في اليوم الموالي، استيقظتُ وأنا أشعر بأن رأسي أخفّ قليلًا… لا لأن ما حدث صار سهلًا، بل لأن النوم العميق يسرق من الذاكرة حدّتها مؤقتًا، كأنه يضع غطاءً على النار كي لا تحرق البيت كله. فتحتُ عيني على ضوء الصباح، وجلستُ على طرف السرير لحظة، أحاول أن أتذكر ما الذي يجب أن أفعله أولًا: أراجع المحاضرة؟ أفتح الأخبار؟ أتصل بسليم؟

الجواب جاء وحده حين لامستُ الهاتف.

الرقم الغريب ما زال هناك. المحادثة ما زالت موجودة. الرسالة التي قال فيها إنه “رئيس الخدم الإمبراطوري” لم تتبخر مثل حلم. وأخطر من كل ذلك… أن نبرة صوته، وكلمته الأولى “يا مولاي”، بقيت في أذني كقيد لا يزول.

لم أرد أن أترك الموضوع ينمو في رأسي مثل شائعة. أنا أعرف نفسي: إن لم أقطع الشك بسكين قرار، سيتحول إلى وسواس، والوسواس في هذه المرحلة قد يقتل التركيز الذي بالكاد استعدناه.

كتبتُ له رسالة قصيرة، بلا تزويق، وبأسلوب لا يترك مساحة للتلاعب:

«نلتقي اليوم. وأريدك أن تدافع عن نفسك. حدِّد مكان اللقاء وزمانه إن كنت جادًّا.»

توقفتُ لحظة قبل الإرسال. راجعت الجملة مرة ثانية. كانت قاسية، لكنها عادلة. إن كان صادقًا، سيفهم أن هذا أقلّ ما يستحقه رجل يدّعي منصبًا بهذه الخطورة. وإن كان كاذبًا، فسيرتبك ويقع.

ضغطتُ زر الإرسال.

وضعتُ الهاتف جانبًا، وتوقعت أن يمر وقت… لكنه لم يمر.

بعد ثوانٍ قليلة فقط، وصل الردّ. كان الردّ خاليًا من أي انفعال، كأنه مكتوب مسبقًا في بروتوكول:

«نعم. ما رأيك الآن في فندق Rose وسط المدينة؟ لقاءٌ عام، لكن نستطيع الجلوس في ركن هادئ. أنت تختار الوقت. وأنا ألتزم.»

قرأتها مرة. ثم مرة ثانية. ثم رفعتُ رأسي بلا وعي، وكأنني أبحث عن معنى إضافي على الجدران.

اختيار “فندق” وسط المدينة كان ذكيًا. مكان عام يقلّل خطر الفخاخ المباشرة، وفيه كاميرات وحركة وناس. وفي الوقت نفسه، يستطيع رجل بروتوكول أن يختبئ داخله بسهولة—يصبح “ضيفًا” لا “شخصًا ينتظر إمبراطورًا”.

كتبتُ له فورًا:

«تمام. بعد ساعة. لا تتأخر.»

ثم توقفتُ عند جملة “بعد ساعة”. ضحكتُ في داخلي ضحكة قصيرة. الساعة أصبحت وحدة سخرية في حياتي منذ الجزيرة.

قبل أن أقف، اتصلتُ بسليم.

ردّ بسرعة كعادته، لكن صوته كان ما يزال يحمل أثر الأمس: هدوء حذر، كأن كل كلمة تُزن قبل أن تخرج.

قلت له مباشرة: «أرسلتُ له. اقترح فندق Rose في وسط المدينة. سأذهب إليه بعد ساعة.»

لم يسألني من “هو”، لأنه يعرف. سكت لحظة قصيرة، ثم قال: «اذهب… لكن لا تذهب وحدك في المعنى. اجعل هاتفك مفتوحًا، واتفق معي على رسالة واحدة إذا شعرت أن شيئًا غير طبيعي يحدث.»

قلت: «لن أفتعل الدراما. لقاء في مكان عام.»

قال: «المكان العام لا يمنع أن يكون غير آمن. لكنه يقلل المخاطر. افعل الآتي: اكتب لي موقع الفندق الآن، ثم لا تتحدث معه عن أي شيء حساس أمام الناس. اجعله يثبت نفسه بأدلة لا بكلام.»

أومأتُ رغم أنه لا يراني. «اتفقنا.»

أرسلتُ لسليم اسم الفندق وموقعه كتابة، ثم أغلقت المكالمة. لم تكن هذه خطوة جبن. كانت خطوة عقل. الجزيرة علمتنا أن الخطأ الصغير—ككلمة في الهواء—قد يتحول إلى كارثة.

تجهزتُ بسرعة. لم أرتدِ شيئًا ملفتًا، ولا شيئًا يُظهر أنني “مركز” أو “لقب”. ارتديت ملابس بسيطة، نظيفة، كطالب يذهب لمراجعة أو لقاء عادي. وضعتُ الهاتف في جيبي، والمحفظة في الجيب الآخر، وأخذتُ نفسًا عميقًا قبل الخروج.

عندما خرجتُ إلى الشارع، لاحظتُ أن المدينة لم تعد تنظر إلى السماء فقط، بل تنظر إلى بعضها البعض. الناس صاروا يراقبون الوجوه: من الذي عاد من البطولة؟ من الذي حصل على لقب؟ من الذي تغيّر؟ الفضول كان يسير على الأرصفة مثل طفلٍ شقيّ يفتح الأبواب.

سمعتُ شابين قرب محلّ صغير يتحدثان بصوت مرتفع: “قالوا البطولة انتهت…” و“الفائز ما قالوا اسمه…” و“الإمبراطور السماوي للأرض…” لم أتوقف. لم أنظر. كنت أعرف أن الوقوف عند هذه الكلمات يجعلها تتشبث بك أكثر.

ركبتُ وسيلة نقل إلى وسط المدينة. الطريق لم يكن طويلًا، لكنه كان كافيًا كي يزداد رأسي امتلاءً بالأسئلة التي لا أريدها الآن: من هذا الرجل؟ هل هو حقًّا “رئيس الخدم”؟ كيف ظهر بهذه السرعة؟ وكيف يتجرأ أن يقول “مولاي” وكأنه يتحدث مع شيء معروف لديه منذ زمن؟

وصلتُ إلى فندق Rose.

كان الفندق في قلب الحركة، واجهته زجاجية، وبابه يدور ببطء كأنه لا يستعجل أحدًا. عند الدخول استقبلتني رائحة عطرٍ خفيف وهدوء مصطنع؛ هدوء لا يعني أن المكان فارغ، بل يعني أن المكان يعرف كيف يخفي ضجيجه خلف موسيقى منخفضة وإضاءة محسوبة. في الردهة كان هناك موظفو استقبال، وجلسات صغيرة موزعة على الأطراف، ورجال أعمال أو سياح أو أشخاص لا تعرف لماذا هم هنا.

هذا بالضبط ما يجعله مكانًا مناسبًا للقاء: الناس كثيرة، لكن لا أحد يهتم بك إن جلست بهدوء.

اخترتُ ركنًا بعيدًا عن المدخل المباشر، قريبًا من نافذة ترى الشارع دون أن تكون أنت مرئيًا بسهولة لمن في الشارع. جلستُ، ووضعتُ الهاتف أمامي على الطاولة لكن مقلوبًا، كي لا يلمع وجه الشاشة أمام من يمر.

مرت دقيقة. ثم دقيقتان. ثم ثلاث.

كنتُ أراقب الداخل كما كنت أراقب الغابة في الجزيرة: لا بحثًا عن وحش، بل بحثًا عن “علامة”. الفرق أن الوحوش هنا تلبس بدلات، وتبتسم، وتتحدث بهدوء.

ثم رأيته.

لم يدخل كمن يدخل رجل يبحث عن طاولة. دخل كمن يدخل رجل يعرف أن المكان جزء من وظيفته. مشيته ثابتة، ليست مشية عسكري، ولا مشية متباهٍ. أقرب إلى مشية مدير مراسم: يملك الوقت، ويملك الخطة، ويملك سبب كل خطوة. كان يرتدي بدلة داكنة بسيطة، لا تحمل أي شعار، وشعره مرتب، وملامحه هادئة. لو رأيته في الشارع لقلت: موظف كبير، أو رجل أعمال منضبط. لكن شيئًا في عينيه… كان مختلفًا. ليس بريقًا، بل عمقًا. عينان تشبهان عينين رأتا الكثير، ثم تعلمتا ألا تُري ذلك لأحد.

نظر حوله مرة واحدة فقط، ثم ثبتت عيناه عليّ فورًا. لم يبحث ثانية. لم يخطئ.

تقدّم نحوي. وعندما صار قريبًا، لم يقل “مولاي” بصوتٍ مسموع. قال بصوت منخفض جدًا، بالكاد يسمعه من يجلس أمامه:

«سيدي.»

ثم جلس في المقعد المقابل دون أن ينتظر دعوة، لكن دون وقاحة. جلوسه كان طبيعيًا كما لو أنه ضيف في اجتماع عمل، لا كمن يعلن ولاء في قصر.

نظرتُ إليه مباشرة. لم أبدأ بالمجاملات. قلت بوضوح:

«قبل أن نتكلم… لا تكرر كلمات مثل “مولاي” هنا. نحن في فندق، وفي وسط المدينة.»

أومأ فورًا، بلا اعتراض: «أمرك. وسألتزم.»

ثم أخرج هاتفه ووضعه على الطاولة أيضًا، لكن بالطريقة نفسها: مقلوبًا. حركة صغيرة، لكنها قالت الكثير: هو يفكر بالأمان مثلنا، أو يريد أن يبدو كذلك.

قلت: «أنت قلت إنك رئيس الخدم الإمبراطوري. هذه جملة ضخمة. لماذا أصدقها؟»

لم يتوتر. لم يتلعثم. لم يبتسم. فقط وضع كفيه على الطاولة كأنهما أوراق، وقال بنبرة موظف يعرف حدود ما يقول:

«لأنني لا أطلب منك أن تصدقها الآن. أنا هنا لأثبتها بأقل قدر ممكن من الكلام.»

قلت: «إذن اثبت.»

أخذ نفسًا قصيرًا، ثم قال:

«سأضع أمامك ثلاث علامات. واحدة يمكن أن تكون مصادفة، واثنتان قد تكونان تلاعبًا، لكن الثلاث معًا… ستجعل فرضية الاحتيال ثقيلة.»

لم تعجبني الصياغة كثيرًا، لكنها كانت منطقية. قلت: «ابدأ.»

رفع إصبعًا واحدًا دون أن يشير إلى شيء:

«العلامة الأولى: اختيار المكان. فندق وسط المدينة. مكان عام. لو كنت أبحث عن فخ، لاخترتُ مكانًا يمنحني السيطرة، لا مكانًا يمنحك حماية الناس والكاميرات.»

قلت: «هذه ليست علامة قوية. أي محتال ذكي قد يفعل ذلك.»

أومأ: «صحيح. لذلك هي العلامة الأضعف.»

ثم رفع إصبعًا ثانيًا:

«العلامة الثانية: أنا لم أطلب منك أي شيء مقابل هذا اللقب. لم أطلب مالًا، ولم أطلب لقاءً سريًا في بيت، ولم أطلب منك أن تُظهر هويتك للعلن. أنا طلبت شيئًا واحدًا فقط: تنظيم. لأن هذا هو عملي.»

توقفتُ لحظة. هذا صحيح. الرجل لم يأتِ يبيع شيئًا. لكن هذا وحده لا يكفي.

قلت: «وما العلامة الثالثة؟»

نظر إليّ بنظرة ثابتة جدًا، ثم قال بصوت أقل رسميًا، لكنه ما زال مضبوطًا:

«العلامة الثالثة… هي شيء لا ينفع فيه اللسان وحده. هي تحقق عملي أمامك الآن.»

ثم أخرج ورقة صغيرة مطوية من جيب داخلي في سترته. وضعها على الطاولة دون أن يفتحها، وقال:

«هذه ليست رسالة “سرية” بالمعنى الرومانسي. إنها ورقة تنسيق أولي كتبها موظف بروتوكول. فيها أسماء الحراس العلويين كما ثُبتت في التنصيب، وأدوارهم الرسمية كما أُعلنت، ورقم واحد لكل منهم، ووقت اتصال تجريبي لضمان أن الشبكة بينكم تعمل قبل أن تصل الدعوات الكبيرة.»

سحبتُ الورقة نحوّي بحذر. لم تكن عليها أختام لامعة ولا شعارات فاقعة. كانت ورقة بسيطة بخط واضح، وكأنها جزء من ملف إداري. قرأت الأسماء: سبرينة، سلمى، سيلينا، كارل، سليم… ثم اسمي. وتحت كل اسم ثلاث كلمات أو عبارة وظيفة. كل شيء مطابق لما أعرفه. لكن قد يكون منقولًا من أي شخص من الدائرة.

رفعت رأسي: «أي شخص من الحراس العلويين يمكن أن يكتب هذا. كيف يثبت أنك أنت؟»

ابتسم ابتسامة خفيفة جدًا، ليست سخرية، بل فهم:

«لأنني لم آتِ لأثبت أنني “أعرف أسماءكم”. جئت لأثبت أنني أستطيع تفعيل خط التنسيق كما لو كان موجودًا بالفعل، دون أن أضطر أن أطلب منك أنت أن تبني كل شيء وحدك.»

ثم مد يده إلى هاتفه المقلوب، ولم يقلبه بعد. قال قبل أن يلمسه:

«سأطلب منك الآن أن تتصل بسليم. هنا، أمامي. لكن لا تخبره أنني أمامك. فقط ضع المكالمة على مكبر الصوت، واسأله سؤالًا واحدًا: هل تلقى صباح اليوم رسالة بروتوكولية قصيرة من جهة غير معروفة؟»

ترددتُ جزءًا من ثانية. ثم فهمت: إن كان صادقًا، فلابد أن يكون قد تواصل مع سليم أيضًا أو أرسل شيئًا “بروتوكوليًا”. وإن كان كاذبًا، فسيلتقط سليم الكذب فورًا.

أخرجتُ هاتفي، واتصلت بسليم. قلبي كان ثابتًا، لكن داخلي كان يراقب كل تفصيلة كما يراقب إنسان حافة هاوية.

رد سليم بسرعة: «نعم؟»

قلت بهدوء: «سليم. سؤال واحد. هل وصلتك اليوم رسالة بروتوكولية قصيرة من جهة غير معروفة؟»

سكت سليم لحظة. ثم قال: «نعم. وصلت. جملة واحدة فقط. تقول: حافظ على الهدوء، ولا تُعرّف نفسك لأحد. ثم توقيع: “الخدم”.»

لم أنظر إلى الرجل أمامي فورًا. أبقيت عيني على الطاولة كأنني أستوعب. ثم قلت لسليم: «حسنًا. شكرًا. هذا يكفي.» وأغلقت المكالمة.

رفعت بصري أخيرًا إلى الرجل. كان هادئًا كما كان، لا ينتظر التصفيق ولا يطلب اعترافًا.

قلت: «هذه خطوة جيدة… لكنها لا تزال لا تجعلني مطمئنًا تمامًا.»

أومأ: «ولا يجب أن تطمئن تمامًا. الاطمئنان الكامل في مرحلة كهذه خطأ قاتل.»

ثم وضع كفيه على الطاولة مرة أخرى وقال:

«دعني أدافع عن نفسي دفاعًا واضحًا، دون أسرار. أنا مكلف بالبروتوكول والتهيئة لمراسم التنصيب. هذا يعني: ترتيب اللقاءات، ضبط القنوات الرسمية، وتقديم الحد الأدنى من الإرشاد حتى لا تتحول الشائعات إلى فوضى. أنا لا أملك سلطة على الحراس، ولا أتدخل في قرارات القتال، ولا أطلب منك أن تكشف شيئًا لأحد. أنا أطلب منك أن تمنحني إذنًا بسيطًا: أن أعمل كمنسق للواجهة، لا كمتحدث باسمك الآن.»

توقفت عند كلمة “الواجهة”. شعرت أنها كلمة خطيرة. لكنها لم تحمل وعدًا بكشف أسرار، بل وعدًا بتنظيم الفوضى.

قلت: «وماذا عن جملتك… أنك قلت إنني أنقذتك وأنا صغير؟»

لم يتغير وجهه. لم يحاول أن يهرب. قال بصدق منضبط:

«قلت ذلك لأثبت أنني لست غريبًا عنك. لكني لن أضيف تفاصيل، لأنني أعرف أن ذاكرة الإنسان قد تكون مختومة أو مجروحة أو مشوشة. وأنا لا أريد أن أزرع لك ذاكرة من كلامي. هذا ليس دفاعًا شريفًا.»

كانت الجملة ذكية. وأخافتني قليلًا، لأنها تعني أنه يفهم حدود النفوذ على الذاكرة، ويتجنبها عمدًا.

سكتُّ لحظة. ثم قلت:

«حسنًا. افترض أنني قبلت أنك في موقع رسمي. ما الذي تريده مني الآن؟ قرار واحد.»

قال فورًا، بلا دوران:

«أريد منك شيئين فقط، وسألتزم بهما حرفيًا: الأول: أن يبقى تواصلك مع الحراس العلويين عبر قناة واحدة واضحة—إما أنت، أو سليم—حتى لا تتشعب الخطوط وتُسرب التفاصيل.

الثاني: أن تسمح لي بتحديد “اجتماع تعارف بروتوكولي” قصير جدًا بينك وبين الحراس العلويين، في مكان عام أيضًا، أو عبر مكالمة جماعية قصيرة، لتثبيت القواعد: ما يقال وما لا يقال، وكيف نتعامل مع الإعلام قبل المراسم.»

نظرت إلى النافذة. الشارع يمضي. السيارات لا تعرف. الناس لا تعرف. وأنا أجلس في فندق وسط المدينة أتفاوض على “قواعد دولة” كما لو أن الأمر طبيعي.

قلت: «ومتى تريد هذا الاجتماع؟»

قال: «ليس اليوم. اليوم يكفي أن نثبت أنني لست منتحلًا. الاجتماع يمكن أن يكون خلال يومين أو ثلاثة، قبل أن تتسع دائرة الشائعات أكثر.»

أخذت نفسًا عميقًا، ثم قلت بحسم:

«أنا لا أعطيك صلاحية واسعة. أعطيك فرصة واحدة. أي خطأ، أي تسريب، أي محاولة لإجباري على الظهور قبل وقتي… تنتهي علاقتنا فورًا. مفهوم؟»

أومأ دون تردد: «مفهوم.»

ثم أضاف بصوت أكثر هدوءًا: «وأنا، من جهتي، أطلب منك شرطًا واحدًا: لا تُدخل أحدًا جديدًا إلى الدائرة دون أن نراجع الأمر. لأن أخطر ما في السلطة الجديدة ليس العدو… بل الفضولي الذي يظن أنه يساعد.»

لم أجب. لأنني كنت أعرف أن هذا صحيح.

نهض الرجل ببطء، لا ليغادر فورًا، بل ليعطي إشارة أن اللقاء لن يطول أكثر مما يجب. قال:

«سأبقى في الفندق نصف ساعة أخرى. إن أردت أن تتحقق أكثر، يمكنك أن تتصل بسبرينة أو سلمى الآن وتسألهما إن وصلتهما رسالة “الخدم” نفسها. لن أمانع. ثم غادر المكان كما تشاء. لا أتبعك. ولا أطلب منك جوابًا نهائيًا اليوم.»

ثم توقف لحظة، وأضاف جملة واحدة بصوت خافت جدًا:

«وأرجو—في المرة القادمة—أن تناديني “بالصفة” فقط. الاسم لاحقًا… حين يصبح ذكره آمنًا.»

أومأت.

وقبل أن أقول شيئًا آخر، وضع ورقة صغيرة ثانية على الطاولة—هذه المرة كانت فارغة إلا من سطر واحد:

«قناة التحقق المقبلة: اتصال قصير من رقم واحد فقط. لا ترد إلا إذا كانت الجملة الأولى: “حفظ الهدوء واجب”.»

ثم جمع هاتفه، ووقف.

ترك لي فرصة أن أنهي اللقاء كما أريد. لم يقل “يا مولاي”. لم يطلب مصافحة. فقط انحنى انحناءة صغيرة جدًا، تكاد تكون حركة احترام مهني، ثم ابتعد بخطوات هادئة نحو داخل الردهة، واختلط بالناس كما لو أنه لم يجلس أمامي قبل دقائق.

بقيتُ وحدي أمام الطاولة، والورقتان أمامي، والهاتف في يدي.

اتصلت بسليم فورًا. لم أشرح التفاصيل كلها، قلت فقط:

«التقينا. الرجل ليس واضحًا كمنتحل حتى الآن. أرسل لك رسالة “الخدم”، صحيح؟»

قال سليم: «صحيح. ماذا تريد أن تفعل؟»

نظرت إلى الورقة التي كتب عليها عبارة التحقق، ثم قلت:

«سأتحقق من سبرينة وسلّمـ… سلمى. ثم نقرر.»

قال سليم: «حسنًا. لكن لا تطل. وكل شيء بحد أدنى من الكلام.»

أغلقت المكالمة، ونهضت. لم أخرج فورًا. وقفت لحظة قرب النافذة، أرى المدينة تمضي كأن لا شيء فيها سوى الدراسة والعمل والزحام.

وفي داخلي كان سؤال واحد يطرق بهدوء:

إذا كان هذا هو “أخف” اتصال إمبراطوري يمكن أن يحدث في حياتي… فكيف سيكون ثقل المراسم عندما تبدأ؟

2026/05/21 · 2 مشاهدة · 2214 كلمة
poseidon
نادي الروايات - 2026