خرجتُ من الفندق وأنا أحاول أن أبدو طبيعيًّا قدر الإمكان، لكنني كنت أعرف أن “الطبيعي” صار مسألة تمثيل. لم يكن المكان مخيفًا، ولم يكن الرجل الذي تحدثت معه يضع سكينًا على عنقي، ومع ذلك شعرتُ أنني خرجت من لقاءٍ أثقل من حجمه. لقاءٌ لا يترك لك حسمًا كاملًا: لا تستطيع أن تصدّق تمامًا، ولا تستطيع أن تكذّب تمامًا. كل ما تستطيع فعله هو أن تبني طبقات تحقق، طبقة فوق طبقة، حتى لا تسقط في فخٍّ واحد.

وقفتُ قرب الرصيف في منطقة تقل فيها العيون المباشرة، وأخرجتُ الهاتف. كان في داخلي قرار واضح: إذا كان هذا الرجل صادقًا، فلابد أن رسائله ليست محصورة في “سليم” وحده. وإذا كان كاذبًا، فسيظهر التناقض عند أول اصطدام بين شهادات الحراس العلويين.

فتحتُ جهات الاتصال التي سجلتها بالأمس، ووقفتُ لحظة أمام الأسماء. لم تكن مجرد أسماء الآن. كانت أدوارًا. “درع”، “شفاء”، “عين”، “سيف”، ثم “كلمة” بجانبي. كل اسم منها يحمل احتمالين: أن يكون سندًا، أو أن يكون ثغرة. لكنني لم أكن أملك رفاهية تجنبهم. نحن داخل دائرة فرضتها الجزيرة، ولن ينجو من الدائرة من يتظاهر أنها غير موجودة.

بدأت بسبرينة.

كنت أعرف—من الكلام الذي ثبتناه—أن سبرينة مغربية، لكنها تسكن في الصين. مجرد هذه الحقيقة كانت كافية لتجعل المسافة بين زر الاتصال وبين صوتها مسافة قارات.

ضغطتُ الاتصال.

رن الهاتف رنّة طويلة، ثم رنّة ثانية. كنت أراقب الشارع حولي، وأراقب وجهي في انعكاس زجاج سيارة قريبة، كأنني أخشى أن يقرأ أحدٌ على ملامحي أنني لا أتصل بصديق، بل بدرع إمبراطوري.

أجابت أخيرًا بصوتٍ منخفض، وكأنها تعودت أن تضبط نبرتها قبل أن تخرج:

«نعم؟»

قلت فورًا، دون مقدمات طويلة:

«سبرينة. أنا ريان. سؤال واحد. هل وصلتك اليوم رسالة قصيرة من جهة تُسمّي نفسها “الخدم” أو “الخدم الإمبراطوري”؟»

صمتت لحظة قصيرة جدًا. ثم قالت بصرامة واضحة:

«نعم. وصلت. وكانت تطلب التزام الهدوء وعدم التصريح بأي شيء قبل الدعوات الرسمية.»

قلت: «هل تضمنت أي تفاصيل؟»

قالت: «لا. كانت محسوبة. سطر واحد تقريبًا.»

أغلقت في داخلي أول دائرة تحقق. هذا يعني أن الرجل—أو الجهة—وصلت إلى أكثر من شخص من الحراس العلويين. ليس دليلًا مطلقًا، لكنه خطوة.

قلت: «شكرًا. هذا يكفي الآن. لا تتحدثي عن هذا مع أحد خارج الدائرة.»

قالت: «مفهوم.»

ثم أضافت جملة قصيرة، لم تطلها ولم تشرحها، لكنها حملت طبعها:

«إن احتجتَ درعًا… لا تكثر كلامًا. فقط قل: الآن.»

أغلقتُ المكالمة.

نظرتُ إلى أعلى الشاشة… ورأيت شيئًا لم أهتم به في البداية: رصيد الاتصال ينخفض بسرعة. الاتصال إلى الصين ليس محادثة عادية، بل نزيف بطيء للأرقام الصغيرة التي تراكمها كطالب.

لم يكن لدي وقت للتردد. انتقلتُ إلى سلمى.

سلمى سعودية. هذا أيضًا اتصال دولي. ضغطت زر الاتصال وأنا أحاول أن أجعل سؤالي أقصر من السابق.

رنّ… ثم جاءني صوتها. كانت نبرتها هادئة، لكن فيها جدية قوية، كأن من عاش بحر الدم خرج وهو يتقن فنّ السيطرة على النفس.

قلت مباشرة:

«سلمى. ريان. سؤال واحد: هل وصلتك رسالة من جهة تُسمّي نفسها الخدم؟»

قالت: «نعم.»

قلت: «هل كانت قصيرة؟»

قالت: «قصيرة جدًا. ومقصودة. وكان فيها تحذير من التواصل مع الغرباء.»

سألتها سؤالًا إضافيًا صغيرًا، لأنني كنت أحتاج مؤشرًا على نوع التفكير:

«هل تثقين بها؟»

توقفت لحظة، ثم قالت بصراحة لا تعرف المواربة:

«لا أثق بأي شيء. لكني أتعامل مع الرسالة كإجراء احترازي صحيح. الهدوء ضرورة.»

قلت: «تمام. لا نزيد شيئًا الآن.»

قالت: «مفهوم. و… حافظ على نفسك.»

أغلقت المكالمة.

نظرت إلى الرصيد مرة أخرى. الرقم انخفض أكثر. كنت أشعر كأنني أدفع ثمن “الإمبراطورية” من جيب طالب.

تبقى سيلينا وكارل.

سيلينا أمريكية. كارل بريطاني. كلاهما اتصال دولي.

وقفت لحظة، وسألت نفسي إن كنت أحتاج مكالمتين أخريين الآن. ثم تذكرت قاعدة الجزيرة: لا تترك ثغرة دون إغلاقها إذا كان إغلاقها ممكنًا. لقد تحققت من اثنين، لكن لو كان هناك تلاعب، فقد يكون انتقى أشخاصًا بعينهم. أريد تأكيدًا من الطرفين الآخرين أيضًا.

اتصلت بكارل أولًا.

رن الهاتف مدة أطول. ثم أجاب. كان صوته ثقيلًا قليلًا، والنبرة الإنجليزية تُسمع تحت العربية الفصحى التي يتعمد أن ينطقها ببطء كي لا يخطئ.

قلت:

«كارل. ريان. سؤال واحد فقط. هل وصلتك رسالة من جهة تُسمّي نفسها الخدم؟»

قال بوضوح:

«نعم. وصلت. وكانت تؤكد الالتزام بالصمت حتى المراسيم.»

قلت: «هل كان فيها شيء آخر؟»

قال: «لا. لكنّها… تحمل أسلوبًا بروتوكوليًا. كأنها من مكتب، لا من شخص.»

هذا تعليق مهم. الأسلوب لا يثبت الحقيقة، لكنه يثبت نمطًا: هناك جهة تعمل بعقلية مؤسسة.

قلت: «شكرًا. انتهى.»

أغلقت المكالمة بسرعة.

ثم اتصلت بسيلينا.

كنت أتوقع تأخرًا في الرد، لكنّها أجابت بعد رنّتين فقط، كأنها كانت ممسكة بالهاتف أصلًا.

قلت:

«سيلينا. ريان. هل وصلتك رسالة من جهة تُسمّي نفسها الخدم؟»

قالت فورًا، بالفصحى الواضحة التي تحمل أثر تعلّم:

«نعم. وصلت. وكنت سأكتب لك، لكني ترددت.»

قلت: «لماذا ترددتِ؟»

قالت: «لأن أي رسالة إضافية قد تُلتقط. الرسالة قالت بوضوح: لا توسعوا الدائرة.»

قلت: «صحيح. لهذا اتصلت بدل أن أكتب.»

قالت: «فهمت. هل هناك خطر؟»

قلت: «لا أعرف. نحن نتحقق فقط.»

قالت: «حسنًا. إذا احتجت مراقبة أو معلومات… أخبرني دون تفصيل.»

أغلقت المكالمة.

وبمجرد أن انقطعت آخر رنّة، نظرت إلى الرصيد… فوجدته قد كاد يفرغ.

ضحكتُ ضحكة قصيرة بلا صوت، ليست لأنها مضحكة، بل لأن الواقع يحب أن يذكّرك بأبسط الأشياء في أسوأ اللحظات: إمبراطور سماوي للأرض… ورصيده نفد بسبب مكالمات دولية.

جلستُ على مقعد قريب للحظة، وجعلتُ الهاتف في يدي كأنه قطعة معدنية لا قيمة لها. كنت أشعر الآن بثلاثة أشياء في الوقت نفسه:

أولًا: الرجل لم يكن وحده. الرسائل وصلت للحراس الأربعة بالفعل، وهذا يعني أن هناك قناة تنظيم حقيقية، أو شبكة احتيال واسعة جدًا. احتمال الاحتيال الواسع موجود، لكنه يصبح أقل مع كل تأكيد مستقل.

ثانيًا: الحراس العلويون ليسوا “أشخاصًا من مدينة واحدة” كما كنت أتخيل في لحظة سذاجة. هم موزعون على دول مختلفة: سبرينة مغربية تسكن في الصين، كارل بريطاني، سيلينا أمريكية، سلمى سعودية. هذا وحده يعطي معنى جديدًا لكلمة “إمبراطورية”. الإمبراطورية لم تُصنع لمدينة واحدة. صُممت منذ البداية على شكل شبكة عالمية. الجزيرة لم تختر أقوى من مدينة واحدة، بل اختارت نقاطًا في العالم كله.

ثالثًا: حياتي المدنية ستصطدم بهذه الحقيقة كل يوم. أنا لا أستطيع أن أبني دولة عالمية بهاتف طالب ورصيد ينفد.

رفعت الهاتف واتصلت بسليم.

ردّ سريعًا:

«نعم؟»

قلت:

«وصلتهم جميعًا. سبرينة، سلمى، كارل، سيلينا. الرسالة نفسها، الأسلوب نفسه. وفرغ رصيدي من الاتصالات الدولية

سليم سكت لحظة، ثم قال:

«هذا يجعل وجود “الخدم” أقرب للحقيقة. لكن لا يعني أنه آمن.»

قلت:

«أعرف. لكن الآن… الخط التالي؟»

قال سليم بنبرة محسوبة:

«الخط التالي: لا مزيد من اتصالات دولية من هاتفك. سنحتاج طريقة تنظيم مختلفة. ربما نستخدم مكالمة واحدة جماعية عبر تطبيق، أو ننتظر حتى تأتي الدعوات الرسمية التي ستوفر قناة اتصال أقل تكلفة وأكثر سرية. والأهم: لا نتحرك وحدنا.»

قلت وأنا أنظر إلى الرصيد الفارغ:

«اتصالاتي فرغت رصيدي بالكامل.»

سليم لم يضحك. قال بجدية:

«هذه تفاصيل صغيرة… لكنها دليل على أنك ما زلت على الأرض. وهذا جيد. لأن من ينسى الأرض… يخسرها.»

أغلقت المكالمة.

وقفتُ ببطء، وأعدت الهاتف إلى جيبي. كنت أشعر أنني انتهيت من الجزء الأول: تحقق أساسي من وجود شبكة “الخدم”. بقي الجزء الثاني أصعب: ماذا أفعل بهذا التحقق؟ هل أعود إلى الرجل وأعطيه فرصة تنظيم؟ أم أؤجل وأراقب؟ أم أضع له اختبارًا أقسى؟

مشيت ببطء في الشارع، والمدينة حولي تواصل حياتها. الناس لا تعرف شيئًا، لكن “الإمبراطورية” بدأت تتشكل في صمت بين أربعة قارات ورصيدي الذي نفد.

وفي رأسي، كانت جملة واحدة تعود بإيقاع ثابت:

الوقت يعمل ضد الهدوء.

لكنني كنت أعرف أيضًا شيئًا آخر، تعلمته من الجزيرة:

الاندفاع يعمل ضد البقاء.

2026/05/21 · 0 مشاهدة · 1159 كلمة
poseidon
نادي الروايات - 2026