الضحك:

منذ ساعات قليلة كنتُ أقاتل ظليّ تحت تهديد موتٍ حقيقي، والآن صاروا يعاملونني كخطرٍ يجب إزالته أولًا… كأنهم ينسون أن القتال هنا ترتيب لا ذبح.

لكنني لم أضحك. الضحك يستهلك النفس، وأنا تعلمت اليوم أن النفس رأس مال.

لم يكن لدي وقت لأتردد.

القوة الروحية الخالدة في صدري كانت “مثبتة” أخيرًا… لكنها لا تزال شيئًا ثقيلاً. إن جعلتها تنفلت كما حدث بالسديم، ستحترق الساحة كلها، ويعود المشرفون إلى حلقات احتواء لا تُنقذ شيئًا.

وإن قاتلت بالسيف وحده… سأضطر إلى وقت أطول، وختل توازني لحظة واحدة قد يفتح بابًا قديمًا لا أريده.

فاخترت الطريق الذي لا يحبونه: الحسم القصير… بأقل قدرٍ من الذهب.

---

المدرعة أتتني أولًا.

لم تركض كمن يهاجم، بل تقدمت كأن الأرض لها. درعها—ومن خلفه جسدٌ ثقيل—يتحرك ببطء، لكن هذا البطء خداع؛ هو بطء يضغط عليك نفسيًا. يجعلك أنت من يتراجع، أنت من يستهلك الطاقة، بينما هي تمشي كقانون.

سمعت صريرًا خافتًا من درعها وهي تجمع المانا لتعزيز الاصطدام. لم يكن وهجًا كبيرًا، فقط تكثيف عند الكتفين والركبتين… كأنها تقول: “سأصدمك مرة واحدة وينتهي كل شيء.”

رفعتُ قدمي خطوة إلى اليسار، ثم تراجعت نصف خطوة للخلف، لا فرارًا، بل صناعة زاوية.

وعندما اندفعت هي أخيرًا—اندفاعة تُشبه انهيار صخرة—لم أواجهها.

انتقلت من مكاني.

لم يكن انتقالًا استعراضيًا، ولا بوابةً ولا ومضة، بل “انزلاق” في المسافة نفسها، كأن جسدي صار يعرف كيف يُقلّب زاوية الواقع مثل صفحة. خطوة واحدة… فصارت ضربة المدرعة تمرُّ من حيث كنتُ قبل جزء من ثانية.

مرّت من مكاني، والهواء خلفها انشق كأنه خُدش. لو أصابتني لربما أخرجتني من الحلبة دون أن أشعر.

وقبل أن تستعيد توازنها، جمعتُ في كفّي قدرًا طفيفًا من الطاقة الروحية الخالدة.

طيفٌ ذهبي صغير… نقطة كثافة أكثر منها ضوءًا. لم أجعله يفيض. لا هالة ولا شعاع. فقط تركته يلتف حول راحتي كقُفاز غير مرئي.

لمستُ كتفها.

لم أضربها. لم أدفعها. فقط لمستها… وكأن لمستي هي التي أعطت الكون أمرًا بسيطًا: “خفّ.”

وفجأة… خفت.

المدرعة التي كانت جبلًا منذ ثانية، صارت كأن الأرض نسيت وزنها. لم تطِر كريشة بل ككتلة ضخمة فقدت علاقتها بالجاذبية. ارتفعت نصف متر، ثم متر، ثم اندفعت خارج حدود الحلبة في خطٍ مائل، لا تملك أن تُثبت قدميها لأن قدميها لم تعدا “تجدان أرضًا” ليُثبتا عليها.

سمعت شهقة من المدرجات. ليس لأنهم رأوا ضربة جميلة… بل لأنهم رأوا ما يخيف: طريقة بسيطة، بلا ضجيج، تُخرج “دبابة” من الحلبة كما تُخرج يدٌ طفلًا من طريق خطر.

وقبل أن تصطدم المدرعة بالحافة الخارجية، لمع خطٌ خافت عند حدود الحلبة—حاجز النظام—ثم اختفت من المشهد، وظهرت في لحظة على مقاعد المتفرجين البعيدة وهي تلهث، جسدها يعود ثقيلًا مرة أخرى، وعيناها تبحثان عن معنى لما حدث.

إقصاء واحد.

بدون دم، بدون صراخ، وبدون أن أترك الذهب يتسرب من صدري.

---

لم أُعطهم فرصة أن يستوعبوا.

انتقلت مباشرة إلى المعالجة.

هي كانت تتحرك بحذر، لا تقف في الوسط، ولا تبتعد كثيرًا. كانت تريد أن تبقى قريبة لتخيط جروح حلفائها بسرعة… لكنها لم تكن تقترب بما يكفي لتكون أول من يُسقط.

حين اقتربت منها، رأيت في عينيها تلك القراءة المهنية نفسها: “هو قادم نحوي… هل أهرب أم أستعد؟”

لكنها لم ترفع سلاحًا. لم تُخرج موجة دفاع. فقط ثبتت نفسها، كمن يعرف أن الهرب أمام شيء كهذا قد يجعلك تسقط بطريقة أسوأ.

توقفت أمامها خطوة واحدة.

رفعت كفي دون عدوان. ثم قلت بصوت منخفض يسمعها فقط:

“شكرًا.”

لم تكن كلمة رومانسية. كانت كلمة حق.

لو لم تعالجني قبل قليل، لكنتُ الآن إما منهارًا أو منفلتًا، وفي الحالتين سيتحول هذا الترتيب إلى كارثة.

رأيت على فمها—حتى تحت القناع—ارتعاشة صغيرة. ارتعاشة لا أعرف إن كانت دهشة أم حذرًا. ثم أومأت إيماءة قصيرة.

لم أمنح اللحظة أكثر من ذلك. لأن لحظة أكثر تعني سهمًا في ظهري.

أحطت طاقتي الروحية حولها… لا كقيدٍ يخنق، بل كحملٍ خفيف، كأنني أرفعها من الأرض دون أن أكسر توازنها. شعرت أن جسدي يحسب تلقائيًا: “لا تفتح القناة كثيرًا، لا تدع الذهب يفيض، لا تدع الجوهر يتأرجح.”

رفعتها بخفة. ثم حملتها خطوة واحدة… إلى خارج حدود الحلبة.

لم تقاوم. لم تحاول أن “تداوي نفسها” من هذا، لأنها فهمت—بذكاء—أن هذا ليس قتلًا، بل إخراج.

وعندما تجاوزت الحافة، لمع الحاجز مرة أخرى، واختفت. ثم ظهرت على المدرجات كغيرها، تتحسس كفها وتتنفس… كأنها خرجت من حلمٍ إلى حجرٍ بارد.

إقصاء ثاني.

وبدا للحظة أن الخطة التي صنعوها ضدي بدأت تنهار، لأن القلب الذي كان يُعيد خياطة أخطائهم خرج من المعادلة.

---

وفي اللحظة التي قلت فيها لنفسي “انتهى”… جاء الخطر من الخلف.

سمعتُه قبل أن أراه.

صفير سهمٍ ليس عاديًا، صفير قرار.

لم يكن سهمًا يهدف إلى قتلي، بل سهمًا يريد أن يُثبتني في موضعٍ واحد… ليأتي المبارز بضربة قريبة، أو لتأتي المدرعة لو كانت ما تزال داخل الحلبة.

تحركتُ في آخر لحظة. شعرت بالسهم يمرّ قرب وجهي… كخيط بارد. ثم ارتطم بالحجر خلفي وتفتت.

التفتُّ بعيني فقط، لا بجسدي كله، ورأيت مكانها فورًا: الرامية كانت فوق المرتفع، خلف عمودها، وقد غيرت زاويتها بعد خروج المعالجة. كانت تحاول أن تستعيد السيطرة، لكن السيطرة في هذه الحلبة لا تُعطى لمن يطلق أول سهم، بل لمن ينجو من أول سهم.

وبجانبها… كان المبارز.

كما توقعت. كان هناك ليكون “الحارس” الذي يمنعني من القفز عليها بسهولة. سيفه كان جاهزًا، ووقفته تقول: “إن اقتربت منه، سأقطع مسارك قبل أن تصل.”

لم أهاجم الرامية مباشرة.

الهجوم المباشر يعطّلني في مسافة طويلة، ويمنحها سهمًا ثانيًا.

فاخترت أن أكسر السلسلة من منتصفها: أقطع “الحارس”، ثم تسقط “الرامية” تلقائيًا.

اندفعت نحو المبارز.

لم يكن اندفاعًا أعمى. كان خطًا قصيرًا، زاوية ضيقة، وتثبيت نفس. كنت أحرص أن لا أفتح الذهب كثيرًا، فقط ما يكفي ليجعل جسدي أكثر دقة، لا أكثر انفجارًا.

المبارز استقبلني كما يُستقبل خطرٌ حقيقي: سيفه خرج بحركة قصيرة، لا استعراض فيها، يقطع زاوية اقترابي.

لكنني لم أرفع سلاحًا لأقابله.

كنت قد وضعتُ سيفي جانبًا منذ لحظة “الظل”، ولم أعد أثق أن الحديد هنا هو جواب كل شيء.

مددت كفي.

في اللحظة التي كان سيفه يهبط فيها نحو كتفي، أوقفت السيف بكفي… لا كإمساك معدني، بل كإيقاف معنى. كأن الهواء أمام يدي صار أكثر ثقلًا فجأة، فتوقف النصل عند حدٍّ لا يعبره.

المبارز اتسعت عيناه. رأيت في نظرته سؤالًا سريعًا: “هل اصطدمت بدرع؟”

لكن هذا لم يكن درعًا. كان “لا”.

دفعتُه بيدي.

دفعة واحدة، قصيرة، لكنها كانت كافية.

لم أرمِه في الهواء كصخرةٍ تُقذف من جبل… بل جعلت جسده يفقد علاقته بالأرض للحظة، كما فعلت مع المدرعة—لكن أقل، لأنني لا أريد أن يطير بعيدًا خارج السيطرة ويكسر شيئًا في المدرجات.

حلق المبارز في خط مستقيم… وارتطم بالرامية.

لا صراخ. لا دم. فقط اصطدام جسمين في لحظة يُفترض أن لا يحدث فيها اصطدام، لأن كل واحد منهما كان يحرس الآخر.

سقطا معًا خارج الحلبة.

وعند الحافة، لمع الحاجز مرتين في نفس اللحظة—ومضة واحدة كأن النظام يقول: “خرج اثنان.”

اختفيا… ثم ظهرا على المدرجات جنبًا إلى جنب، المبارز يحاول أن يستعيد كرامته وهو ينهض، والرامية تمسك قوسها بعصبية مكبوتة كمن فقد موقعه دون أن يُطلق سهمًا أخيرًا.

إقصاء ثالث ورابع.

في أقل من دقيقة، خرجت أربعة من أصل خمسة خصوم… دون أن أرفع سيفًا أو أطلق شعاعًا واسعًا أو أستدعي سديمًا جديدًا.

كنت أتنفس ببطء، وأشعر بالجوهر الذهبي في صدري يطرق على جدرانه من الداخل، كأنه يقول: “أنت تستعملني بطريقة صحيحة… لكن لا تُفرط.”

ورغم أن جسدي كان يريد أن ينهار من بقايا الجراح القديمة، فإن علاج المعالجة قبل قليل جعل كل خطوة ممكنة، وكل تثبيت أسهل.

على المدرجات، كان الضجيج قد عاد بشكلٍ خفيف: همهمات ودهشة ومقارنات صامتة. المشرفون كانوا يراقبون بقلقٍ أقل الآن، لأن ما حدث داخل الحلبة صار “حلًّا نظيفًا”: إخراج بلا فناء.

أما سليم… فلم يتحرك خطوة واحدة.

ظل واقفًا في مكانه داخل الحلبة، بعيدًا عن أي زاوية. لم يُطلق كلمة، لم يصنع ثِقلاً، لم يربك سهمًا، لم يُنقذ المبارز أو الرامية أو المدرعة أو المعالجة.

كان يراقب فقط.

لكنني لم أفسر موقفه كخيانة أو خوف. كنت أعرفه. كان يرى النهاية من البداية: لو اندفع معهم ضدي، لتجمعت كل نياتهم في موضع واحد… ثم سقطوا كقطعة واحدة.

وهو… كان ينتظر سقوطهم.

وبالفعل، سقطوا.

وبقي هو.

---

توقفتُ في منتصف الحلبة، ورفعت بصري إليه.

هو رفع بصره إليّ.

لم تكن هناك موسيقى، ولا صراخ، ولا عدّاد جديد. فقط صمت ثقيل… صمت رجلين يعرفان بعضهما في عالمٍ كان قانونًا قبل أسبوعين… ثم صار فجأة “بعدًا آخر” و”وريثًا” و”جوهرًا ذهبيًا” و”ترتيبًا حتى آخر واحد”.

كنت أسمع أنفاسي، وأسمع أنفاسه، وأسمع في الخلفية حركة المتفرجين الذين صاروا الآن جزءًا من المسرح بحكم القاعدة.

الذهب في صدري ظل يدور، ثابتًا… لكنني شعرت أن كل شيء قد صار أخف فجأة، لأن خصومي لم يعودوا أربعة أو خمسة. صار واحدًا.

واحدًا اسمه سليم.

ولأنني كنت أعرف أن هذه هي النقطة التي لا ينفع فيها “الذكاء” وحده، ولا ينفع فيها “الطاقة” وحدها…

ثبتُّ قدميّ، وهدأت نفسي، وقلت في داخلي: لا تترك الجوهر يقودك. قُدْه أنت.

رفع سليم العصا قليلًا عن صدره لأول مرة منذ بدأ الهجوم عليّ.

لم يرفعها تهديدًا… بل إعلانًا أنه انتهى من المشاهدة.

وبقي في الحلبة… سليم فقط.

2026/05/19 · 0 مشاهدة · 1525 كلمة
poseidon
نادي الروايات - 2026