كنتُ ما زلتُ واقفًا على الرصيف، والهاتف في جيبي صار خفيفًا على نحوٍ مُهين، لأن الرصيد الذي كان يربطني بالعالم ابتلعته المكالمات الدولية كما يبتلع البحرُ حجارةً صغيرة. خمس مكالمات، خمس قارات، وخيطٌ واحد أردتُ به أن أتأكد أنني لا أُسلِّم نفسي لمحتال… فانتهيتُ إلى حقيقة ساخرة: حتى الإمبراطور يحتاج أن يشحن خطه مثل أي طالبٍ عادي.
مشيتُ ببطء، لا لأنني تائه، بل لأنني كنتُ أريد أن أسمع نفسي من الداخل. خطوة… ثم خطوة… والمدينة حولي تُكمل حياتها بلا اهتمام. الناس يتبادلون الأخبار، يرفعون رؤوسهم إلى السماء بين حين وآخر كمن ينتظر عودة الجزيرة، ثم يعودون إلى هواتفهم وحقائبهم. أما أنا فكنتُ أحمل في رأسي ما لا يصلح أن يقال على الرصيف.
وقبل أن أصل إلى الزاوية التي تُخفف الضجيج، حدث الشيء الذي صار “عاديًا” بطريقة مؤذية: الهواء أمامي انشقّ بصمت، وظهرت شاشة شفافة في الهواء، ليست شاشة هاتف ولا شاشة تلفاز. شاشة النظام… تلك التي تعرف كيف تظهر بلا استئذان، وتختار دائمًا اللحظة التي أكون فيها أكثر هشاشة.
توقفتُ تلقائيًا، والتفتُّ بعيني فقط لأتأكد أن لا أحد يحدق في الفراغ حيث أقف. كان المارة منشغلين، والسيارات تبتلع الأصوات. ومع ذلك شعرتُ بأنني يجب أن أبدو كمن ينتظر سيارة أو يقرأ رسالة على هاتفه، لا كمن يخاطبه الكون مباشرة.
ظهرت الرسالة على الشاشة بنبرة تفسيرية باردة، وكأنها تقول إنها تفعل هذا رحمةً بي لا لإذلالي:
«لا تشك كثيرًا. إن رئيس الخدم الإمبراطوري ليس محتالًا، بل هو أكثر شخص ولاءً لك. وهو موجود في ذاكرتك المختومة من المئتي ألف سنة.»
قرأتها مرة… ثم مرة ثانية.
كان في الجملة شيء يوجعني أكثر من طمأنتها. طمأنتني لأنها أغلقت باب الاحتيال الذي ظل ينهش رأسي منذ المكالمة الأولى. لكنّها وجعتني لأنها ضغطت بإصبعها على موضع الختم في رأسي بلا رحمة: “موجود في ذاكرتك المختومة.” كأنها تقول: أنت تعرفه… لكنك لا تعرف أنك تعرفه. والفرق بين الاثنين ليس بسيطًا، بل مُهين.
شعرتُ برغبةٍ غريبة أن أجادل الشاشة كما يجادل الإنسان شخصًا حقيقيًا. أن أقول لها: ومن أعطاك الحق أن تقرر متى أطمئن؟ ومن قال إن الطمأنينة وحدها تكفي؟ لكنني لم أفعل. تعلّمتُ في الجزيرة أن الجدال مع النظام لا ينتهي إلى نتيجة، بل ينتهي إلى جملة مستفزة أخرى، أو إلى صمتٍ أشد.
ابتلعتُ ريقي، ونظرتُ حولي مرة أخرى. لا أحد ينتبه. الشاشة كانت شفافة بحيث لا يراها إلا من يراها… وهذا وحده كان يذكّرني بأنني لست ضمن البشر بالطريقة التي يظنونها.
اختفت الشاشة كما ظهرت، بلا أثر، وتركتني واقفًا مع جملة واحدة معلّقة في الهواء الذي لا يراها أحد.
“أكثر شخص ولاءً لك.”
كانت كلمة “ولاء” في هذه المرحلة خطيرة، لأن الولاء على الأرض لا يأتي هكذا بلا ثمن. يأتي بمصلحة، بخوف، بعاطفة، بعقد. أما أن يقول النظام إنها حقيقة ثابتة… فهذا يعني أنها مرتبطة بما لا أتذكره. بما هو خلف الختم. بما هو من “مئتي ألف سنة” لا يملك عقلي المدني قدرة على تخيله.
تحركتُ أخيرًا، ودخلتُ زقاقًا جانبيًا أقرب إلى الهدوء. جلستُ على حافة حجر منخفض قرب جدار، وأخرجتُ الهاتف. فتحتُ المحادثة مع الرقم الغريب، وتوقفتُ عند آخر رسالة منه: “الوقت يعمل ضد الهدوء.”
ضحكتُ ضحكة قصيرة في داخلي. الوقت يعمل ضد الهدوء… والنظام يعمل ضد أعصابي.
ثم جاءني السؤال الطبيعي: ماذا أفعل الآن بهذه الطمأنة؟
كان أمامي خياران؛ إما أن أتعامل مع كلام النظام كإذنٍ مطلق فأفتح الباب على مصراعيه، وهذا خطأ. أو أتعامل معه كطبقة إضافية من التحقق، فأُخفف حدة الشك دون أن ألغي الحذر. وهذا هو الخيار الوحيد الذي يشبهني.
قلتُ في نفسي: سأعطيه فرصة واحدة إضافية… فرصة تُثبت أنه يعرف حدوده.
فتحتُ لوحة المفاتيح وكتبتُ له، بلهجة لا تحمل “يا مولاي” ولا “يا سيدي”، بل لهجة طالب يضع قواعد:
«وصلتني إشارة. سأتعامل معك كمنسق بروتوكولي مؤقتًا، لا أكثر. لا اجتماع ولا ترتيبات علنية دون إذن مباشر. وأي خطوة خارج هذا تُنهي الأمر.»
كنتُ قد قررت أن لا أكتب كثيرًا، لكن هذه كانت رسالة واحدة تكفي لرسم الحدود. ضغطتُ إرسال.
ثم تذكرت فجأة مسألة سخيفة جدًا… لكنها حقيقية: رصيدي نفد. إن أراد أن يتصل الآن، فلن أرد. وإن أردت أنا أن أتصل، قد لا أستطيع. الإمبراطور الذي يضخُّ التاريخ في عروقه… محاصر برصيد هاتف.
نهضتُ، ومشيتُ إلى أقرب محل صغير لبيع بطاقات التعبئة. دخلتُ كما يدخل أي شاب. قلتُ للبائع بهدوء: “أريد تعبئة.” ناولني البطاقة دون أن يرفع رأسه كثيرًا، كما لو أن الدنيا لم تتغير منذ أمس. دفعتُ ما تبقى معي، وخرجتُ وأنا أشعر أن هذه اللحظة وحدها تكفي لكتابة فصل كامل عن معنى “الحياة اليومية” وسط العرش.
جلستُ مرة أخرى في مكانٍ أكثر انفتاحًا قليلًا، وأدخلتُ الرمز في الهاتف. عاد الرصيد. عاد ذلك الخيط الصغير الذي يربطني بالناس… وبالمنظمة التي بدأت تتشكل حولي.
بعد ثوانٍ قليلة—كأنه كان ينتظر—وصل الرد من رئيس الخدم الإمبراطوري. رسالة قصيرة جدًا، لا تزيد على اللازم:
«مفهوم. سألتزم الحدود. وسأعمل على قناة واحدة مع رئيس الحراس لتقليل التشعب. حين تحتاجون، أنا موجود.»
أغلقتُ الشاشة، ووضعتُ الهاتف في جيبي. لم أشعر بارتياح كامل، لكنني شعرت أن شيئًا من التوتر انفكّ. ليس لأنني وثقت به تمامًا، بل لأن النظام نفسه أغلق احتمال الاحتيال الذي كان يجرّني إلى شكٍ عقيم.
لكن الطمأنينة لا تعني الهدوء. الطمأنينة قد تعني بداية قلقٍ جديد: إذا كان هذا الرجل “أكثر شخص ولاءً”، فما الذي يعرفه عني وأنا لا أعرفه؟ وما الذي سيظهر حين تبدأ المراسم؟ وهل سيكون “ظهوري” على الأرض منضبطًا كما يريد، أم أن شيئًا في داخلي سيكسر القناع؟
مرّت دقائق وأنا أسير بلا هدف واضح، ثم وجدت نفسي أعود تلقائيًا إلى طريق البيت. لم أكن أريد لقاءات أخرى اليوم. لم أكن أريد مقهى ولا قاعة. كنت أريد جدار غرفتي وسقفها وصمتها. أريد أن أضع رأسي على وسادة وأقنع نفسي أنني قادر على أن أكون طالبًا يومًا إضافيًا قبل أن يلتهمني البروتوكول.
وصلتُ إلى البيت مع المغرب. دخلتُ، أغلقتُ الباب، وخلعتُ حذائي. كانت الحركة نفسها التي فعلتها أمس… وكأن حياتي صارت تدور في دائرة صغيرة: جامعة، قلق، اتصال، ثم نوم.
جلستُ على السرير، وأخرجتُ الورقة التي كتبتُ عليها الأرقام سابقًا، ثم نظرت إلى الهاتف حيث صارت الأسماء مسجلة. سبرينة في الصين، كارل في بريطانيا، سيلينا في أمريكا، سلمى في السعودية، سليم هنا بجانبي في نفس المدينة… وأنا في المنتصف. شبكة عالمية، بنيت في ثلاثة أشهر داخل بعدٍ آخر، ثم أُلقيت على الأرض في ساعة واحدة.
لم أعرف متى تحولت حياتي إلى خريطة.
رنّ الهاتف مرة واحدة، رنّة رسالة. فتحتُها بحذر. كانت من سليم:
«هل اتصلت بهم؟»
أجبتُه:
«نعم. وصلتهم رسالة الخدم. والرجل ليس محتالًا حسب النظام أيضًا.»
سكتُّ لحظة قبل إرسال الجملة الأخيرة. ثم أرسلتها. لأنني أعرف أن سليم يحتاج معلومة بسيطة، لا قصة كاملة.
ردّ سليم بسرعة:
«حسنًا. لا نتحرك أكثر الليلة. غدًا نرتب.”
أغلقتُ الهاتف. تمددتُ على السرير. شعرتُ بثقل اليوم الثاني يهبط فوق صدري ببطء. لم يكن ثقلًا جسديًا، بل ثقل “الترتيب”. عندما تبدأ الدولة في التشكل، يصبح كل يومٍ جدولًا.
أغمضتُ عيني.
وفي الداخل… دون أن أدري، كان جسدي يواصل تلك التحولات الصامتة. لم أشعر بأن قلبي تغير، لم أشعر بأن الدم تغير، لم أرَ لونًا ولا لمعة. كان كل شيء يحدث خلف ستار الختم، خلف ستار الوعي. كل ما شعرتُ به فقط هو نومٌ عميق يعود ويبتلعني كأنني أغرق في بئر.
لكن قبل أن أغرق تمامًا، عاد صوت النظام—لا كرسالة هذه المرة، بل كإحساس بارد—يذكّرني بما قاله: “هو موجود في ذاكرتك المختومة.”
ثم اختفى الإحساس، وبدأ النوم.
---
حين استيقظتُ بعد ساعات، كنتُ أظن أنني سأجد رأسي أخف. لكنه لم يكن أخف، كان فقط أكثر “هدوءًا” من نوعٍ غريب، كما لو أن جسدي استراح بينما عقلي بقي يحمل العبء نفسه.
جلستُ، نظرتُ إلى الهاتف، ثم إلى سقف الغرفة. وقلتُ في نفسي: إذا كان هذا الرجل موجودًا في ذاكرتي المختومة… فمعنى هذا أن الأيام القادمة لن تختبر فقط قدرتي على القتال أو التمويه، بل ستختبر قدرتي على أن أواجه فراغي الداخلي دون أن أملأه بكلام الآخرين.
قمتُ من السرير، توضأت، وخرجتُ إلى المطبخ. شربتُ ماءً، ثم جلستُ لأتناول شيئًا بسيطًا. كانت حياة عادية، لكنني كنت أعرف أنها مجرد هدنة.
بعدها بقليل، اهتز الهاتف مرة أخرى برسالة جديدة من رئيس الخدم الإمبراطوري. كانت أقصر من كل شيء:
«تم ضبط القناة مع رئيس الحراس. لا خطوات علنية. فقط استعداد. إذا احتجتم أي ترتيب دون ظهور، أنا جاهز.»
حدقتُ في الشاشة قليلًا. ثم وضعتُ الهاتف جانبًا.
لم أجب. ليس لأنني أرفض، بل لأنني لا أريد أن أجعل التواصل عادةً تُستهلك في الهواء. تعلمت في الجزيرة أن بعض الصمت حماية.
وقبل أن أبدأ يومي، شعرت فجأة بارتياح صغير… ليس لأن الأمور صارت سهلة، بل لأنني في النهاية وصلت إلى نقطة واضحة: رئيس الخدم ليس سؤالًا الآن. السؤال الحقيقي هو: هل أستطيع أن أحافظ على “ريّان” وهو يتشكل حوله “إمبراطور”؟
تركت السؤال معلقًا، وقررت أن أؤجل الإجابة إلى الغد… إلى أن تأتي الدعوات… إلى أن يضطر العالم أخيرًا أن يرى ما كنا نخفيه.
وانتهى اليوم على هذا الشكل: طالب قانون في غرفة بسيطة، ينظّم أرقام دولة في هاتفه، ويحاول ألا يتذكر ما لا يستطيع تذكره، بينما شيء في داخله يواصل التحول بصمت… دون أن يعلم عنه شيئًا