لم أكن أصدق أنني كنتُ قبل دقائق أُدارِي ثقبًا في صدري وأثبت جوهرًا ذهبيًا كي لا أنفجر… والآن أقف تحت سماءٍ “عادية” كأنها لم تَرَ شيئًا، بجانب حقيبة قديمة، أبحث فيها عن قميصٍ نظيف.

السماء لم تتغير لونًا، لكن المكان تغيّر. تغيّر بطريقة لا تُرى بالعين وتُحَسّ في العظم: الهواء عاد هواء مدينة، لا هواء اختبار. الضوضاء الخفيفة—الباعة، السيارات، صوتٌ بعيد لا أعرف من أين—كانت موجودة كأنها لم تغب. وأنا… كنت أحمل ثلاثة أشهر في رأسي، بينما الساعة في جيب العالم لم تتحرك إلا خطوة واحدة.

وقفتُ أنا وسليم في نفس المكان الذي تركناه قبل بوابة الجزيرة. الأرض نفسها، زاوية الرصيف نفسها، وحتى العلامة الصغيرة على الحائط—خربشة قديمة—كانت هناك، كأنها شاهد ساخر على أن “الكون” لا يهتم بما يحدث لك في بعدٍ آخر. كل ما تغيّر فعلًا هو نحن.

أخرج سليم الحقيبة أولًا. كانت الحقيبة كما تركناها؛ لم تُسرق، ولم تُفتش، ولم يلمسها أحد. لوهلة شعرت أن هذا هو أكثر الأشياء غرابة في اليوم كله: أن تترك حقيبة في الشارع وتعود لتجدها في مكانها… بينما الجزيرة نفسها كانت تعلّق مئة ألف روح في بعدٍ منفصل وتعيدهم كما يعيد المرء قطع نقد إلى جيبه.

فتحنا السحاب ببطء. داخلها كانت الملابس العادية مطوية كما وضعناها قبل الدخول: قميص، سروال، حذاء خفيف. أشياء لا تملك سحرًا ولا لقبًا، لكنها الآن بدت أثمن من أي مكافأة. لم تكن فقط “ملابس”. كانت تصريحًا بالعودة إلى القناع المدني.

نظرتُ إلى ثوبي الممزق قليلًا—أثرٌ متعمد من الجزيرة كما لو أنها تريد أن تترك دليلًا صغيرًا لمن لا يملك إلا الدليل—ثم ابتسمت في داخلي ابتسامة قصيرة بلا صوت. إمبراطور… ويقلق الآن من أن يراه أحدٌ بثوبٍ ممزق في شارعٍ عادي. العالم يملك حسّ دعابة خبيثًا، أو ربما أنا الذي بدأت أراه.

لم نتكلم كثيرًا. لم نكن بحاجة. في هذه اللحظة كانت الكلمات مثل حجارة: إن رفعتها على ظهرك ستسقط قبل أن تصل بيتك.

ابتعدنا خطوة عن الرصيف، ووقفنا في زاوية أقل انكشافًا. لم يكن المكان مثاليًا لتغيير الملابس، لكنه كان المكان الوحيد المتاح دون أن نفتح على أنفسنا باب “أسئلة” لا نملك رفاهية الإجابة عنها. بدّل سليم قميصه بسرعة، ثم سحب سترة خفيفة ولبسها كأنها درع جديد—درع مدني هذه المرة. أنا بدّلت ملابسي ببطء أكثر؛ لم يكن السبب الحياء، بل لأن جسدي كان ما يزال يحمل ذاكرة الألم رغم أن الإصابات زالت. العضلات كانت تعرف أنها قاتلت، والدماغ كان يعرف أنه عاش.

ارتديت القميص العادي، ثم السروال، وربطت الحذاء. عندما شددت الرباط شعرت فجأة أن هذه الحركة البسيطة—ربط حذاء—أكثر واقعية من سديم ذهبي ملأ بعدًا كاملًا. الواقعية أحيانًا هي ما يُثبت العقل.

سليم أغلق السحاب، ثم نظر إليّ نظرة قصيرة، وقال بصوتٍ منخفض: «غدًا.»

لم يقل “سنتكلم” ولا “سنشرح” ولا “سنفهم”. قال كلمة واحدة تكفي: الغد. كأن الغد هو الصندوق الوحيد الذي يمكن أن نضع فيه كل هذا، وإلا سيسقط علينا الآن.

أومأت. «غدًا.»

كان التعب لا يسمح بعناق ولا بضحكة ولا بخطبة. فقط اتفاق بسيط: لن نتظاهر الآن بأننا قادرون على حلّ العالم في شارع. سنذهب إلى بيوتنا، ننام، ثم نواجه الغد كما يواجه طالب قانون محاضرة صعبة: بعينين أقل احمرارًا.

افترقنا عند أول مفترق صغير. سليم أخذ طريقه، وأنا أخذت طريقي. لم ألتفت كثيرًا، ليس لأنني لا أثق به، بل لأن الالتفات يفتح الحنين، والحنين اليوم خطر. اليوم يمكن أن يفتح الباب الذي أغلقته بصعوبة في صدري.

مشيت في الشارع كأنني أحاول أن أتعلم المشي من جديد. الناس يمرون قربك، وجوههم عادية، أعصابهم مشدودة قليلًا بسبب “النظام” الذي ظهر للعالم، لكنهم لا يحملون ثلاثة أشهر من الدم. هم يحملون ساعة واحدة من القلق. وأنا أحمل بحرًا من الصور لا يصلح أن يخرج للهواء.

في جيبي كانت الورقة الصغيرة التي كتبت عليها الأرقام. شعرت بثقلها كأنها حجر. ليست لأنها ورقة مهمة في ذاتها، بل لأنها الدليل الوحيد المادي على أن “الحراس العلويين” ليسوا حلمًا. كتبت أسماءهم وأرقامهم كمن يكتب أسماء شهداء، ثم طويتها بعناية أكثر مما ينبغي، كأن الطيّ هو الذي يمنع الحقيقة من التبعثر.

كلما مرّت سيارة بجانبي كنتُ أقاوم رغبة غبية أن أرفع يدي فأجعلها تتوقف. ليست رغبة شريرة، بل رغبة اختبار: هل أنا ما زلت قادرًا؟ ثم أتذكر القيود التي التصقت بي مثل ظلّ غير مرئي. أتذكر أنني إن لعبت بعنفٍ صغير في شارعٍ مدني قد يتحول إلى كارثة. أتذكر أنني أنا الذي طلبت ختمًا إضافيًا خوفًا من نفسي. أضحك داخليًا مرة أخرى: أكبر مخاوفي الآن ليست الوحوش ولا الصيادين… بل أنا.

وصلت البيت أخيرًا. لم يكن في الباب أي سحر. لا بوابة مكانية، لا ضوء أبيض، لا مشرف يقرأ عليك قانونًا. مجرد باب يفتح بمفتاح. عندما دخلت، استقبلني صمتٌ خفيف، صمت بيتٍ في منتصف النهار. شعرت أن الصمت يرحّب بي بطريقة غريبة: كأنه يقول “أنا لا أسألك”، وهذا ما احتجته بالضبط.

دخلت غرفتي. وضعت الحقيبة قرب الحائط كما لو أنها قطعة من حياة قديمة يجب أن تبقى في زاوية بعيدة. خلعت الحذاء، وجلست لحظة على حافة السرير دون أن أتحرك. كان هناك شيء في جسدي يريد أن ينهار، لكنني كنت أخاف أن الانهيار إذا بدأ لن يتوقف. ليس لأنني سأموت، بل لأنني سأغرق في صور الجزيرة، في رائحة الدم، في صوت الإعلان، في ابتسامة الظل، في الشعاع الأسود الذي كاد يمحو منطقة كاملة.

نظرت إلى المرآة الصغيرة المعلقة على الباب. وجهي كان وجهي… لكن العينين لم تكونا عينين خرجت قبل ساعة من الشارع. كان فيهما شيء من شخص عاش كثيرًا في زمن قصير. شيء يشبه التعب الذي لا ينام.

تذكرت جملة المشرف: “ستلاحظون أنه مرّت ساعة فقط.”

ضحكت بصوتٍ خافت، ضحكة لم تكن فرحًا ولا سخرية، بل آلية دفاع: العقل يحاول أن يجد أي منفذ كي لا ينهار تحت هذا التناقض. ساعة واحدة… وأنا أشعر أن ظهري يحمل ثلاثة أشهر كاملة.

خلعت القميص، ثم وقفت تحت الماء للحظات. لم أحتج أن أطيل. الماء لم يكن لتطهير جسدي؛ جسدي أصلاً عاد “سليمًا”. كان الماء لتذكير نفسي أن هذه الأرض ما زالت لها قوانين بسيطة: ماء دافئ يخفف ضغط الرأس، وبخار خفيف يجعل التنفس أسهل. وقفت حتى هدأ عقلي قليلًا، ثم خرجت، ولبست شيئًا خفيفًا.

وعندما أرخيت رأسي على الوسادة، حدث الشيء الذي كنت أخشاه: الصور بدأت تتسلل، لا كحلم مرتب، بل كوميض متقطع. سليم وهو يرفع العصا. المدرعة وهي تطير خارج الحلبة. المعالجة وهي تضع يدها على صدري فتخفّ الصخرة. الشرارة السوداء التي لا تُرى إلا بأثرها. السديم الذهبي الذي جعل السماء سقفًا ثانيًا. الكريستالة وهي تكتب اسم “ريّان” ثم تكتب لقبًا واحدًا بلا رقم: الإمبراطور السماوي.

كنت أريد أن أقول لنفسي: هذا كله حدث. لكن “حدث” كلمة صغيرة أمام حجم ما رأيت. كنت أريد أن أقول: أنا بخير. لكن “بخير” لا تعني شيئًا حين يتغير تعريفك لنفسك خلال ساعة.

في داخلي، الجوهر الذهبي كان ثابتًا. لم يكن يفيض، ولم يكن يهددني بالانفجار كما قبل قليل. كان يدور بهدوء كقلبٍ ثانٍ تعلم الانضباط. وهذا وحده أعطاني شيئًا من الطمأنينة: على الأقل، لن أموت من نفسي اليوم. على الأقل، لن أتحول إلى قنبلة في غرفة بسيطة.

أغمضت عيني وقلت في داخلي: غدًا.

لم تكن “غدًا” وعدًا للحديث مع سليم فقط. كانت وعدًا لنفسي أنني سأفهم شيئًا واحدًا على الأقل: كيف أعيش الآن. كيف أذهب إلى الجامعة وأنا أعلم أنني نُصبت إمبراطورًا سماويًا للأرض. كيف أفتح كتاب قانون وأقرأ فصلًا عن المسؤولية المدنية بينما في صدري جوهر قادر على تغيير معنى القانون نفسه.

التعب انتصر في النهاية، لا كقرار، بل كانهيار طبيعي. النوم جاء كثقلٍ حلو. لم يكن نومًا هادئًا بالكامل؛ كان نومًا يشبه الهروب من غرفة مليئة بالأسئلة. لكن الهروب أحيانًا ضرورة كي لا تنكسر.

نمت من الظهر إلى العشاء.

وعندما استيقظت، كان الليل قد حل، والهواء في الغرفة صار أبرد قليلًا. جلست ببطء، وأنا أحاول أن أستوعب: هل أنا في نفس اليوم؟ هل هذه “ساعة واحدة” أم “ثلاثة أشهر”؟ ثم تذكرت: نحن الذين حملنا الزمن، لا الساعة.

مددت يدي إلى جيبي حيث الورقة. كانت هناك. لم تتبخر. لم تكن حلمًا. فتحتها ببطء، ورأيت الأرقام، رأيت الحروف التي كتبتها بتعجّل في وسط الجزيرة، ورأيت كيف اهتزّ خطّي في بعض المواضع. هذا الارتجاف كان صادقًا أكثر من أي ختمٍ رسمي.

أعدت طي الورقة. وضعتها في مكان آمن. ثم جلست لحظة أطول، أنظر إلى الحائط بلا تركيز. لم يكن في رأسي خطة. لم يكن هناك إلا شيء واحد واضح: لن أستطيع أن أتصرف مع الناس كما لو أن شيئًا لم يحدث. لكنني أيضًا لن أستطيع أن أصرخ بالحقيقة في وجه العالم. العالم لا يملك مساحات للصراخ بهذا الحجم.

في تلك اللحظة، لمعت الواجهة في طرف رؤيتي، لمعة قصيرة… كإشعارٍ لم يكتمل بعد. لم يكن إعلانًا كبيرًا، ولم يحمل تفاصيل، فقط تذكير صامت بأن “الأحداث القادمة” موجودة وأن الدعوات ستصل. اختفى اللمعان بسرعة، كأنه يقول: ليس الآن. دع جسدك يأكل أولًا، ثم فكر.

قمت ببطء، كمن يحمل على كتفه عباءة غير مرئية. ذهبت نحو الماء، شربت، ثم جلست. لم يكن عندي شهية عظيمة، لكن جسدي طالب بشيء بسيط: طعام يثبت أنك ما زلت إنسانًا.

وأنا أتناول لقيمات قليلة، كان هناك سؤال واحد يطرق رأسي كإيقاع بعيد:

حين أقف في الأسابيع القادمة في حفل مراسيم التنصيب على العرش… هل سأبدو كطالب قانون يرتدي قناعًا رسميًا؟ أم كإمبراطور سماوي يحاول أن يقلد الطالب؟

لم أجب. ليس لأنني لا أملك جوابًا، بل لأن الجواب يحتاج غدًا. يحتاج سليم. يحتاج أن نرتّب الورق الذي كتبناه، وأن نقرر بأي لغة سنحكي لأنفسنا هذه الحقيقة.

أنهيت العشاء على عجل، لا لأنني مستعجل، بل لأنني مرهق من فكرة “الزمن” نفسها. ثم عدت إلى غرفتي، أطفأت الضوء، وتمددت مرة أخرى.

قبل أن يغلبني النوم مجددًا، وجدت نفسي أبتسم ابتسامة صغيرة. ليست سخرية. مجرد اعتراف بحقيقة يوميّة غريبة:

أنا نُصبت إمبراطورًا سماويًا للأرض…

ومع ذلك، أكثر ما أحتاجه الآن هو أن أنام.

2026/05/21 · 0 مشاهدة · 1505 كلمة
poseidon
نادي الروايات - 2026