لقد التهمني الجحيم.

نعم، اكتشفت ذلك مبكرًا جدًا وأنا جالس فوق السرير الوثير، أحدق بالسقف المزخرف كأنني أنتظر منه أن يهمس لي سرّ هذا الكابوس المترف.

ما الذي سأفعله هنا؟

ما الذي سيؤول إليه مستقبلي وسط هذه العائلة المجنونة؟

خرج ويليام مع السحرة الثلاثة الذين يشبهون الغربان السوداء، يتهامسون خارج الغرفة وكأنهم يخططون لتقاسمي قطعًا بينهم.

كنت غارقًا في أفكاري إلى درجة أنني لم أنتبه إلا عندما تذكرت أمرًا جوهريًا:

هذا الجسد الذي أقبع فيه لا ينتمي إلى بطل ولا إلى شخصية جانبية بلا أثر… بل إلى شرير ملعون سيموت في غضون أسابيع!

تذكرت الرواية بوضوح مفاجئ جعل معدتي تنقبض:

في هذه العائلة النبيلة يتصارعون كوحوش على مقعد الدوق، تمامًا ككل الروايات الكلاسيكية المستهلكة التي ظننتها مجرد تسلية.

لكن حين تصبح أنت داخلها… تصير كل صفحة مأساة حية.

ندمت على كل لحظة في حياتي السابقة تركت فيها الكآبة تنهشني دون مقاومة. لو عدت إلى تلك الأيام، لعشتها حتى العظم.

لكن الآن لا وقت للندم. علي أن أسيطر على وضعي قبل أن يظهر الشرير الرئيسي أو يلوح البطل الذي من المفترض أن يقتلني بابتسامة إنسانية مزيفة.

فتح الباب بهدوء، وعاد ويليام، وجهه تغطيه ظلال الحزن. جلس على الأريكة العريضة بجانب السرير وكأنه يحمل همّ الكون على كتفيه.

خرج صوته عميقًا، يقطر إحباطًا:

"آرثر... قال الكهنة إنك مصاب بفقدان ذاكرة مؤقت، لذا سأخبرك قليلاً عما قد تكون نسيته."

أومأت برأسي في صمت متعمد، أحاول إخفاء التوتر.

تنهد وأكمل:

"اسمك آرثر فينلورث. عمرك اثنا عشر عامًا. لدينا إخوة وأخوات: أنا الأكبر، ويليام... ثم إدورد وروبرت. أما الأختان فهما كلارا وإلينور."

تجمدت.

إدورد… إدورد… أين سمعت هذا الاسم مرارًا؟

ثم داهمني الإدراك كالصفعة.

إنه البطل اللعين. البطل الذي سيقتلع حياتي كما تقتلع الرياح زهرة يابسة!

لكن قبل أن أفرّغ شتائمي، واصل ويليام كأنه يسكب الزيت على النار:

"لقد دخلت في غيبوبة لأن إدورد هزمك حين تقاتلتما بإشراف رئيس الحراس."

يا إلهي… ما مدى غباء هذا الطفل الذي كنتُه؟ كيف تجرأ على العراك مع البطل الذي يفترض أن يكون حبل نجاتي؟

بلعت غضبي وتساءلت:

"لِمَ تعاركنا؟"

تقلصت عيناه الحادتان حتى ظننت أنه سيخترق جمجمتي بنظراته:

"هذا ما أردت سؤالك عنه بعد أن تستفيق… إدورد امتنع عن الإجابة."

اللعنة… هذا مريب جدًا. إدورد لا يتشاجر دون سبب مقنع، بل ولا يتشاجر أصلًا إلا إذا كان هناك خطر حقيقي.

نهض ويليام بهدوء يشوبه القلق، وتوجه نحو الباب:

"سأذهب الآن بعدما اطمأننت عليك. إن احتجت أي شيء… لا تتردد في طلبه."

راقبته حتى غاب خلف الباب، ثم زفرت بحرارة.

هكذا إذن… عراك غامض مع البطل، فقدان ذاكرة مزعوم، عائلة متصارعة، مصير بائس.

حسنًا… اللعبة بدأت.

وقفت أمام المرآة، أتأمل وجهي الجديد: وجه جميل شاحب، عينان صفراوان وملامح نبيلة متعجرفة.

لو فشلت خطة النجاة الأولى، فخطة (ب) ستكون استغلال هذا الوجه الوسيم حتى آخر عملة نقدية في هذه الدوقية.

ابتسمت بشر:

"رائع… لا بأس ببعض الاحتيال."

لكن قبل أن أطيل في أحلامي المريبة، حانت مني التفاتة إلى رفوف الكتب. تذكرت أن مفتاح نجاتي قد يكون في تفاصيل لا أعرفها.

نعم… علي الذهاب إلى المكتبة الآن، قبل أن يكتشفوا أني أتعافى بسرعة مشبوهة.

خرجت من الغرفة بخطوات حذرة.

وفي اللحظة التي انغمست فيها أتأمل النقوش الذهبية الفخمة على الجدران وأفكر كم سأجني من بيع أحد الأثريات، اصطدمت بشيء صلب.

رفعت عيني.

فتى أطول مني ببضع سنوات. شعره أشقر فاتح حتى ظننته أبيض، عيناه صفراوان تلمعان بهدوء بارد لا يليق إلا بجليد جبلي.

روبرت… هذا حتمًا هو. وصفت الرواية جماله الشاحب وطباعه اللامبالية… لكن لا مقارنة بين الحبر والواقع.

مد يده إليّ وقال بصوت منخفض متجمّد:

"يبدو أن الأدب اختفى مع ذاكرتك."

يا لوقاحته… لحظة، هل أشتمه أم أشكره لأنه لم يرفعني من ياقة قميصي كقطة شاردة؟

وضعت يدي في يده ونهضت متظاهرًا بالامتنان:

"شكرًا… أظن."

لم يرد. اكتفى بالنظر إلي بازدراء خفيف ثم استدار ليغادر.

لكن قبل أن يبتعد، تذكرت أني بحاجة إلى حليف، مهما بدا باردًا وعديم الإحساس.

تماسكت وقلت بنبرة مترددة مفتعلة:

"روبرت… انتظر."

توقف، أدار رأسه ببطء، حاجباه مرفوعان قليلًا.

تقدمت نحوه خطوة وأنا أرتدي قناع البراءة:

"أتعلم… أظنني… ربما سأحتاج مساعدتك. لا أتذكر شيئًا… لكني لا أشعر بالأمان في هذا المكان. لو كان أحد… حاول إيذائي…"

تغير شيء طفيف جدًا في نظرته، كأنه لمح فرصة ما.

قال ببرود يغالطه فضول خفي:

"ولِمَ تظن أني سأساعدك؟"

أخفضت صوتي أكثر:

"لأنني… أعلم أن لديك مصلحة في أن أظل حيًا."

اتسعت عيناه بقدر لا يراه إلا من يحدق جيدًا.

تابعت بثقة هادئة:

"لنقل إنني أملك ما يهمك… شيئًا ربما لا تتذكره أنت أيضًا."

صمت مشحون بيننا، ثم زفر ببطء وقال:

"…سأعتبر هذا وعدًا منك."

ابتسمت نصف ابتسامة:

"وعد… وربما صفقة."

ابتعد خطوة وهو يتفحصني كما لو كنت لغزًا صعبًا، ثم التفت ومضى في الممر.

شعرت لأول مرة أني أمسكت بخيط صغير وسط فوضى هذا العالم.

نعم… إن استطعته كسبه في صفي، قد أضمن لنفسي فرصة أخرى حين تنقلب الطاولة.

هززت رأسي لأطرد الأفكار، وتابعت طريقي نحو المكتبة.

دخلت القاعة الواسعة التي تشبه كاتدرائية للمعرفة، وبدأت ألتهم العناوين بنظري.

سحبت كتابًا ثقيلاً عن تاريخ دوقية فينلورث وجلست أقلب صفحاته.

في البداية، بدت المعلومات متطابقة مع ما قرأته في الرواية… حتى وقعت عيناي على سطر جعل قلبي يهوي إلى معدتي:

"…وقد تزوج الدوق ست نساء ليضمن وريثًا قويًا…"

ست نساء؟!

هذا ليس انحرافًا بسيطًا عن القصة الأصلية… هذا غش علني!

بل والأسوأ…

نظرت إلى شجرة النسب بذهول:

"ويليام… أخي من نفس الأم."

تجمدت.

يا للكارثة… هذا لم يحدث في الرواية قط.

مررت إصبعي ببطء على اسمي واسم

ويليام.

ابتسمت ابتسامة صغيرة شابها الغموض:

"حسنًا… هذا يفتح احتمالات جديدة."

أغلقت الكتاب.

لعبة العروش هذه بدأت للتو… وأنا لن أكون فيها دمية تافهة.

2025/07/06 · 42 مشاهدة · 880 كلمة
Serm
نادي الروايات - 2026