دخلنا الكلية كأننا ندخل مكانًا نعرفه جيدًا… لكننا لم نكن نحن الذين نعرفهم.
الممرات نفسها، الوجوه نفسها، الضجيج الخفيف الذي يسبق المحاضرات، روائح الورق والقهوة، والطلاب الذين يتبادلون النكات والشكاوى المعتادة. كل شيء كان طبيعيًا إلى درجةٍ مزعجة، كأن العالم يصرّ على تجاهل ما عشنا. كنت أرى هذا “الطبيعي” بعينٍ جديدة: عين من خرج للتو من ساحةٍ تتبدّل فيها القواعد بلا إنذار، ثم عاد ليجلس على مقعدٍ خشبي في قاعةٍ جامعية.
سليم كان يسير بجانبي بصمتٍ شديد الانضباط. لم يكن صمتَ خوف، بل صمتَ إنسانٍ يضع الكلمات في فمه ثم يعيدها إلى الداخل قبل أن تخرج. كنت أفعل الشيء نفسه، لكن بطريقتي: أحاول أن أثبّت رأسي، كما أثبّت جوهري في صدري، فلا ينفلت مني شيء في المكان الخطأ.
وصلنا إلى القاعة. كانت ممتلئة بقدر مألوف. الأستاذ موجود، يضع أوراقه على الطاولة، ويتهيأ للشرح. جلستُ أنا وسليم في الموضع الذي اعتدنا أن نجلس فيه: قريبًا بما يكفي لنسمع ونشارك، وليس في المقدمة المباشرة. كان هذا الاختيار نفسه إشارة: نحن لم نأتِ لنختبئ، لكننا أيضًا لم نعد قادرين على الظهور كما كنا.
بدأ الأستاذ المحاضرة. كتب عنوانًا عامًا على السبورة، ثم شرع يشرح بأسلوبه المعتاد: تمهيد بسيط، ثم تفصيل تدريجي، ثم مثال قريب من الواقع لتثبيت الفكرة. لم يكن يتعمق في التفاصيل القانونية الدقيقة، بل كان يضع إطارًا عامًا، ويبيّن كيف تُفهم الفكرة وكيف تُرتّب في الذهن.
حاولت أن أركز. حاولت بصدق. قلت لنفسي: هذه محاضرة حقيقية، وهذه حياتك اليومية، وهذه الجامعة هي “السقف المدني” الذي يجب أن يبقى قائمًا. لكن عقلي كان يهرب في كل ثانية إلى صور لا أطلبها: الكريستالة وهي تضيء، اللوحات التي أعلنت الأسماء، الضوء الأبيض الذي أعادنا إلى الشارع، والجملة التي لا تزال تلسعني: “مرّت ساعة واحدة فقط”.
سليم كان مثلي، وربما كان أشد. كنت أراه ينظر إلى السبورة ثم ينزل بعينيه إلى الطاولة، ثم يعود، ثم يتوقف في نقطة ثابتة كأنه يحاول أن يضغط على ذاكرته لتصمت. نحن كنا نقاتل أنفسنا كي نبدو “طالبين” فقط، لكن القتال الداخلي كان يبتلع ما بقي من الانتباه.
الأستاذ طرح سؤالًا بسيطًا على القاعة، سؤالًا من النوع الذي نجيب عنه عادة دون تردد. رفع بعض الطلاب أيديهم، أجاب أحدهم، صحح الأستاذ الإجابة، ثم التفت فجأة نحوي ونادى اسمي.
رفعت رأسي بسرعة. قلت: “نعم يا أستاذ.”
سألني سؤالًا مباشرًا، لا يحتاج فلسفة ولا التفاف. عادةً أجيب عنه بسرعة، وأضيف عليه مثالًا صغيرًا، ثم أعود للإنصات. لكن هذه المرة… انقطع الخيط. الكلمات كانت موجودة في رأسي، لكن ترتيبها لم يخرج. حاولت أن أبدأ، خرجت جملة صحيحة جزئيًا، ثم صمتُّ لحظة أطول مما ينبغي.
لاحظ الأستاذ. لم يعاتب بعنف، لكنه بدا مستغربًا، لأننا معروفان بالمشاركة الدائمة. قال بهدوء: “أنتما عادةً تكونان أكثر حضورًا. هل أنتما متعبان؟”
ضحك بعض الطلبة ضحكة خفيفة، لا سخرية فيها، بل دهشة. شعرت بحرارة قصيرة في وجهي. لم أرد أن أفتح بابًا لأي تفسير، فقلت بأبسط صيغة: “نعم يا أستاذ، لم أنم جيدًا.”
ثم نظر الأستاذ إلى سليم. سليم رفع رأسه وقال: “وأنا كذلك يا أستاذ.”
توقف الأستاذ لحظة قصيرة، ثم عاد إلى شرحه دون أن يضغط علينا أكثر. لكنه بدأ يطرح أسئلة سريعة متقاربة على القاعة ليعيد الانتباه العام. كنت أسمع صوته، لكنني كنت أحتاج إلى جهد غير طبيعي كي لا ينزلق عقلي إلى الأمس.
مع مرور الدقائق، حاولت أن أطبّق ما تعلمته في أسوأ مكان لتعلمه: داخل نفسي. قلت لنفسي: لا تسمح للفوضى أن تخرج. اسحبها للداخل وثبّتها. ليس الذهب هذه المرة، بل الصور. كنت كلما ظهرت صورة من الجزيرة، أضعها في زاوية داخلية وأقول: لاحقًا. الآن أنت في محاضرة.
سليم كان يحاول بالطريقة نفسها. كنت أراه يشد فكه قليلًا ثم يرخي يده تحت الطاولة، كأنه يقوم بتمرين صغير للسيطرة. ربما كان يخشى أن تتحول كلمة عادية ينطقها في القاعة إلى أثر حقيقي كما كانت تفعل في الجزيرة. لا أعرف إن كان ذلك ممكنًا هنا، لكن خوفه كان مفهومًا.
في منتصف المحاضرة، توقف الأستاذ ونظر إلى القاعة وقال بجملة عامة: “أعلم أن الأخبار تشغل بالكم، لكن هنا نحن نحتاج إلى انضباط ذهني. من لا يستطيع أن يركّز ساعة واحدة، لن ينجح في امتحان ولا في بحث.”
كانت الجملة موجهة للجميع، لكنها أصابتنا نحن بالذات. لأن انشغالنا لم يكن “أخبارًا”، بل ذاكرة كاملة لم نملك الحق في شرحها.
قرب نهاية الحصة، بدأنا نستعيد شيئًا من التوازن. أجبتُ عن سؤال آخر بإجابة قصيرة وصحيحة، دون إضافات. سليم أيضًا أجاب مرة واحدة بإيجاز. الأستاذ لاحظ تحسننا، وأومأ بإيماءة رضا صغيرة ثم أكمل.
انتهت المحاضرة أخيرًا. خرج الطلاب، وعاد الضجيج إلى الممرات. خرجنا نحن أيضًا، لكننا لم نشعر بالخفة. كان الانتصار الوحيد أننا “مررنا” محاضرة كاملة دون أن نسقط في انكشاف أو في انهيار.
وقفنا في الرواق قرب نافذة تطل على الساحة. سليم قال بصوت منخفض جدًا: “إذا كانت محاضرة واحدة بهذا الثقل… فكيف سنعيش الأسابيع القادمة؟”
نظرت إلى الساحة وإلى السماء فوقها. السماء هادئة، لا جزيرة ولا ضوء. قلت بهدوء: “خطوة خطوة. ولكن هذه المرة على الأرض.”
ثم شعرت بالهاتف يهتز في جيبي اهتزازًا أقصر وأثقل من رسائل البشر. لم أخرجه فورًا. قلت لسليم: “لنقرأ ما وصل في مكان هادئ.”
أومأ سليم، ومشينا بين الطلبة بوجوه عادية، كأننا خرجنا من محاضرة عادية… بينما في جيبي شيء يلمع بصمت، يذكّرني أن الدعوات التي تحدث عنها المشرف ليست فكرة، بل موعدٌ يقترب.
خرجتُ أنا وسليم من مبنى الكلية بعد المحاضرة ونحن نبدو—للعيون العادية—طالبين مرهقين فقط. لكنني كنت أعرف أن ما يختبئ تحت هذا “المرهق” أوسع من أي شرح، وأن كل خطوة في الممرات، وكل نظرة من زميلٍ يسأل: “أأنت بخير؟” كانت تحمل احتمالًا واحدًا مزعجًا: أن ينفتح شيء قبل أوانه.
سرنا حتى ابتعدنا عن ازدحام الطلبة، واخترنا زاوية هادئة خلف مبنى قديم ملاصق للمكتبة، حيث تقل الحركة ويضعف صدى الأصوات. كان المكان نصف ظلّ، وفيه مقعدٌ حجري متشقق من كثرة السنين. جلستُ أولًا، ثم جلس سليم قبالتي، وبقيت لحظة لا أتكلم، كأنني أريد أن أسمع العالم يتنفس دون أن أُقاطع تنفسه بأفكار الجزيرة.
أخرجت الهاتف أخيرًا. كانت شاشة القفل باردة بشكل مستفز: ساعة، تاريخ، إشعاران عاديان من مجموعة الدراسة، وأيقونة أخبار. لا شيء يصرخ: “أنت عدت من بعدٍ آخر.” لا شيء يعلن: “هذا الهاتف الآن جزء من دولةٍ تُولد.”
ثم رأيت رسالة من رقمٍ غريب.
لم يكن الرقم مسجلًا. لم يكن مسبوقًا باسم، ولا بصورة. مجرد أرقام صماء، ورسالة قصيرة جدًا، كأن كاتبها يخشى أن يترك أثرًا أكثر مما يلزم:
“تأكيد هوية. أمر عاجل.”
رفعت عيني إلى سليم. كان ينظر إلى الشاشة من طرف عينه دون أن يمد يده، كأنه يرفض أن يشارك في لمس شيء قد يكون فخًّا. تبادلنا نظرة واحدة فهمنا بها نفس الفكرة: بعد ما حدث، لا شيء بريء.
فتحت المحادثة.
وفي اللحظة التي دخلت فيها، وظهر للطرف الآخر أنني قرأت الرسالة… رنّ الهاتف فورًا.
رنّة واحدة ثم الثانية، كأن صاحب الرقم كان ينتظر “علامة القراءة” فقط ليضغط الزر دون تردد. شعرتُ بدمي يبرد قليلًا. ليس خوفًا من مكالمة، بل خوفًا من أن يكون وراءها نظام لا يعرف المزاح. سليم لم يقل شيئًا، لكنه شدّ عضلة فكه، وتقدم قليلًا، كأنه يستعد أن يلتقط الهاتف إن سقط من يدي.
رنَّ الهاتف فورًا… وكأن الطرف الآخر كان يضع إصبعه على زرّ الاتصال وينتظر فقط أن أفتح المحادثة.
تبادلْتُ النظرات مع سليم بسرعة، ثم رفعتُ الهاتف إلى أذني وأنا أُخفض صوتي تلقائيًا، كمن يخشى أن يسمع الجدار ما لا يجب أن يسمعه أحد.
قلت بتحفّظ:
«ألو.»
جاءني صوتٌ رجوليّ منخفض، ليس فيه ارتباك ولا تلعثم. صوتٌ مُهذّب إلى حدٍّ غير طبيعي، وكأن صاحبه يتحدث من داخل قاعة مراسم لا من خلف خط هاتف. قال مباشرة:
«هل هذا أنت حقًّا يا مولاي؟»
تجمّدتُ لحظة.
كلمة “مولاي” لم تكن مجرد لقب احترام. كانت مفتاحًا يُحاول أن يفتح بابًا في رأسي… بابًا وجدتُه مغلقًا بإحكام. شعرتُ بشيء في داخلي يتململ، ليس جوهري الذهبي، بل شيء أقدم: إحساس بأن هذه الكلمة استُعملت أمامي سابقًا… كثيرًا… في زمنٍ لا أتذكره.
نظرتُ إلى سليم مرة أخرى. كان وجهه ثابتًا، لكن في عينيه تحذير واضح: لا تُسلم نفسك لدهشة اللحظة. لا تُقرّ بشيء.
عدتُ إلى الهاتف، وقلت ببرود متعمّد:
«من المتحدث؟»
لم يغضب. لم يتفاجأ. كأنه كان يتوقع أن أول ردّ طبيعي من “مولاه” العائد إلى الأرض هو الشكّ، لا الترحيب. قال بنبرة أشد تواضعًا:
«أطلب العفو يا مولاي. لن أذكر اسمًا في أول اتصال. يكفيني أن أُعرّف نفسي بالصفة: أنا رئيسُ الخدم الإمبراطوري.»
سقطت العبارة في رأسي بثقلٍ غريب.
لم تكن “رئيس الخدم” مجرد وظيفة منزلية كما قد يفهمها طالبٌ عادي. طريقة نطقه للكلمة جعلتها أقرب إلى منصب سيادي: رجلٌ يقف عند مفصل الدولة، عند بوابة المراسيم والظهور، عند ترتيب ما يجب أن يَظهر وما يجب أن يبقى مختفيًا.
وشعرتُ في اللحظة نفسها بلسعة داخلية: كيف ظهر هذا المنصب بهذه السرعة؟ نحن عدنا منذ يوم واحد الى الأرض… فكيف يملك رقم هاتفي، وكيف يملك الجرأة أن يكلمني بهذه الثقة، وكيف يملك أن يقول “مولاي” كما لو أن بيننا تاريخًا لا يحتمل الإنكار؟
سليم أشار بيده إشارة قصيرة تعني: اسأله عن الدليل.
فقلت فورًا:
«كيف حصلت على هذا الرقم؟ وكيف عرفت أنني… أنا؟»
تنفّس الرجل في الطرف الآخر تنفّسًا قصيرًا، كما لو أنه يضع جملة في قالب بروتوكولي قبل أن ينطقها. ثم قال:
«حصلتُ عليه عبر قناةٍ مُقيّدة لا تصل إلى عامة الناس، ولا تُستعمل إلا عند الضرورة. أما معرفتي… فليست تخمينًا. أنا لم أتصل إلا بعد أن تأكدت من تطابق الإشارة.»
توقف لحظة، ثم أضاف بنبرة أقل رسمية، لكنها ما زالت مضبوطة:
«وأعرف أن هذا لا يكفيكم يا مولاي، لأن الذاكرة ليست دائمًا تحت أمر صاحبها.»
عندما قال “الذاكرة”، شعرتُ كأنه ضغط بإصبعه على موضع الختم في رأسي. لم يقل “ذاكرتك مختومة”، لم يصرّح بشيء مباشر، لكنه أشار إلى فكرة الختم دون أن يذكرها. كان يعرف… أو يتوقع… أو يتعامل مع هذا كحقيقة عملية.
قلت بحدة مكبوتة:
«إن كنت تعرف شيئًا عن ذاكرتي، فإما أنك قريب جدًا… أو أنك خطر.»
لم يرد بجملة دفاعية طويلة. رد بطريقة رجل اعتاد أن يبقى تحت سقف إمبراطور: لا يبرر أكثر من اللازم، ولا يترك كلمة زائدة في الهواء.
قال بهدوء:
«لا أطلب منكم الثقة الآن. أطلب فقط أن تسمحوا لي بأداء واجبي كما يجب، دون أن أضعكم في موقف مكشوف.»
ثم أردف، وكأنه ينتقل إلى قلب الموضوع:
«لقد بدأت الأخبار تنتشر. المصطلحات خرجت إلى العلن، ولو دون أسماء. وستزداد الفوضى كلما حاول الناس ملء الفراغ بما يحبون: أساطير، تفسيرات، وشائعات. دوري ليس القتال، ولا التدخل في شؤون الحراس… دوري أن أرتّب “ظهوركم” حين يحين وقت الظهور، وأن أحمي صورتكم المدنية قبل ذلك.»
توقفت عند عبارة “صورتكم المدنية”. كانت جملة أصابتني في مكان حساس. لأن هذا بالضبط ما كنا نحاول فعله منذ أن خرجنا من المحاضرة: أن نظل طالبين، أن لا يفضحنا اللقب.
سليم همس لي بصوت لا يسمعه الهاتف:
«لا تجبه كثيرًا. اطلب منه علامة لا يمكن تزويرها.»
فقلت للرجل:
«إذا كنت حقًّا رئيس الخدم… فأعطني ما يثبت أن اتصالك ليس طمعًا ولا خدعة. كلمة واحدة. علامة واحدة.»
صمت الرجل نصف ثانية. ثم قال بنبرة لا تخلو من احترام عميق:
«سأعطيكم علامة… لكنها ليست كلمة أُطلقها في الهواء. هي حقيقة بيني وبينكم، تُثبتها الصدمة قبل الفهم.»
توقفت. شددت الهاتف على أذني، وكأنني أخشى أن يمرّ حرفٌ دون أن ألتقطه.
قال بصوت منخفض جدًا، كأنه يتحدث تحت سقفٍ يخاف أن يسمع:
«يا مولاي… أنت أنقذتني وأنا صغير.»
جفَّ حلقي.
الجملة كانت بسيطة… لكنها كسرت شيئًا في صدري. ليست لأنها مفاجئة، بل لأنها اصطدمت مباشرة بختم الذاكرة: أنا أعرف أن ذاكرتي ناقصة، وأعرف أن هناك فراغات، لكن سماع “أنت أنقذتني” من شخص يعرّف نفسه برئيس الخدم جعل الفراغ يتخذ شكلًا واضحًا. فراغٌ له وجه… وله صوت.
قلت ببطء:
«لا أتذكر.»
لم أقلها اعتذارًا ولا إنكارًا. قلتها كحقيقة قاسية، كمن يضع حجرًا بينه وبين الماضي.
ردّ الرجل بسرعة، وكأنه توقعها حرفيًا:
«أعلم. ولذلك لا أطلب منكم أن تتذكروا الآن. يكفيني أن تعرفوا أنني لا أطلب “منصبًا” ولا “قربًا”… فأنا أصلاً في موضعٍ لا أحتاج فيه إلى إثبات نفسي. أنا أطلب الإذن لأقوم بما يضمن ألا يلتهمكم العالم قبل مراسم التنصيب.»
ثم عاد إلى نبرة الإدارة:
«يا مولاي، لدينا أسابيع قليلة—كما قيل لكم—قبل مراسم العرش. وهذه الأسابيع لا تعني الفراغ. تعني التحضير. التحضير يعني ثلاثة أمور عاجلة لا رابع لها: أولًا: قناة تواصل آمنة بينكم وبين الحراس العلويين.
ثانيًا: بروتوكول الحد الأدنى للظهور: ماذا نقول؟ ماذا لا نقول؟ كيف نتصرف أمام الإعلام؟
ثالثًا: ترتيبات الحضور والتنقل، لأن أي حركة غير محسوبة ستفتح أبوابًا لا تُغلق.»
كنت أسمعه، وداخلي يرفض أن ينزلق نحو قبول تلقائي. أنا لا أستطيع أن أعطي “إذنًا” لمجهول مهما كان صوته منضبطًا. لكنني أيضًا لا أستطيع أن أتجاهل حقيقة أن هذا الاتصال قد يكون أول خيطٍ مؤسساتي يربط ما حدث في الجزيرة بما سيحدث على الأرض.
سألته:
«أين أنت الآن؟»
قال فورًا، لكن دون أن يحدد عنوانًا صريحًا:
«في نطاق المدينة نفسها، وفي مكان لا يلفت الانتباه. لا أتحرك كثيرًا قبل أن يصلكم ما يجب أن يصلكم. أنا لا أريد لقاءً الآن إن كان ذلك يربككم. يمكن أن نؤجل اللقاء. لكن لا يمكن أن نؤجل “التنسيق” طويلًا.»
ثم أضاف جملة قصيرة، واضحة، كأنها سطر في ملف رسمي:
«إن سمحتم، أتعامل معكم بهذه القاعدة: أنتم “المركز”. أنا “الواجهة التنظيمية”. الحراس “القوة التنفيذية”.»
توقفت عند كلمة “الواجهة التنظيمية”. كان يتحدث عن نفسه كما لو أنه قطعة في آلة أكبر، لا شخص يبحث عن قرب. وهذا جعل كلامه أكثر إقناعًا… وأكثر خطورة.
قلت له:
«لا أوافق على أي لقاء الآن. ولن أُدخل رقمك في قائمة رسمية. لكنني لا أقطع الاتصال. سأتأكد أولًا.»
سمعت نفسًا خفيفًا في الطرف الآخر، لا يدل على ضيق، بل على قبول بروتوكولي:
«هذا حقكم يا مولاي. بل هذا واجبكم.»
ثم قال بصوتٍ أهدأ:
«أريد فقط أن أطلب شيئًا واحدًا الآن، قبل أن نُنهي المكالمة: لا تُجيبوا على أي اتصال يأتيكم باسم “الإمبراطور” أو “البلاط” أو “الحراس” أو “العرش” خلال الأيام القادمة، إلا بعد أن تتأكدوا. سيتكاثر الصيادون على الأرض كما تكاثروا في الجزيرة… لكن بوجوه أخرى.»
كانت الجملة الأخيرة قاسية لأنها صحيحة. في الجزيرة كانوا يصطادون سليم لأنه متصدر. على الأرض قد يصطادون “الإمبراطور السماوي” لأنه لقب يفتح شهية الجميع: الخوف، الطمع، الفضول، وحتى الولاء الأعمى.
سألته سؤالًا أخيرًا:
«كيف تريد أن أتواصل معك؟»
قال فورًا:
«مكالمة فقط، إن شئتم. رسائل قصيرة جدًا عند الضرورة القصوى. وفي كل مرة سأبدأ بكلمة تحقق لا تدل على شيء للغرباء، لكنها تدل لكم على أنني أنا. سأرسلها الآن في رسالة واحدة، ثم أصمت. ولن أتصل مرة أخرى حتى تتصلوا أنتم.»
توقفت لحظة، ثم قلت بحسم:
«افعل ذلك. ثم اصمت.»
قال:
«أمركم يا مولاي.»
وقبل أن يُغلق، سمعته يضيف بنبرة احترام خالصة، بلا سياسة:
«حفظكم الله.»
ثم انقطع الخط.
بقيت أنظر إلى الهاتف لحظة كأنني أنتظر أن يظهر على الشاشة ما يفسر هذا كله. لم يظهر شيء. مجرد “انتهت المكالمة”. كأن الهاتف يصرّ على أن يجعل الأمور عادية.
رفعت عيني إلى سليم. لم أحتج أن أشرح كثيرًا. قلت:
«قال إنه رئيس الخدم الإمبراطوري… وقال إنني أنقذته وهو صغير.»
سليم لم يطلق رد فعل كبير. هذا جزء من صلابته: لا يصدق بسرعة، ولا ينهار بسرعة. قال بهدوء:
«وجود منصب كهذا منطقي إذا كانت الإمبراطورية تُبنى فعلًا. لكن دعنا نأخذها كما تعلمنا في المرحلة الثانية: لا نثق إلا بعد تحقق.»
ثم أضاف، وهو يضع يده على صدره كعادته:
«والجملة التي قالها… قد تكون طُعمًا. وقد تكون حقيقة.»
قلت:
«الطعم يُقال بطريقة مختلفة. هذا لم يكن طعمًا. كان كأنه… يعرف أين يضغط.»
سليم نظر إلى الهاتف في يدي:
«قال إنه سيرسل كلمة تحقق. لنرَ.»
لم ننتظر كثيرًا. اهتز الهاتف اهتزازًا خفيفًا. وصلت رسالة واحدة، قصيرة جدًا، بلا أسماء، بلا ألقاب، بلا ذكرٍ لجزيرة ولا لعرش. مجرد عبارة تبدو لأي شخص عادي غير مفهومة أو عابرة… لكنها لي كانت مثل مسمار في الخشب:
«إشارة التحقق: أنقذتني وأنا صغير. والباقي حقُّك إن تذكرت.»
نظرتُ إلى الرسالة مرتين.
لم تكن “دليلًا علميًا” بالطبع. لكنها كانت متسقة مع ما قاله في المكالمة، ومتسقة مع ما أعلمه عن نفسي: ذاكرتي مختومة، وهناك حلقات ناقصة، وهناك أشياء أُخبرتُ بها ولم أستطع الإمساك بها.
سليم قال بصوت منخفض:
«حسنًا. هذا لا يُثبت كل شيء، لكنه يُثبت أنه يملك معلومة شخصية… أو يملك جرأة انتحال معلومة شخصية.»
قلت:
«والفرق بينهما… لا يظهر إلا عندما نختبره.»
سليم أومأ:
«نختبره بذكاء، لا بمغامرة.»
سكتنا لحظة، لأن المكان الهادئ حولنا لم يعد هادئًا في رؤوسنا. صار كل شيء يلمع باحتمال: اتصال، بروتوكول، مراسم، دولة تنشأ، ووجهٌ إداري يطلب أن يمسك زمام “الظهور”.
وضعت الهاتف في جيبي، ثم قلت لسليم:
«لا نقول شيئًا لأحد اليوم. لا لطلاب، ولا لأساتذة، ولا حتى لأقرب الناس. سنلتزم بالتمويه. وفي الليل… نقرر ماذا نفعل.»
سليم نهض ببطء، وكأنه يحمل في ظهره هو الآخر شيئًا أثقل من حقيبة طالب. قال:
«وفي الليل… نتذكر قاعدة الجزيرة: من يتكلم كثيرًا يموت كثيرًا. على الأرض الموت قد لا يكون جسديًا، لكنه قد يكون أسوأ.»
مشينا بين الأشجار القليلة قرب المكتبة. خطواتنا كانت عادية، لكن كل خطوة كانت تحمل معنى جديدًا: العالم بدأ يدخل علينا من الباب الأصغر الممكن—رقم هاتف مجهول—ويدّعي أنه يعرف ما لا أذكره.
وقبل أن نبتعد كثيرًا، اهتز الهاتف مرة ثانية… رسالة ثانية من الرقم نفسه. هذه المرة كانت جملة واحدة فقط، كأنها كتبت لتفتح بابًا ثم تغلقه بسرعة:
«سأنتظر اتصالكم يا مولاي. الوقت يعمل ضد الهدوء.»
رفعت رأسي إلى سليم. قلت:
«الوقت… يعمل ضد الهدوء.»
كرر سليم العبارة ببطء، ثم قال:
«إذن لا نضيع الوقت… لكننا لا نُسلِّم أنفسنا أيضًا.»
أومأت، وأنا أشعر لأول مرة منذ عودتنا إلى الأرض أن “المرحلة التالية” لم تعد مجرد دعوة رسمية في واجهة نظام… بل صارت اتصالًا حيًّا يحاول أن يربط إمبراطورًا متخفّيًا بحياة طالبٍ يمشي إلى محاضرة.