لم تتبدّل السماء.

لم يتغير لونها، ولا انطفأت نجومٌ ولا اشتعلت… لكنني شعرت—بلا أي مقدمة—أن “مكان السماء” نفسه انزاح خطوةً كاملة. كأنني كنت أنظر إلى سقفٍ مُعلّق داخل غرفةٍ واسعة، وفجأة فُتح باب الغرفة على العالم الحقيقي.

بردٌ مختلفٌ تسلّل إلى جلدي. رائحةٌ أعرفها، لا تشبه رائحة الجزيرة مهما حاولت إقناع نفسي أنها نفس الهواء. حتى الصمت… صار صمت مدينة، لا صمت ساحة اختبار.

هنا فقط فهمتُ: الجزيرة رجعت إلى الأرض.

كنتُ ما أزال واقفًا في الوسط حيث انتهت كل شيء: الكريستالة التي ابتلعت أيدينا واحدًا واحدًا، والضوء الذي كتب أسماءنا في الهواء كما لو كان الهواء دفترًا. سبرينة وقفت على مسافةٍ قصيرة، كتفيها ثابتتان كأنهما جزء من حائط. سلمى كانت تُخفض عينيها كمن يخاف أن يرى في وجوه الناس ما لا يطيقه. سيلينا كانت تنظر إلى البعيد، لا إلى أحد؛ عين القناصة حين تتعب لا تُغمض، بل تُغيّر اتجاهها فقط. كارل شدّ قبضته ببطء ثم فتحها، كأنه يتأكد أن أصابعه ما زالت ملكه. وسليم… كان سليم يقف بجانبي تمامًا، صامتًا بطريقة لم أعرفها فيه إلا نادرًا، وكأن الكلمات التي صنعت له القوة صارت فجأة ثقيلة عليه.

المشرف الذي أعلن فوزي قبل دقائق—أو قبل ساعات في إحساسي—تقدم خطوة. كان هناك شيء في حضوره يجعل الحشود، رغم عددها القليل الآن، تصمت دون أمر. ثم قال بصوتٍ لا يحمل انفعالًا، وكأن ما يُقال لا يحتاج إلى نبرة:

«استعدّوا. سنُرجعكم إلى الأرض.»

توقفتُ عن محاولة فهم الإحساس الذي كان يضغط على صدري منذ نهاية القتال. ظننت أنه ألمٌ متأخر… لكن جسدي كان سليمًا. ربما كان الألم داخليًا لا يحتاج إلى جرح.

أكمل المشرف، وأدار وجهه قليلًا كمن يُعلن حقيقة تقنية لا مجال للجدل فيها:

«عند عودتكم… ستلاحظون أن ساعةً واحدة فقط مرّت منذ غادرتكم.»

سكت لحظة. لم تكن لحظة درامية؛ كانت لحظة “سماح” للعقول كي تنهار بهدوء. رأيت واحدًا من الخمسين يضحك ضحكة قصيرة لا تشبه الفرح. ورأيت آخر يضغط أسنانه حتى أبيضّت شفتاه. أحدهم كان يبكي بلا صوت، كأنه يخاف أن يعترف أمام نفسه بما عاشه. كثيرون كانوا شاحبي الوجه، لا لأنهم ضعفاء… بل لأنهم فهموا أن الدم الذي رأوه والآلام التي ابتلعوها لم تكن خيالًا، ومع ذلك لم يكن الزمن على الأرض قد اعترف بها.

كنتُ أعرف أكثر من الجميع معنى أن يمرّ وقتٌ طويلٌ ولا يمرّ. ومع ذلك، هذه المرّة كانت مختلفة: لم تكن “زمنًا متوقفًا” خاصًا بي وحدي. كانت آلة ضخمة لعبت بنا ثم أعادتنا إلى نقطة البدء كما لو كنا قطعة شطرنج أُعيدت إلى المربع الأول بعد مناورةٍ كاملة. الفرق الوحيد: نحن لم نعد كما كنا.

المشرف أشار بيده إشارةً قصيرة. لم تكن سحرًا مُستعرضًا؛ كانت تعليمات. فهمتُ من دون شرح أننا أمام مرحلة انتقال، وأن قبلها يجب تثبيت شيء واحد: “الهيكل”.

اقتربتُ من الحراس الذين صاروا—بحكم الضوء والكريستالة—أقرب الناس إليّ في هذه اللحظة. لم نكن عائلة، ولم نكن أصدقاء قدامى. كنّا شيئًا أكثر قسوة: مجموعة نجت، وأُعطيت أدوارًا.

قالت سبرينة أولًا، بصوتٍ قليل الكلمات: «لنتبادل الارقام.»

كان كلامها بديهيًا، لكنه لم يكن ملاحظة… كان تذكيرًا بأن كل ما سنفعله الآن يجب أن يُصمَّم على نقص الأدوات. سلمى أخرجت ورقة صغيرة كانت قد طوَتْها بعناية في جيبٍ داخلي في ثوبها الممزق. سيلينا فعلت الشيء نفسه دون أن تنظر إلينا، وكأنها كانت قد قررت ذلك منذ أن سمعت كلمة “عودة”. كارل التفت حوله، ثم التقط قطعة ورقٍ من حقيبةٍ تمزقت حوافها—لا أدري من أين بقيت الحقيبة أصلًا—وشدّها حتى صارت صالحة للكتابة. وسليم… اكتفى بأن أخرج قلماً قصيرًا.»

لم أعلق. كنت أراقب نفسي أكثر مما أراقبهم. كنت أستغرب كيف أن عقلي، الذي رأى جزيرةً تُحكّم قوانينها على مئة ألف، صار الآن مهتمًا بقلم وورقة. لكن هذا هو معنى “العودة”: التفاصيل الصغيرة هي الحبال التي تُمسكنا من السقوط في الفراغ.

تبادلنا الأرقام.

لم يكن تبادلًا عاطفيًا ولا لحظة “تعارف” كما في حياةٍ عادية. كان عملًا إداريًا بدائيًا، كأننا في زمنٍ قديم بلا شبكات. أعطتني سبرينة رقمها أولًا، كتبتُه وأنا أسمع في رأسي كلمة “درع الإمبراطور” لا كزينة، بل كعبء. سلمى أعطتني رقمها، وتذكرتُ لحظتها كيف رفعت عن ظهري الصخرة قبل قليل، وكيف أصبح التنفس ممكنًا بعد علاجها. سيلينا أعطت رقمها بسرعة، ثم نظرت حولها وكأنها تقيس المسافات حتى وهي تكتب. كارل أعطى رقمه وهو يتجنب النظر إلى سيفي المكسور سابقًا، كأنه يتجنب ذكر شيء لا يريد أن يعود إليه. وسليم… لم يكن بحاجة. رقم سليم كان في ذهني قبل أن تفتح الجزيرة بوابتها، لكنه كتبه أيضًا، لا لأنه يظنني سأنساه، بل لأن الورق صار “وثيقة” في عالمٍ يعشق الوثائق.

كنت أكتب وأنا أسمع صدى إعلانٍ قريب: “أنتم الخمسون… لن تُمسح ذاكرتكم.” لم يكن الإعلان قد قيل بعد، لكنني كنت أشعر أنه سيقال، كأن المشرف يحمل في جيبه تلك الجملة ويستعدّ لإخراجها.

وبالفعل، حين اكتمل تبادل الأرقام الأولى، تقدّم المشرف من جديد. هذه المرة لم يكن وحده. كان معه ذلك الذي رأيناه سابقًا، الأثقل حضورًا، الأعلى رتبة. لم يكن يحتاج أن يقول “أنا أعلى”. طريقة وقوفه كانت تكفي.

استدار الأعلى قليلًا، وعدل وضعيته كمن يريد أن يتحدث مع الجميع لا مع فردٍ بعينه. ثم قال:

«حفلُ مراسيم التنصيب… سيكون في الأسابيع القادمة على الأرض. ستصلُكم الدعوات عبر واجهاتكم. والآن… عودة.»

ثم جاءت الجملة التي بدّلت ما بقي من الهواء في صدورنا:

«أنتم—الخمسون—لن تُطبَّق عليكم مسح الذاكرة.»

لم يرفع صوته. لم يحتج. الجملة وحدها كانت كافية لتقسيم البشر إلى نوعين: من سيعود إلى الأرض وهو لا يتذكر شيئًا، ومن سيعود وهو يحمل ثلاثة أشهر من الدم والخوف والحسابات في دماغه.

لم أكن أعرف إن كان هذا امتيازًا أم عقوبة. الذاكرة ليست هدية دائمًا.

نظرتُ إلى وجوه الباقين. رأيت الفرح في عيون قليلة، لا لأنهم يحبون الذاكرة، بل لأنهم يكرهون الإهانة. رأيت الشحوب في وجوه كثيرة، لأن حمل ما حدث ليس سهلاً. رأيت بعضهم يغضب، لا على المشرف… بل على نفسه: كيف صدقوا أنهم سيموتون دون معنى؟ وكيف قتلوا—أو أُقصوا—أناسًا وهم يظنون أن العالم ينتهي هنا؟

كنت أستطيع أن أسمع أفكارًا غير منطوقة في الهواء، كأن الجزيرة تركت في رؤوسنا عادةً سيئة: أن نعامل الصمت كأنه كلام.

لم يسمح لنا الأعلى أن نغرق في ذلك. أشار بإصبعه مرة واحدة. لم تكن إشارة سحرٍ؛ كانت زرًّا.

انقسم الضوء إلى لونين.

ضوءٌ أصفر سقط على الأربع والأربعين الذين مُنحوا رتبة “حراس متوسطون”. حدث ذلك بسرعةٍ جعلتني أفهم أن النظام يعرفهم كقائمة جاهزة، لا كأفراد يحتاج أن يبحث عنهم. الأجساد الأربع والأربعون أضاءت كأنها تماثيل زجاجية، ثم ارتفعت قليلًا عن الأرض، وفي لحظةٍ واحدة—من دون صوت انفجار—اختفوا، كل واحدٍ إلى مكانه الذي جاء منه قبل البطولة، كما لو أن الجزيرة كانت تحفظ لهم “نقطة استدعاء” خاصة.

لم ألحق حتى أن أودّع أيًّا منهم. وهذا كان طبيعيًا: لم نكن أصدقاء. كنا مجرد متنافسين نجوا من نفس المقصلة.

ثم جاء دورنا.

الضوء الأبيض كان مختلفًا. لم يكن دافئًا ولا باردًا. كان “محايدًا” بطريقة تذكّرني بواجهة النظام: لا تعاطف، لا قسوة، فقط تنفيذ. أحاط بنا، أنا وسليم—وبقية الخمسين في دوائر منفصلة—ثم شعرت بأن الأرض لم تعد أرضًا، وبأن الهواء صار ثقيلًا كأنه ماء.

لحظة قصيرة، لا يمكن للعين أن تلتقطها، لكن الجسد يتذكرها دائمًا: لحظة انتقال لا تعرف فيها إن كان قلبك ما زال في صدرك أم أنه تركك في البعد الآخر.

ثم… صمت.

فتحتُ عينيّ ووجدت نفسي واقفًا في نفس المكان الذي كنا فيه قبل البطولة. نفس الشارع، نفس زاوية الرصيف، نفس عمود الضوء الذي لا ينتبه له أحد إلا حين ينطفئ. كان الصباح—أو الظهر—كما تركناه تقريبًا. لم أسمع أي طائرة، ولم أسمع صراخًا من عالمٍ عاد من جحيم.

نظرتُ إلى يديّ. لم يكن هناك دم. لم تكن هناك كسور. لم تكن هناك تلك القسوة على المفاصل التي تراكمت عبر ثلاثة أشهر. كانت يداي كما كانتا قبل دخولنا… إلا أنني كنت أعرف في داخلي أنهما ليستا نفس اليدين.

نظرتُ إلى ملابسي. كانت ممزقة قليلًا، كما لو أن النظام تعمّد أن يترك أثرًا صغيرًا يثبت أن ما حدث ليس حلمًا كاملاً. أثرٌ لا يكفي لإقناع العالم، لكنه يكفي لإقناعك أنت إن حاول عقلك أن يكذب عليك.

سليم كان بجانبي. كان واقفًا كما لو أنه خرج من باب منزلٍ لا من بوابةٍ كونية. نظر إلى السماء أولًا، ثم نظر إليّ. لم يقل شيئًا في البداية. كانت هذه علامة خطر في سليم: حين يصمت، يكون دماغه يعمل في الخلفية بقوة.

قلتُ أنا، بصوتٍ منخفض، كأنني أخاف أن يردّ عليّ أحد من العدم: «ساعة… قالوا ساعة.»

سليم حرّك رأسه ببطء. «وإحنا…»

لم يُكمل. لم يكن يحتاج. كلمة “إحنا” كانت تعني: نحن حملنا ثلاثة أشهر، ثلاثة أشهر من القتل والهرب والمطاردة والنجاة والدم. ثلاثة أشهر من قراءة بشرٍ كأنهم وحوش، وقراءة وحوش كأنها بشر. ثلاثة أشهر من فهمٍ جديد للقوة، حتى لو كانت قوة سليم رقمية وقوتي مختومة. ثلاثة أشهر من رؤية الذات تُختبر ثم تُعاد.

أخرجتُ الورقة الصغيرة التي كتبتُ عليها. كانت مطوية في جيبي كأنها نجت معي من بعدٍ آخر. فككتها بحذر—بحذرٍ غريب كأن الورقة سيف—ثم بدأت أراجع الأرقام. لم يكن لدي هاتف لأتأكد. لم يكن لدي تطبيق ليتأكد. كان لدي ورقٌ وقلمٌ وذاكرةٌ قرروا ألا يمسحوها.

سليم أخرج ورقته أيضًا. جلسنا على حافة رصيفٍ كمن يستريح بعد محاضرة، لا بعد ملحمة. والفرق الوحيد: أنني كنت أشعر بأن كل شخص يمرّ الآن—إن مرّ—يمشي فوق طبقةٍ من الجهل لا ذنب له فيها.

كتبتُ الأرقام مرة ثانية، كي لا تضيع. سليم فعل الشيء نفسه. ثم تذكرنا فجأة أننا لم نسجل كل شيء: كنا قد تبادلنا الأرقام هناك بسرعة، لكننا لم نعد نتأكد إن كنا كتبنا رقم كل واحد من الحراس الخمسة كاملًا، أم أن أحد الأرقام سقط مع الطيّ أو مع الارتجاف.

فبدأنا نُعيد العدّ، رقمًا رقمًا، وكأننا نراجع مادةً قبل امتحان: نثبت، نتحقق، ثم نضع خطًا تحت الصحيح.

في النهاية، رفعتُ رأسي، وأنا أمسك الورقة بين أصابعي كما لو أنها عهدٌ صغير، وقلت في داخلي شيئًا لم أقله لسليم: إن كان هذا مجرد “إرجاع”، فالأسابيع القادمة ليست عودة… إنها بداية.

ثم انحنيتُ من جديد، وأكملتُ تسجيل أرقام الحراس العلويين الآخرين على الورقة الصغيرة، حرفًا حرفًا، حتى لا يضيع منا شيء.

2026/05/21 · 2 مشاهدة · 1547 كلمة
poseidon
نادي الروايات - 2026