نهضتُ من سريري مطفئًا المنبه، أتنفس بثقل كأنني أستيقظ من حلم مروّع لا ينتهي. رفعت جسدي بتكاسل، وتكفّل العبوس المرسوم على وجهي بإظهار اشمئزازي العميق من روتين حياة لا يليق حتى بجثة هامدة.

كالعادة... يوم آخر يشرع في السخرية مني. لا عائلة تنتشلني من وحدتي، ولا أصدقاء يخففون مرارة وجودي. لطالما شعرت أن القدر نفسه يلوّح لي بابتسامة ساخرة، قبل أن يصفعني مجددًا.

أمام مرآة الحمام، بصقتُ ماء المضمضة بعنف، ثم حدقت في وجهي المجهد. شعر أسود أشعث يهبط على جبهتي كستار كئيب، وعينان بنيتان تحدقان فيّ بعينين فارغتين لا ترى إلا الهزيمة.

تذكرت كيف انفصل والديّ بلامبالاة متناهية، وكيف رمَياني في حضن أقارب أمي، أولئك الذين تفننوا في إتقان دور الجلادين المقنعين بالقرابة. ومع كل يوم في كنفهم نما داخلي كرهٌ كثيف يلتف حول قلبي كاللبلاب السام.

وحين بلغت السن القانونية، انتزعت نفسي من جحيمهم وانتزعت معها كرامتي الممزقة، باحثًا عن وظيفة تحفظ لي شيئًا من وهم الاستقلال.

لحسن حظي - أو ربما لسوء حظ البشرية - كنت ذكيًا بما يكفي لأُقبل في شركة مرموقة.

ابتسمت لنفسي في المرآة بسخرية داكنة، وهمست بصوت متهكم:

"يا لها من حياة... حياة تستحق جنازة مبكرة."

قطع مناجاتي صوت منبه الهاتف ينادي. حدقت في الشاشة، اتسعت عيناي رعبًا.

"تبا... تأخرت!"

ارتديت ملابسي بسرعة جنونية، كأن النار تلاحقني، وانطلقت راكضًا كمن يهرب من قدره.

بعد أقل من ربع ساعة، كنت واقفًا في مكتب مديري الذي استقبلني بصراخ صاخب جعل طبلة أذني تتوسل للنجاة. ومع كل كلمة، كان رذاذ لعابه ينهمر على وجهي في طقس غريب من التوبيخ الممزوج بالاستحمام الإجباري.

يا إلهي... لو جئت بمظلة مطر، لكانت ستصبح أنسب من ربطة عنق اليوم.

رسمتُ ابتسامة صفراء على وجهي، أجاهد كيلا أرتكب جريمة:

"أعتذر عن تأخري، سيدي المدير. وكـتعبير عن أسفي العميق... سأتحمل مسؤولية توظيف سكرتيرة جديدة كما طلبت."

لمعت عيناه جشعًا، ووضع قدمًا فوق الأخرى كملك مهووس بنصرٍ تافه:

"هكذا يكون التكفير عن الخطايا."

خرجت من مكتبه بخطوات متثاقلة، كأنني أحمل صخرة على ظهري، وجسدي يصرخ: "حتى بيئة العمل صارت مقبرة للأمل."

بعد يوم طويل يليق بذكرى جنازة سعادتي، قررت الذهاب إلى مطعم، متوهمًا أن الطعام قد ينقذ ما تبقى من معنوياتي.

لكن بعد أول لقيمات، شعرت بأن شيئًا مريعًا يزحف في داخلي. أطرافي بدأت تبرد تدريجيًا، وضربات قلبي صارت همسًا واهنًا في صدري.

الظلال تمددت على أطراف رؤيتي... ثم التهمت كل شيء.

حاولت أن أتنفس، لكن الهواء صار رفاهية بعيدة، وصوت الصراخ من حولي ذاب في الدوّار والظلمة.

...

فتحت عيني ببطء شديد، الضوء يغمرني بقسوة حتى كدت أعمى. رفعت كف يدي أتّقيه، وأنا ألتقط أنفاسي المرتبكة.

نظرت حولي. حجرة فسيحة تتوهج بالنقوش الذهبية وكأنها معبد غريب أو متحف لملوك ماتوا منذ قرون.

جلستُ بارتباك، وحين رفعت اللحاف عني لم أدرك علو السرير. فقفزت سريعًا... ووجدت نفسي أهوي مباشرة على وجهي.

تأوهت ويدي على أنفي، تمتمت بشك مريض:

"هل... أنا في النعيم؟ أم في كابوس أكثر سخرية من حياتي الماضية؟"

لكن الإجابة ظهرت قبل أن أكلف نفسي عناء النهوض. على يميني، مرآة ضخمة تنتظرني.

رفعت رأسي ببطء، وقلبي يخفق في رأسي كطبول حرب.

لحظة صمت مطبقة.

طفل غريب، شاحب الوجه، عيناه صفراوان تتلألآن بغرابة... يحدق بي من وراء الزجاج.

شهقت، وضعت يدي على وجهي المرتعش:

"م... من هذا؟!"

لكن ذاك الطفل رفع يده أيضًا حين رفعت يدي.

ارتعدت أصابعي.

"لا... لا يمكن..."

خرج صوتي مرتعشًا كأن حبالي الصوتية لا تصدق ما يحدث:

"أنا... تجسدت؟!"

صرخت بصوتٍ صغير مبحوح لا يليق برجل بالغ حُشر في جسد طفل:

"آااااااه!!!"

وبدا أن أحدًا سمعني أخيرًا، إذ دخلت خادمة شابة، وما إن وقعت عيناها عليّ حتى سقطت صينية الحساء من يديها وارتطم الطبق بالأرض.

صرخت مذعورة:

"سيد آرثر!!!"

وركضت بهلع مختفيه بين الاروقة.

لم أتح للحظات أن تهدأ، إذ انفتح الباب بعد دقائق، وتسللت برودة غريبة إلى الغرفة.

دخل ثلاثة رجال برداء أسود طويل يلامس الأرض، تخفي وجوههم أقنعة قماشية. وعلى صدورهم شعار ذهبي على شكل ثعبان يلمع تحت وهج المشاعل.

تبادلنا النظرات الثقيلة، لا أحد منهم ينبس بكلمة.

أخيرًا حاولت كسر هذا الصمت المريب:

"ما..."

قاطعني أحدهم بصوت متهدج:

"السيد الصغير آرثر... هل أنت بخير؟!"

كدت أرد: "إذا كان لديك لسان، لماذا لم تستخدمه قبل قليل يا عبقري؟" لكني بلعت غضبي في آخر لحظة.

حقًا... إذا كنت في الجنة، فلا بد أنها نسخة سايكو.

تقدم أحدهم وحملني إلى السرير بخفة، بينما كنت أنظر إلى السقف في حالة إنكار وجودي ذاته.

اصطفوا حولي وشرعوا يتلون كلمات غريبة كتعويذة ما.

شهق أحدهم فجأة وقال بنبرة مرعوبة:

"علينا جلب السيد الأكبر ويليام حالًا!"

رائع... ويليام الآن.

مرت دقائق، ثم...

اقتحم الغرفة شاب طويل القامة، شعره الأسود الداكن مرفوع بطريقة تكشف عن عينين عسليتين تلمعان بقلق مبالغ فيه.

صوته شق الصمت بحدة:

"آرثر! هل أنت بخير؟!"

رفعت إصبعي وأشرت إلى أنفي، أتأكد أنه لا يخاطب شبحًا خلفي

ثم حدقت فيه بتعبير فارغ:

"...ربما"

بدت الصدمة على وجهه من طريقة كلامي الجديدة بالنسبه له

. رد بنبرة متشككة:

"تبدو... بخير؟"

ثم عقد حاجبيه بجدية وسأل:

"لكن بحق السماء، ماذا حدث لك؟"

هززت كتفيّ بهدوء لم أكن أشعر به من الداخل.

نظر إلى الحشد حولي، ولوّح لهم بيده:

"افحصوه."

وضع أحدهم يده على رأسي، وعادوا يرددون تلك التعاويذ المزعجة.

أما أنا، فقد كنت أغرق في ذهني أستحضر شظايا ذكريات لا أصدقها.

"آرثر... ويليام..."

الأسماء... أنا أعرفها.

قلبي انكمش حين تذكرت.

رواية قديمة قرأتها ذات مساء بائس... شريرٌ تافه اسمه آرثر، ذراع اليمنى لشرير الإمبراطورية الذي خُطِّط لخرابها.

لكن آرثر... مات في الأسبوع الأول من الثورة.

يا للقدر الساخر...

أنا لست بطل القصة... بل الضحية المكتوبة مسبقًا.

بكيت داخليًا، وكأن آخر ذرة أمل فيّ قد لفظت أنفاسها.

"لماذا... لماذا القدر يصر على التآمر ضدي؟!"

2025/07/05 · 68 مشاهدة · 881 كلمة
Serm
نادي الروايات - 2026